د . حقي إسماعيل
22-12-2010, 07:39 PM
إبداعية اللغة أو فطرية اللغة التي يمكن للإنسان من خلالها أن ينشىء أو يولد عددا غير متناه من الجمل في حالة إبداع لغوي ، كما أن له أن يفهم جملا لم يسبق له سماعها .
وقد أجمع جمهور العلماء ـ من خلال نقاشهم وإن تعددت أوجه هذا النقاش دينيا كان أم فلسفيا ـ على أن الإنسان قد جبل على الفطرة ، ودليلهم في ذلك نقلي من القرآن الكريم ـ وهو أعظم النصوص وثوقا ـ ، على حين قام الفلاسفة بالاستشهاد على قولهم برواية ( حي بن يقظان ) .
وقد أدرك اللغويون العرب العلاقة الموجودة بين المعاني من حيث كونها صورة مستقرة في الذهن وبين الاستعداد الفطري والتصور المبني في الذهن سواء كان هذا التصور تصورا مفترضا أم تصورا ثابتا ، ومن هذا الباب كان حد المعاني عند الشريف الجرجاني في كتابه ( التعريفات ) : (( أنها هي الصور الذهنية )) ، وحد الذهن أنه : (( الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر )) . ومن اللافت للانتباه أن الجملة عند أتباع المنهج التوليدي هي المدخل الأساس لدراسة أية لغة من اللغات الإنسانية بكون الجملة أهم المكونات الرئيسة للغة ، فضلا عن أن البحث في اللغة ـ أية لغة ـ تعد انطلاقة هامة لوصف إبداليات اللغة ، ودراستها ، والأنظمة المعمول بها فيها سواء كانت هذه الأنظمة متداولة بشكل شائع أو متداخلة من باب التنظير والتحليل والتطبيق ، ومن هنا عدت المدرسة التوليدية مدرسة لغوية بارزة حاولت أن تجعل أعمالها تدور حول الجملة في المقام الأول ، وهي مستفيدة مما توصلت إليه المدارس اللغوية التي سبقتها كالبنائية مثلا التي سجل عليها مأخذ عدم الاهتمام بدلالة الجملة إلا في حال يسيرة ؛ لأن جل اهتمام البنائية الاهتمام ببناء اللفظة الظاهر .
وإذا ما كان ذاك عند المدرسة التوليدية فإن علينا ومن باب الإنصاف العلمي أن ندرك أن العرب قد سبقوا أولئك في هذا المجال ـ أعني مجال الجملة ـ كما سبقوا غيرهم في أبواب مختلفة كالبنائية وغيرها مما أشيع في الدروس اللغوية المعاصرة . إذ إنهم لم يحتكروا جهدا في التنصيص على الجملة ، وتحليلها إلى مكوناتها ، فبحثوا الوظائف التي تؤديها الجملة بناء على التقسيمات الأساس منذ أول درس في النحو العربي باعتماده على بيان اصطلاحات معينة من مثل ( الكلام ) ، و ( الكلم ) ، و ( القول ) . فـ ( الكلام : هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها ) ، و ( الكلم : هو إما اسم ، أو فعل ، أو حرف ) ، و ( الكلمة : هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد ) .
وفي ضوء ما عرفوا به الجملة يمكننا استنباط الأسس التي تساعدنا في الممايزة بين ما يكون جملة ، وبين ما لا يكون اصطلاح الجملة بشكل عام ومتداخل على مستوى لغتنا العربية ؛ ولذلك قال سيبويه في ( الكتاب ) حين تعرض إلى المسند إليه والمسند : (( هذا باب المسند والمسند إليه ، وهما ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر ، ولا يجد المتكلم منه بدا ، فمن ذلك الاسم المبتدأ ، والمبني عليه ، وهو قولك : ( عبد الله أخوك ) ، و ( هذا أخوك ) ، ومثل ذاك ( يذهب عبد الله ) . فلا بد للفعل من الاسم ، كما لم يكن للاسم بد من الآخر في الابتداء )) .
