المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظرات في كتاب ( التعريفات ) بقلمي


د . حقي إسماعيل
26-12-2010, 09:24 PM
عرف مؤلفه ؛ أبو الحسن ، علي بن محمد بن علي الجرجاني المعروف بالسيد الشريف ( 740 هـ / 816 هـ ) لتمكنه في العلوم العقلية كعلم الفلسفة وعلم المنطق والعلوم الشرعية ، وقد تنقل بين البلدان بأمصارها طلبا لتلك العلوم ، وبرع في العلوم الإسلامية أيما براعة ، كونه تتلمذ على أيادي كبار العلماء ومنهم شمس الدين محمد الفناري ، وقطب الدين الرازي ، على حين تتلمذ في العلوم الشرعية على يد الشيخ أكمل الدين بابرتي .
ومناظرته مع سعد الدين التفتازاني دليل على ما يحمله هذا الرجل من علمية فذة وعقلية نيرة ، وقابلية على الشغف بالعلوم العقلية والشرعية .
ومن منزلته هذه وتلمذته تلك إلى كونه ضليعا بالفارسية التي ألف فيها موضوعات متخصصة بعلم المنطق ، وعلم النحو .
أما بالعربية فقد ربت مؤلفاته على خمسين كتابا توزعت بين علوم المنطق والفلسفة والكلام والبلاغة والفقه والتفسير والحديث والنحو وغير هذه العلوم ممن يمت بصلات لهذه العلوم ووشائج قوية ، ومما يدل على سعة علمه بتنوع معارفه وثقافته كتاب ( التعريفات ) ، والكتاب يدل دلالة كبيرة على ثقافة الناس في تلك العصور ، وقدرتهم الفذة على تحديد تلك الاصطلاحات ، وكيفية دلالتها في أذهانهم .
فكتاب ( التعريفات ) هذا كتاب معجمي وجيز لكنه حافل بأمور عدة ، وهو ـ على الرغم من وجازته ـ معجم مختص باصطلاحات المتكلمين والمحدثين والفرضيين والفقهاء والنحويين والصرفيين والمفسرين وغيرهم .
وهو كتاب يمتاز بدقة لغوية رائعة في تحديد دلالات الاصطلاحات المختلفة التي تمس علوما عديدة ، وتتجلى براعة المؤلف في كتابه فضلا عن أهمية الكتاب بإظهار ما بين هذه الاصطلاحات من فروق خفية بشكل دقيق .
وعلى الرغم من أهمية الكتاب العظيمة في ما أخذ من اصطلاحات متنوعة فقد ازدادت أهميته للباحثين والدارسين والأساتيذ إذا ما علمنا أن المؤلف قد رتبه ترتيبا سلسا سهلا ، حيث رتبه على حروف الهجاء ، فجعل كل حرف بابا فمثلا ( باب الألف ) وبعده ( باب الباء ) ثم ( باب التاء ) وصولا إلى ( باب الياء ) مع ضرورة الالتفات إلى أنه قد قدم ( باب الواو ) على ( باب الهاء ) .
ويعد هذا الكتاب جاريا على سنن كتاب ( مفاتيح العلوم ) لمحمد بن أحمد الكاتب الخوارزمي

