المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : : لمحات من تاريخ البغاء العلني والسرّي في بغداد


فرات
21-11-2011, 02:04 PM
يحافظ هذا التحقيق على الاصطلاحات التي تصف البغاء واماكنه وممارساته ، وبعضه استولت عليه اللغة الشعبية في سبابها والاوصاف التي تعتمدها في تصوير بعض الاشخاص والممارسات الكريهة
. وهدفنا من هذا ليس تشجيع هذه اللغة ، بل معرفة جذورها، فضلا على أننا نقف ضد ممارسات تسيء الى الانسان ، ولاسيما الى المرأة . لكن هذا لا يعفينا من معرفة ظاهرة قديمة ما زالت تتخذ اشكالا مختلفة ، تظهر وتختفي على ايقاع جملة من العوامل منها: انتشار الثقافة والتعليم، النمو الاقتصادي ، الفقر وعوامل النبذ الاجتماعي ، وطبيعة مؤسسة العقاب الخاصة بالمجتمع والدولة. وفي كل الاحوال لا يخلو هذا الموضوع من الطرافة وظرف بعض الشخصيات البغدادية القديمة ، مع حوادث تتصف بالغرابة.
منذ اقدم العصور
تعد ممارسة البغاء ظاهرة اجتماعية وجدت منذ أقدم العصور، وكان الرومان والإغريق يتخذون من العشيقات والبغايا تسلية ومتعة جنبا إلى جنب مع أزواجهم الشرعيات، ومثلهم فعل إقطاعيو القرون الوسطى وأباطرة الوثنية كطقس ديني يتعلق بمعتقدات تلك الديانات . كما كان البغاء موجودا في العصر الجاهلي بنوعيه العلني والمستتر. وجاء الإسلام فحرم البغاء كما حرمته المسيحية واليهودية من قبل ولكن الجواري والبغايا المملوكات راجت سلعتهن في العصرين الاموي والعباسي وامتدادا للعصور اللاحقة فقد ضرب عليهن بعض الستور المانعة للجنوح الخلقي فلا غرابة أن تكون مجالس اللهو والأنس والطرب وسائل إغراء جامحة لجنوح بعضهن إلى ممارسات خلقية خاطئة بعلم أو بدون علم من مالكيهن .
حرفة
ما أن بدأت (سلعة) الجواري والإماء بالأفول التدريجي في أواخر العصر العباسي نجد أنها تعاود الظهور والانتشار في العصر العثماني الذي حكم العراق قرابة الأربعة قرون. لكن ( المحترفات) منهن أخذن يتعاطين الحرفة بصور واشكال مختلفة تحت ستار الفن من رقص وغناء وطرب فضلا على دور اللهو والمراقص في بعض الأزقة المشبوهة التي تسكنها فئة من السماسرة والقحاب اللواتي يتعاطين الخطيئة بصورة سرية، ولكنها كانت أشبه بالعلنية في المنطقة المحيطة بساحة الميدان في باب المعظم وبعض الأزقة التي يسكنها اليهود في التوراة وعقد الكنيسة..
بعد دخول الأنكليز
بعد دخول الانكليز بغداد أصبحت هذه ( الحرفة) علنية، فقد جمعت القحاب في منطقة معينة من بغداد وهي ( محلة الكلجية وكوكز نظر ) المقابلة لسوق هرج، وفي هذين الزقاقين كانت مجموعة من الدور المتلاصقة القديمة ومقاه ذات مدخل واحد تطل على بداية شارع الرشيد وكذلك على عدد من الدكاكين والمقاهي. كانت القحاب المقيمات في تلك الدور ملزمات رسميا بإجراء الفحص الطبي والمختبري الدوري عليهن في مواعيد معينة، ولدى كل واحدة منهن اجازة ( ممارسة ) مهنة (القحاب) بصورة رسمية، ويغرّم ( القواد) السمسير إذا قام بتشغيل من لم تحصل على اجازة أو لم تخضع إلى الفحص الطبي.