ومن الصواب القول إن سيبويه لم يصرح علنا باصطلاح الجملة ؛ لأنه ليس المقام مقام الحديث عن الجملة نصا ، لكنه يشير إلى معناها ، ووظيفتها ، وهذا مستنتج من تركيزه على عنصرين أساسين هامين لا غنى عنهما في كل جملة تؤدي معنى يفيد فائدة يحسن السكوت عليها ، وهما ؛ المسند ، والمسند إليه ، وهذا الاصطلاحان يجمعهما اصطلاح ( الإسناد ) ؛ لأن الإسناد هو العملية التي تربط بين طرفيه ، وهو أساس قيام كل جملة ، وليست تخلو جملة منه ؛ لأن الجملة المفيدة التي يصح السكوت عنها ليست تخلو من عقلانية أو ذهنية . وهو ـ أيضا ـ : (( عملية ذهنية تعمل على ربط المسند بالمسند إليه )) كما قال د . المخزومي ، وهو : (( قرينة معنوية تفيد في تحديد المعنى النحوي )) للجملة .
ولا نكر لوثاقة العلاقة بين اللغة والفكر ، حيث إنهما المعبران عن بعضهما خير تعبير ، فكما أن الفكر هو الموطن الأول لكل ما يريد المتكلم التكلم به ، فإن اللغة هي الألفاظ التي يترجم بها المتكلم الفكرة المعينة المستوطنة في الذهن والناشئة عن تأثر نفسي بالمعنى ، فحين ينطق بتركيب معين لا بد من أن يكون ناتجا عن صورة أو عملية ذهنية ، وهذه العملية الذهنية هي الخطوة الأولى لبناء الجملة . ولعل من الغرابة ـ من باب القناعة والاقتناع ـ أن نرى أن النحويين المتقدمين كان لهم الاستعداد الفطري والموضوعي للوصول إلى مستوى التحليل الجملي في حدود عالية المستوى من الأداء ، ذلك التحليل لفكرة نسبت في ما بعد إلى الدرس اللساني الحديث على وجه من الجهالة ، وعلى وجه أبعد الحق عن أهله !!!! .
فتحدثوا عن الجملة من حيث وظيفتها ، ومكوناتها ، وأنماطها ، وعناصر تكوينها ، ودلالتها ، فتطرقوا إلى كون الجملة ـ أية جملة ـ تكون ثلاثة أقسام :
( 1 ) : إما جملة كبرى ( 2 ) : أو جملة صغرى . ( 3 ) : أو جملة كبرى ـ صغرى في
الوقت نفسه . إن ذلك التحديد كله مرهون بالاستعمال اللغوي للفرد بما يقتضيه المعنى الموجود داخل ذهنه الذي يرسم صورة المعنى المرسل من نفسية المنشئ فيؤطره ، سواء كان هذا الاستعمال نثرا أم شعرا أم كلاما مؤدى نطقا . فعندهم الجملة : (( الكبرى هي الاسمية التي خبرها جملة نحو : ( زيد قام أبوه ) ، و ( زيد أبوه قائم ) . والصغرى هي المبنية على المبتدإ كالجملة المخبر عنها في المثالين )) .
وإذا كان هذا حد الجملة الكبرى والصغرى عندهم فهناك اعتبار ثالث لهذين الأمرين ، يتمثل في كون الجملة بالاعتبار الثالث أن تكون ( كبرى ـ صغرى ) في الوقت نفسه ، وعلى ذلك تعد جملة : (( ( زيد أبوه غلامه منطلق ) كبرى باعتبار ( غلامه منطلق ) ، وصغرى باعتبار جملة الكلام )) . فجملة ( زيد أبوه غلامه منطلق ) هي جملة ( كبرى ) باعتبار أن بداخلها جملة ( صغرى ) هي ( غلامه منطلق ) المتألفة من مبتدإ ( غلامه ) + الضمير العائد الـ ( هـ ) + الخبر ( منطلق ) .