، وكتاب ( الكليات ) لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني ، وكتاب ( كشاف اصطلاحات الفنون ) لمحمد علي الفاروقي التهانوي ، وضمن حلقة بحثها ، والتعريفات لا يقل أهمية عن تلك الكتب التي تخصصت بما تخصص به ، ولا ينكر ما يمثله كتاب ( التعريفات ) مع شواكله من وقفات مضاءة في التراث العربي ؛ لحاجة العربية إلى مثل هذا النوع من المؤلفات ، فهي مؤلفات اختصت بذكر الاصطلاح ذكرا علميا دقيقا ، مبرزة الفروق الدقيقة بين كل اصطلاح ، وفي الوقت نفسه دل كتابه دلالة عظيمة على سعة العربية ومقدرتها على وصف كل اصطلاح وصفا دقيقا .
( التعريفات ) خلا من المقدمة على شاكلة ما هو معهود في الكتب المصنفة ، ولذلك لم نفهم ولم نعلم على وجه الدقة سبب تأليفه الكتاب ، وكما قلنا سابقا فإنه قد ألف الكتاب على طريقة الحروف الهجائية مع أنه جعل ( باب الواو ) قبل ( باب الهاء ) .
فضلا عن ذلك فإنه رتب الكلمة بحسب استعمالها وليس بحسب أصلها المعجمي الثلاثي كما هو معروف في المعجمات اللغوية ، وزيادة في دقته فقد التزم بترتيب الحرفين الأول والثاني التزاما شديدا ، ومن هنا سهل على الباحثين الرجوع للتفتيش عن الاصطلاح الذي يريدون ، والذي يفي بغايتهم ، ويروي ظمأهم .
فمن ذلك جعل اصطلاح ( الاعتبار ) في ( باب الألف ) وليس في ( باب العين ) ، إذ قال : ( الاعتبار : أن يرى الدنيا للفناء والعاملين فيها للموت وعمرانها للخراب . وقيل : الاعتبار اسم المعتبرة وهي رؤية فناء الدنيا كلها باستعمال النظر في فناء جزئها . وقيل : الاعتبار من العبر وهو شق النهر والبحر ، يعني يرى المعتبر نفسه على حرف من مقامات الدنيا ) وجعل قبله ( الإعتاق ) وبعده ( الاعتذار ) ، وهكذا جرى في منهجه في كتابه ، ولذلك لا يعاني الباحث والدارس والأستاذ في إيجاد ضالته التي يبحث عنها ، وطريق الترتيب هذه تعبر عن عقلية في البحث والذكر إذا ما أدركنا أن بعض المعجمات في العصر الحديث تتبع هذا الأسلوب في الترتيب .
مما يميز الكتاب عن غيره سلاسة الأسلوب الذي تعامل به مع المفردة ، فهو لم يتبع الطريقة المعجمية في ضبط حروف المصطلح ، فكان يذكر المصطلح ذكرا كما هو بلا ذكر إلى ( فتح الأول وتسكين الثاني وضم الثالث ) ، وذلك يعزى لأمرين ؛
أولهما : شهرة الألفاظ في ذلك العصر .
والثاني ما كان عليه أبناء ذلك العصر من مستوى ثقافي نتيجة شيوع العلوم العقلية والشرعية
وكان هدف المؤلف في ( التعريفات ) ذكر حد الاصطلاح اصطلاحا لا لغة ، إذ إنه معجم اصطلاحي وليس معجما لغويا وإن ذكر المعنى اللغوي ولكن على قلة في بعض الاصطلاحات .
ومما جاء في الكتاب كان يشير إلى أن هذا المصطلح في عرف الفقهاء كذا ، وفي عرف المتكلمين كذا ، كما جاء في اصطلاح ( الواجب : في اللغة عبارة عن السقوط ، قال الله تعالى : (( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا )) أي سقطت ، وهو في عرف الفقهاء : عبارة عما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم ، كخبر الواحد ، وهو ما يثاب بفعله ، ويستحق بتركه عقوبة لولا العذر حتى يضلل جاحده ولا يكفر به ) ، وقوله في اصطلاح ( الواقع : عند المتكلمين : هو اللوح المحفوظ ، وعند الحكماء : هو العقل الفعال ) .
ومما أقام كتابه عليه إقامته الدليل النقلي لتعزيز رأي أو قول أو حد ، نحو قوله في اصطلاح ( الظاهر : ما ظهر المراد للسامع بنفس الكلام ، كقوله تعالى : (( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ )) ، وقوله تعالى : (( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ )) . وضده الخفي : وهو ما لا ينال المراد إلا بالطلب ، كقوله تعالى : (( وَحَرَّمَ الرِّبَا )) .
وربما كان الدليل النقلي شعرا لا قرآنا كما قال في اصطلاح ( الإيغال : هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها لزيادة المبالغة ، كما في قول الخنساء في مرثية أخيها صخر
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
فإن قولها ( كأنه علم ) واف بالمقصود وهو اقتداء الهداة ، لكنها أتت بقولها : في رأسه نار ـ إيغالا وزيادة في المبالغة ) .
وقد يعرض للاصطلاح الواحد أكثر من تعريف ؛ بحسب ما يتمم المعنى ، فمثلا اصطلاح ( الكتابة : يقال في عرف الأدباء لإنشاء النثر كما أن النثر يقال لإنشاء النظم . والظاهر أنه المراد ههنا لا الخط . الكتابة : اعتناق الملوك يدا حالا ، ورقبة مالا حتى لا يكون للمولى سبيل على إكسابه ) .
ومما هو جدير بالذكر أن السيد الشريف قد أقام كتابه على إعطاء بعض الاصطلاحات لأكثر من علم ، قال : ( الابتداء : هو أول جزء من المصراع الثاني . وهو عند النحويين تعرية الاسم عن العوامل اللفظية للإسناد ، نحو : زيد منطلق ، وهذا المعنى عامل فيهما ويسمى الأول مبتدأ ومسندا إليه ومحدثا عنه ، والثاني خبرا وحديثا ومسندا ) .
كما يمتاز الكتاب بالأمانة العلمية حيث كان المؤلف يشير إلى الكتاب الذي أخذ منه ورجع إليه ، وهي أسمى آيات الكتاب .
( التعريفات ) كتاب شمل معظم التعريفات التي كانت تخص العصر ، ومن نكت هذا الكتاب أنه احتوى مفاهيم كثير من الاصطلاحات التي ظل مفهومها سائدا حتى يومنا هذا .
وهو كتاب سيبقى رافدا من روافد المكتبة العربية في ميدان معجمات الاصطلاحات ...

بريق الماس
05-01-2011, 06:40 PM
مجهوداكثر من رائع يسلمو الايادي




<p><a href="register.php"><img border="0" src="images/nolink.gif"></a></p>

رنا الطائي
05-01-2011, 08:06 PM
تسلم الانامل والجهد رائئع د حقي عاشت ايدك

د . حقي إسماعيل
06-01-2011, 03:52 PM
شكرا رنا على هذا المرور الجميل

تواجدك أسعدني