ضريبة البغاء
وقد درجت السلطات البريطانية على ان تستوفي من يدخل ويتعاطى البغاء من ذكر وانثى رسماً
( ضريبة ) ويعطى لكل واحد منهم يدخل المبغى العام وصلاً سمي ( باص ) من الانكليزية ( pass ) أي تذكرة وكانت السلطات الانكليزية تبغي من وراء ذلك حصر وتعداد من يتعاطى البغاء لأنها كانت تخضعهم للفحص الطبي في مواعيد معينة . ومعظمهن سكنّ دربونة الكلجية ، في حين جئن من مدن ومناطق بعيدة من بغداد، وقد دفعتهن الظروف إلى هذا المنزلق السحيق. وكن يتعاقدن مع القواد بالعمل لديه أو القوادة بالعمل لديها بعد أن تستلف من أي منهما مبلغا من المال لشراء حوائجها الشخصية من ملبس وطعام ومكياج وما تنفق على نفسها أو على ذويها أحيانا من نفقات معيشية . وكانت الباغية في مثل هذه الظروف الصعبة أسيرة أولئك السماسرة بما توقع عليها من (كمبيالات) (صك) أو وصل أمانة، وعليها العمل الدائم لتسديد ديونها التي تتراكم عليها بمرور الزمن حتى يذبل عودها وترمى في الشارع رمي الكلاب . كان المبغى العام في الكلجية في الرصافة ومحلة الذهب في الكرخ / الجعيفر هو المكان الوحيد الذي تشرف عليه الحكومة بصورة علنية وتعترف به ، كذلك يوجد مبغى عام في البصرة والموصل.
الدّربونة ... في فهم البغداديين
الدربونة التي كانت تعرف عند البغداديين بدار للقحاب أو موضع للبغاء العلني وتعني الزقاق الضيق غير النافذ، والدرابين كثيرة في بغداد ولكل واحدة منها اسم، وأكثر ما تكون نسبتها لأشهر من يقيم في دورها مثل دربونة البستان او دربونة الجلبة ، أما إذا ذكرت الدربونة بدون نسبة فالمقصود بها دربونة الكلجية أي دار القحاب ، كما يكنى البغداديون عن المومس بأنها(بنت الدربونة) .
مختار الدربونة
وكان للدربونة مختار يدعى ( السيد حسين ) وكان يأخذ خاوات من المومسات والقوادات وقد رثاه ملا عبود الكرخي بقصيدة عند وفاته وقال :
مختار الحبايب ما يجي دونه وصاير سور للساكن الدربونة
تاهت بنت ابو حجرين امونه وبنت الدودكي وضحه وشكرية
وكانت القوادة والقواد مهنة سنت نظاما فيه وزارة الشؤون الاجتماعية في العراق نعتت فيه القواد بالسمسار واشترطت فيمن يقوم بالقوادة شروطا لا تتوفر إلا في كرام الناس ، منها أن يكون حسن السلوك ، وان لا يكون محكوما عليه بجنحة أو بجناية ، الأمر الذي أشاع موجة من التندر بين الناس بشأن هذا النظام.
القواد
وقد تناولت سجلات المحاكم في الثلاثينيات قضايا عدة في السمسرة والقوادة ، وأشهر القوادين الذين كانوا يترددون على المحاكم يدعى ( يوسف ) وهو ارمني من تلكيف وكان يقدم إلى المحاكم بقضايا موجزة بتهمة الترصد أي التعلق بالناس من اجل أن يُقوّد لهم . فقال له القاضي في إحدى الجلسات يا يوسف إلى متى تبقى قوادا ؟ فرد عليه : هل تحسب يا سيدي اني مرتاح لهذه المهنة التي لا الاقي فيها غير الرزق الشحيح مغمسا بالصفع والاهانة . اتراني وجدت مهنة اخرى غيرها وبقيت متعلقا بها؟
تعزية
وبهذه المناسبة قال عبود الكرخي يعزّي احدى فتيات الدربونة بعد موت قوادهن :
يكنديره ... يمسكينة راح الكان يحمينا
عمت عينك عكب عينه دظلي عاد سمسيرة
كانت القوادة ( أو القواد ) يحاسبن البنات على ( الخشات) وهي كناية بغدادية عن المضاجعة، وهي من لغة القحاب في الدربونة حيث من المتعارف عندهن أن كل فتاة منهن لمضاجعتها ثمن معلوم فيقال فلانة (خشتها) كذا وكذا . ويطلق على القواد تسميات عدة منها ( ابو كرون ) وديوس فهو الذي لا يغار على أهله، وكلاهما يكنى عند الناس (بذي القرنين).. وللشعراء ابيات عدة في ذكر الكرون يوصف بعضها بالغلظ وبعضها بالقوة ويوصف بعض من ذكرهم بان له قرنا واحدا وأخرى من له قرنين وثالثا بان له اربعة قرون. وقال الملا عبود الكرخي في رثاء داود اللمبجي / ديوس دربونه القحاب معزيا بوفاة زوجته ( فطومة الصمنجي) قائلا :

يحك لها فطومة بثياب السود تلبس عالمعفرت لمبجي داود
بو كرن الجبير من احسن الموجود كل كحبه عليه اليوم مألومة
وبعد وفاة داود اللمبجي تزوجت فطومة من إبراهيم بك الطنبوري الذي أصبح قواد القحاب جميعا. ويطلق على القواد تسمية ( قرخ ) وهي كناية تركية بمعنى أربعين وتعني إن المقصود بها القواد الاصيل ويعني الذي مارس القوادة اربعين سنة .