إن الذي دعا لوجود الجملة الصغرى عدم اكتمال معنى الجملة في الجملة الصغرى الأولى ( زيد أبوه ) ، فتشكلت لدينا جملتان صغريان الأولى منهما غير مكتملة المعنى إلا بالثانية كما أن الثانية لا يتم معناها الوظيفي إلا بالأولى ، هذا التكون للجملتين الصغريين كان مدعاة لأن تكون الجملة كلها جملة كبرى .
وقد تحدث اللسانيون المحدثون عن الجملة الكبرى والصغرى وأسموها البنية المشجرة ( التشجيرية ) وإن لم يستعمل النحويون العرب القدماء تلك البنية في درسهم النحوي ؛ لأن هناك فارقا في مستوى الأداء والتطبيق بين الدرسين ، فضلا عن عنصر الافتراق الزمني بين الدرسين .
إن تقسيم الجملة إلى كبرى وصغرى كانت له جوانب إيجاب على المستوى التطبيقي ، والجملة عند العرب إن لم تحقق الإفادة ( بمعنى يحسن السكوت عليها ) لا تعد جملة ، فشرط كون عدها جملة تحقيق الإفادة ، وتحقيق الإفادة قصد به النحويون القدماء والمحدثون تمامية المعنى بما يحقق ذلك المعنى عند المتلقي كما هو عند السامع . واللغة عندهم ـ كما عند غيرهم ـ لها وظيفتها ، ومعناها ، تلك الوظيفة وذلك المعنى لا يتأتى إلا بترتيب المفردات على وفق نسق قواعدي ، أو بترتيب تركيباتها .
أما الإعراب وحروف المعاني فهي وسائل تظهر علاقات الكلمات بعضها ببعض داخل النص
، أو التركيب . إن المتكلم يبني الجمل الكبرى والصغرى بحسب المعنى المستقر في ذهنه والناشئ عن تأثر النفسية ـ نفسيته ـ بما يحدث حوله وأمامه وداخله ، فيبني الكلمات كما يبنى الحائط ، وكما ينتقل ببيادق الشطرنج لتنتقل اللعبة من حيز إلى حيز آخر ، فيعمد إلى ترتيب الألفاظ بحسب المعنى بداخله على وفق ما يعتقد أنه سيوصل به المعنى إلى المتلقي سامعا كان أم قارئا ، مع تحقيق شرط الإفادة المعنوية عند المستقبل .
قد كان النحويون القدماء يظنون على وجه اليقين أن الهياكل النحوية هي هياكل فطرية بالضرورة ، وفي الوقت الذي كان هذا اعتقادا جازما عند النحويين فإنه يشكل فرضية عند أتباع المذهب التوليدي وأولهم ( نعوم تشومسكي ) مع إضافة بعض التعديل على ما قاله النحويون العرب القدماء .
وبعد فهل يحق لعاقل أن ينسب هذه المسألة إلى اللسانيين الغربيين المحدثين وقد تعدد حديث النحويين العرب القدماء عن مسألة فطرية اللغة ؟؟!!! .
وكنت قد توصلت في غير موضع إلى أن معظم ما يوجده الغربيون المحدثون من مناهج وإشارات ومسائل إنما هي موجودة في التراث العربي ، وفي الدرس العربي بتفصيل دقيق ، ولكن رماد التأثر المتناثر بالغربيين جعل كثيرا من الدارسين في ميادينهم يشير علنا وباطنا إلى أن هذه المسائل إنما أوجدها الغربيون على أنه إبداع لهم في نظرهم ، والصواب أنه إبداع للعرب نسبه الغربيون لهم ، وهذا مما لا أمانة علمية فيه ، ولا نحتاج إلى التذكير بأن الغربيين لا بد من أنهم اطلعوا على ما في الدرس العربي في التراث العربي فأفادوا منه وعملوا على تطويره ، وهذا مكنهم من إعطاء الحق لأنفسهم بأن ينسبوه إلى ذواتهم ... ولن أذكرك بالأدلة الدامغة التي تقذف بالحق على الباطل ؛ لأنها على كثرة غير قليلة ، فيكفيك الرجوع إلى أي مصدر لغوي أو نحوي أو بلاغي وباطلاع يسير لك أن تتلمس فيها ما موجود في الدرس العربي في القرون الأولى وما توصل إليه الغربيون سواء على مستوى المناهج ، أو على مستوى التطبيق ، أو على مستوى تحقيق الوظائف .
وقد أجمع جمهور العلماء ـ من خلال نقاشهم وإن تعددت أوجه هذا النقاش دينيا كان أم فلسفيا ـ على أن الإنسان قد جبل على الفطرة ، ودليلهم في ذلك نقلي من القرآن الكريم ـ وهو أعظم النصوص وثوقا ـ ، على حين قام الفلاسفة بالاستشهاد على قولهم برواية ( حي بن يقظان ) .
وقد أدرك اللغويون العرب العلاقة الموجودة بين المعاني من حيث كونها صورة مستقرة في الذهن وبين الاستعداد الفطري والتصور المبني في الذهن سواء كان هذا التصور تصورا مفترضا أم تصورا ثابتا ، ومن هذا الباب كان حد المعاني عند الشريف الجرجاني في كتابه ( التعريفات ) : (( أنها هي الصور الذهنية )) ، وحد الذهن أنه : (( الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر )) . ومن اللافت للانتباه أن الجملة عند أتباع المنهج التوليدي هي المدخل الأساس لدراسة أية لغة من اللغات الإنسانية بكون الجملة أهم المكونات الرئيسة للغة ، فضلا عن أن البحث في اللغة ـ أية لغة ـ تعد انطلاقة هامة لوصف إبداليات اللغة ، ودراستها ، والأنظمة المعمول بها فيها سواء كانت هذه الأنظمة متداولة بشكل شائع أو متداخلة من باب التنظير والتحليل والتطبيق ، ومن هنا عدت المدرسة التوليدية مدرسة لغوية بارزة حاولت أن تجعل أعمالها تدور حول الجملة في المقام الأول ، وهي مستفيدة مما توصلت إليه المدارس اللغوية التي سبقتها كالبنائية مثلا التي سجل عليها مأخذ عدم الاهتمام بدلالة الجملة إلا في حال يسيرة ؛ لأن جل اهتمام البنائية الاهتمام ببناء اللفظة الظاهر .
وإذا ما كان ذاك عند المدرسة التوليدية فإن علينا ومن باب الإنصاف العلمي أن ندرك أن العرب قد سبقوا أولئك في هذا المجال ـ أعني مجال الجملة ـ كما سبقوا غيرهم في أبواب مختلفة كالبنائية وغيرها مما أشيع في الدروس اللغوية المعاصرة . إذ إنهم لم يحتكروا جهدا في التنصيص على الجملة ، وتحليلها إلى مكوناتها ، فبحثوا الوظائف التي تؤديها الجملة بناء على التقسيمات الأساس منذ أول درس في النحو العربي باعتماده على بيان اصطلاحات معينة من مثل ( الكلام ) ، و ( الكلم ) ، و ( القول ) . فـ ( الكلام : هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها ) ، و ( الكلم : هو إما اسم ، أو فعل ، أو حرف ) ، و ( الكلمة : هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد ) .
وفي ضوء ما عرفوا به الجملة يمكننا استنباط الأسس التي تساعدنا في الممايزة بين ما يكون جملة ، وبين ما لا يكون اصطلاح الجملة بشكل عام ومتداخل على مستوى لغتنا العربية ؛ ولذلك قال سيبويه في ( الكتاب ) حين تعرض إلى المسند إليه والمسند : (( هذا باب المسند والمسند إليه ، وهما ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر ، ولا يجد المتكلم منه بدا ، فمن ذلك الاسم المبتدأ ، والمبني عليه ، وهو قولك : ( عبد الله أخوك ) ، و ( هذا أخوك ) ، ومثل ذاك ( يذهب عبد الله ) . فلا بد للفعل من الاسم ، كما لم يكن للاسم بد من الآخر في الابتداء )) .