الكوزلي
وكانت القحاب يتعاطين البغاء بصورة سرية قبل إصدار القانون وتسمى (كوزلي) حيث أطلقت هذه التسمية من قبل البغداديين على كل من يتعاطى البغاء بصورة سرية. وهذه الكلمة أصلها تركي بمعنى (سري أو مستتر) وتطلق أيضا لفظة ( بربوك ) على كل قحبة أو مستهترة منهن ، ولا تزال تستعمل هذه الكلمة في السباب والشتم بين الناس وتعني في الأصل الكوز الذي طال استعماله حتى تثلمت شفته ولم يعد صالحا للاستعمال في سقي الماء ، ويراد بهذه الكلمة في الشتيمة ان هذه المرأة البغي قد تثلمت لكثرة المراجعة فأصبحت بربوكا.
من أشهر القوادات في بغداد
ا
أشتهرت في بغداد في أواخر القرن التاسع عشر قوادتان – الأولى في جانب الرصافة ( الجانب الشرقي من بغداد ) واسمها (ريجينة) وتكنى بـ (نجية)، وريجينة هي الأخت الكبرى للمغنية (سليمة مراد) المعروفة في وسط الغناء باسم ( سليمة باشا )، والثانية في جانب الكرخ ( الجانب الغربي من بغداد ) واسمها ( ريمة ) وتلقب ( ريمة أم عظام ) وكان عملها في محلة الذهب . ومن القصص التي يتفكه بها البغداديون أن ريفيا قصد بغداد للمرة الأولى في حياته ودخل محلة الذهب وجاء إلى دار (ريمة أم عظام) وطرق بابها وهو لا يعرفها، يريد عملا فاطعمته وكسته وأجلسته في دهليز الدار وأوصته بان يفتح باب الدار إذا طرقه طارق ، وأن يغلقه خلف من يبارح الدار ، وقام الريفي بمهمته وأتقنها وحسنت صحته وسمن من طعام (ريمة) ومن الهبات التي كان يتلقاها من الزوار. وحدث ذات يوم أن انزعج منه احد المراجعين فصاح به : (اسكت يا كواد) . فهاج الريفي وجن جنونه وهجم على الرجل يريد قتله ، وعندما حِيل بينهما عاود الهجوم وهو يقول : لن تنجو مني ، يقول عني إني كواد ، لابد أن اقتله .
وضحكوا منه وقالوا له : لماذا غضبت من هذه التسمية ، الست تعمل قوادا ؟ وقال لهم هل أن ما أقوم به من عمل سهل وبأجور وطعام فاخر هو الكوادة ؟ قالوا : نعم! قال : إذاً لابد لي من أن أسافر غدا واحضر جميع أقربائي لأشغلهم قوادين.

حكايات
روي عن عبد الحميد الشاوي عندما كان رئيسا لبلدية بغداد في عام 1928 عندما يشتكي أهل محلة عنده عن وجود ( امرأة قحبة في محلتهم ) وسلوكها معوج يحضر لها عربانة ويضعها فيها مع متاعها وثيابها وينقلها إلى الميدان أو محلة الذهب. ويقول البغداديون انه ( سركلها ) من المحلة .