ومن الصواب القول إن سيبويه لم يصرح علنا باصطلاح الجملة ؛ لأنه ليس المقام مقام الحديث عن الجملة نصا ، لكنه يشير إلى معناها ، ووظيفتها ، وهذا مستنتج من تركيزه على عنصرين أساسين هامين لا غنى عنهما في كل جملة تؤدي معنى يفيد فائدة يحسن السكوت عليها ، وهما ؛ المسند ، والمسند إليه ، وهذا الاصطلاحان يجمعهما اصطلاح ( الإسناد ) ؛ لأن الإسناد هو العملية التي تربط بين طرفيه ، وهو أساس قيام كل جملة ، وليست تخلو جملة منه ؛ لأن الجملة المفيدة التي يصح السكوت عنها ليست تخلو من عقلانية أو ذهنية . وهو ـ أيضا ـ : (( عملية ذهنية تعمل على ربط المسند بالمسند إليه )) كما قال د . المخزومي ، وهو : (( قرينة معنوية تفيد في تحديد المعنى النحوي )) للجملة .
ولا نكر لوثاقة العلاقة بين اللغة والفكر ، حيث إنهما المعبران عن بعضهما خير تعبير ، فكما أن الفكر هو الموطن الأول لكل ما يريد المتكلم التكلم به ، فإن اللغة هي الألفاظ التي يترجم بها المتكلم الفكرة المعينة المستوطنة في الذهن والناشئة عن تأثر نفسي بالمعنى ، فحين ينطق بتركيب معين لا بد من أن يكون ناتجا عن صورة أو عملية ذهنية ، وهذه العملية الذهنية هي الخطوة الأولى لبناء الجملة . ولعل من الغرابة ـ من باب القناعة والاقتناع ـ أن نرى أن النحويين المتقدمين كان لهم الاستعداد الفطري والموضوعي للوصول إلى مستوى التحليل الجملي في حدود عالية المستوى من الأداء ، ذلك التحليل لفكرة نسبت في ما بعد إلى الدرس اللساني الحديث على وجه من الجهالة ، وعلى وجه أبعد الحق عن أهله !!!! .
فتحدثوا عن الجملة من حيث وظيفتها ، ومكوناتها ، وأنماطها ، وعناصر تكوينها ، ودلالتها ، فتطرقوا إلى كون الجملة ـ أية جملة ـ تكون ثلاثة أقسام :
( 1 ) : إما جملة كبرى ( 2 ) : أو جملة صغرى . ( 3 ) : أو جملة كبرى ـ صغرى في
الوقت نفسه . إن ذلك التحديد كله مرهون بالاستعمال اللغوي للفرد بما يقتضيه المعنى الموجود داخل ذهنه الذي يرسم صورة المعنى المرسل من نفسية المنشئ فيؤطره ، سواء كان هذا الاستعمال نثرا أم شعرا أم كلاما مؤدى نطقا . فعندهم الجملة : (( الكبرى هي الاسمية التي خبرها جملة نحو : ( زيد قام أبوه ) ، و ( زيد أبوه قائم ) . والصغرى هي المبنية على المبتدإ كالجملة المخبر عنها في المثالين )) .
وإذا كان هذا حد الجملة الكبرى والصغرى عندهم فهناك اعتبار ثالث لهذين الأمرين ، يتمثل في كون الجملة بالاعتبار الثالث أن تكون ( كبرى ـ صغرى ) في الوقت نفسه ، وعلى ذلك تعد جملة : (( ( زيد أبوه غلامه منطلق ) كبرى باعتبار ( غلامه منطلق ) ، وصغرى باعتبار جملة الكلام )) . فجملة ( زيد أبوه غلامه منطلق ) هي جملة ( كبرى ) باعتبار أن بداخلها جملة ( صغرى ) هي ( غلامه منطلق ) المتألفة من مبتدإ ( غلامه ) + الضمير العائد الـ ( هـ ) + الخبر ( منطلق ) .
إن الذي دعا لوجود الجملة الصغرى عدم اكتمال معنى الجملة في الجملة الصغرى الأولى ( زيد أبوه ) ، فتشكلت لدينا جملتان صغريان الأولى منهما غير مكتملة المعنى إلا بالثانية كما أن الثانية لا يتم معناها الوظيفي إلا بالأولى ، هذا التكون للجملتين الصغريين كان مدعاة لأن تكون الجملة كلها جملة كبرى .