قوادان اثنان
وكان ببغداد في الأربعينيات فندق في محلة السيد سلطان علي مطل على نهر دجلة اسمه فندق متروبول يقوم على إدارته فتى اسمه ( صادق حنا ) وكان صادق يحضر فتيات جميلات من اوروبا باعتبارهن فنانات وينزلهن في فندقه ويتقاضى مبالغ عن زيارة الزائرين لهن. وغضب عليه ارشد العمري وكان آنذاك امين العاصمة وكان ارشد عصبيا وشتاما فاحضره وصرخ فيه: (ولك صادق بغداد لا تتحمل قوادين اثنين.. فإما أنا وإما أنت!).
قواد ابن قواد
ويحكى ان عبد العزيز الخياط كان حاكما في محكمة جزاء بغداد، وكان حاد الطبع صارما في احكامه، وجيء ذات يوم بشاهد فسأله عن صنعته ، فقال له انه صاحب مقهى في الكلجية ( دار القحاب ) فالتفت الى كاتب الضبط وقال له : سجل أن شغله قواد . فانزعج الشاهد وقال له : يا سيدي الحاكم أنا صاحب عمل شريف.. انا صاحب مقهى هناك. فقال له الحاكم : تكون صاحب مقهى في الكلجية وتغضب ان سجلنا مهنتك قوادا؟ ثم التفت الى كاتب الضبط وقال له : سجله قواد ابن قواد!
على باب الله
وروى عبود الشالجي في الكنايات البغدادية انه عندما كان رئيسا للمحاكم في البصرة في الأربعينيات من القرن الماضي، توجه صباح احد الأيام إلى مكتبه في المحاكم ليجد امرأة جالسة بين المراجعين وتكررت رؤيته لها أياما، فحسب أن لها قضية في المحكمة ، وأنها تأتي لإنجازها ، وأحس بالرأفة تجاهها، وأمر الفَراش أن يحضرها ، فلما وقفت أمامه سألها عما إذا كانت لديها قضية تراجع بشأنها من اجل أن يأمر بتعجيل انجازها ، فأجابته بأن لا قضية لها وإنها ( على باب الله ) فلم يفهم مرادها، وتنحنح الفَراش وسكت فأدرك انه يريد إن يوضح له القصة فأمر المرأة بمبارحة الغرفة ، فأخبره الفَراش بان هذه المرأة قوادة وأنها تجيء إلى ساحة المحكمة في كل يوم من اجل الحصول على زبائن تأخذهم إلى فتياتها!
ايام الكساد
وعن كساد القحاب في البصرة أثناء فترة القحط جاءت قوادة مديونة إلى مأمور الإجراء في البصرة لسداد الديون عليها برغم مطالبة الحكومة بذلك فخيرها مأمور الاجراء بسداد الدين جملة أو تقسيطه عليها فقالت له: ( والله يا سيدنا لا استطيع سداد الدين دفعة واحدة ولا باقساط كبيرة لان الشغل واكف والرزق شحيح والنيّاك قل عددهم ) ، وتنرفز مأمور الإجراء من أقوالها وصرخ فيها مستنكرا.. وظنت القوادة المدينة أن رئيس الأجراء لم يقبل عذرها ولم يصدق أقوالها فقالت له: ( والله يا سيدنا أن ما أقوله صحيح ، وإن لم تصدقني فتعال والزم الدخل بيدك واقبض الوارد بنفسك لترى صحة أقوالي) .
أخبار القوّادين وحكاياتهم عند البغداديين
ويطلق على احقر القوادين كناية ( غسال الخرك ) وهو ادنى درجات القوادين ويسميهم البغداديون ( صانع الكحاب) لانه يخدم في الدار ويقوم بغسل الخرك. وهناك قصة يرويها احد المحامين الذين كانت له صلة بقوادة تدعى حليمة وكان لديها خادم يقوم على خدمة فتياتها اسمه ( عبد) وكان يعطيه عندما يزورهم لقضاء المتعة درهما أو درهمين.. وذات يوم كان في مكتبه جالسا واذا بالقوادة ( حليمة ) تقتحم الباب بدفعة من رجلها وتدخل عليه من دون استئذان وعلى وجهها علائم الالم والانزعاج وسألها : ما بك؟ قالت : اخوك عبد! فقال لها: ومن هو اخي عبد؟ قالت : أها، هل نسيته، اخوك عبد الذي يشتغل عندي خادما لفتياتي. عندها تذكره وقال لها : وماذا جرى لاخي عبد ؟ قالت : القت الشرطة القبض عليه واتهم بالقوادة . فأجابها : فعلوها هؤلاء الملاعين ، الا يخافون الله! فقالت : هذا ما حصل. فقال لها : اطمئني فسوف اعمل على اطلاق سراحه غدا. وفي اليوم التالي راجع المحامي حاكم التحقيق وكفل (اخاه عبد ) وأطلقه من الحبس!