وقد تحدث اللسانيون المحدثون عن الجملة الكبرى والصغرى وأسموها البنية المشجرة ( التشجيرية ) وإن لم يستعمل النحويون العرب القدماء تلك البنية في درسهم النحوي ؛ لأن هناك فارقا في مستوى الأداء والتطبيق بين الدرسين ، فضلا عن عنصر الافتراق الزمني بين الدرسين .
إن تقسيم الجملة إلى كبرى وصغرى كانت له جوانب إيجاب على المستوى التطبيقي ، والجملة عند العرب إن لم تحقق الإفادة ( بمعنى يحسن السكوت عليها ) لا تعد جملة ، فشرط كون عدها جملة تحقيق الإفادة ، وتحقيق الإفادة قصد به النحويون القدماء والمحدثون تمامية المعنى بما يحقق ذلك المعنى عند المتلقي كما هو عند السامع . واللغة عندهم ـ كما عند غيرهم ـ لها وظيفتها ، ومعناها ، تلك الوظيفة وذلك المعنى لا يتأتى إلا بترتيب المفردات على وفق نسق قواعدي ، أو بترتيب تركيباتها .
أما الإعراب وحروف المعاني فهي وسائل تظهر علاقات الكلمات بعضها ببعض داخل النص
، أو التركيب . إن المتكلم يبني الجمل الكبرى والصغرى بحسب المعنى المستقر في ذهنه والناشئ عن تأثر النفسية ـ نفسيته ـ بما يحدث حوله وأمامه وداخله ، فيبني الكلمات كما يبنى الحائط ، وكما ينتقل ببيادق الشطرنج لتنتقل اللعبة من حيز إلى حيز آخر ، فيعمد إلى ترتيب الألفاظ بحسب المعنى بداخله على وفق ما يعتقد أنه سيوصل به المعنى إلى المتلقي سامعا كان أم قارئا ، مع تحقيق شرط الإفادة المعنوية عند المستقبل .
قد كان النحويون القدماء يظنون على وجه اليقين أن الهياكل النحوية هي هياكل فطرية بالضرورة ، وفي الوقت الذي كان هذا اعتقادا جازما عند النحويين فإنه يشكل فرضية عند أتباع المذهب التوليدي وأولهم ( نعوم تشومسكي ) مع إضافة بعض التعديل على ما قاله النحويون العرب القدماء .
وبعد فهل يحق لعاقل أن ينسب هذه المسألة إلى اللسانيين الغربيين المحدثين وقد تعدد حديث النحويين العرب القدماء عن مسألة فطرية اللغة ؟؟!!! .
وكنت قد توصلت في غير موضع إلى أن معظم ما يوجده الغربيون المحدثون من مناهج وإشارات ومسائل إنما هي موجودة في التراث العربي ، وفي الدرس العربي بتفصيل دقيق ، ولكن رماد التأثر المتناثر بالغربيين جعل كثيرا من الدارسين في ميادينهم يشير علنا وباطنا إلى أن هذه المسائل إنما أوجدها الغربيون على أنه إبداع لهم في نظرهم ، والصواب أنه إبداع للعرب نسبه الغربيون لهم ، وهذا مما لا أمانة علمية فيه ، ولا نحتاج إلى التذكير بأن الغربيين لا بد من أنهم اطلعوا على ما في الدرس العربي في التراث العربي فأفادوا منه وعملوا على تطويره ، وهذا مكنهم من إعطاء الحق لأنفسهم بأن ينسبوه إلى ذواتهم ... ولن أذكرك بالأدلة الدامغة التي تقذف بالحق على الباطل ؛ لأنها على كثرة غير قليلة ، فيكفيك الرجوع إلى أي مصدر لغوي أو نحوي أو بلاغي وباطلاع يسير لك أن تتلمس فيها ما موجود في الدرس العربي في القرون الأولى وما توصل إليه الغربيون سواء على مستوى المناهج ، أو على مستوى التطبيق ، أو على مستوى تحقيق الوظائف .