كذلك يطلق على القواد كلمة ( كرخانجي ) اشارة إلى اتخاذ بيته للقوادة والمتعة .
مصطلح ( القحبة ) عند العامة
(القحبة) كناية عن المرأة الوسخة السفيهة، بمعنى المرأة التي سلمت نفسها فأصبحت لا تستحي من احد. واسم القحبة مشتق من القحب ، وهو (السعال)، لان القحبة تكون على قارعة الطريق ، فإن مر بها احد سعلت له ، مشيرة إلى موقعها. ويطلق عليها بعض الناس تسمية (قحبة عورة) وهي المرأة السليطة الشرسة وتسمية (قحبه شوشتر) وهن مشهورات بالسفه وطول اللسان والإسراع إلى العركات والخصام . وتسمية (كحاب الخندك) وهن ارخص القحاب في بغداد وابخسهن قيمة وكن لفقرهن يألفن الحفر الباقية من خندق بغداد بالجانب الغربي حيث تأوي كل واحدة الى حفرة بعيدا عن العمران والمارة ، تفترش الواحدة منهن حصيرة وقد اعدت ستارة تعلقها على حبل تربطه بين عمودين ، تستر بها نفسها وصاحبها . قد ذكر الملا عبود الكرخي ان ثمن الواحدة منهن كان ( نصف قران ) وهو ما يعادل عشرة فلوس ومن اشهرهن في الخندق ( عواشة الديرية ).
وكانت أجور القحاب في بغداد في القرن الرابع الهجري تدفع مقدما لها .
أصل تسمية الكلّجيّة
ورد اسم ( الكلجية ) لصنف من اصناف العساكر في العهد المغولي عند احتلالهم بغداد وقد اقاموا وسكنوا في هذا المكان فسميت باسمهم ونسبت اليهم ، كما سميت محلة خان لاوند بامس الاونه ومحلة الهيتاويين باسم قوم وفدوا من هيت ، ولكن قصر البغاء العلني على دربونه (الكلجية) دفع البغداديين الى تسمية كل محل للبغاء العلني بالكلجية حتى المحلات التي هي خارج بغداد او خارج العراق ايضا وزيادة على ذلك فان الملا عبود الكرخي ابرز شعراء العامية اتخذ من اسم الكلجية افعالا وصرفها ومن جملة ما قال :

احنه من كبل ما كان عدنه هيج ولا نعبر لذاك الصوب للتكليج

وكانت دربونة الكلجية قبل الاحتلال البريطاني لبغداد ، زقاقا نافذا يتصل من طرفيه بأزقة ودرابين ، ولما فتح خليل باشا شارعه في بغداد في سنة 1916 وهو المسمى الان بشارع الرشيد بدأ من الميدان وانتهى به إلى الباب الشرقي وسمي أولا : (خليل باشا جادة سي ) ثم بعدها لما احتل البريطانيون بغداد سمي: (الجادة) ، ولما تشكلت الحكومة العراقية سمي : الشارع العام، ثم سمي بعد ذلك شارع الرشيد ، ولما فتح الشارع ، وقع احد طرفي الكلجية على الشارع ، وظل طرفه الأخر من الخلف متصلا بالأزقة والدرابين الأخرى . ولما دخل الانكليز بغداد ، اخلوا زقاق الكلجية من سكانه الأصليين وافردوه موضعا للبغاء العلني أي ( دار القحاب ).
التسلل للدربونة ليلا
واشتكى أهالي المحلات المحيطة بالكلجية من مرور قاصدي الكلجية بمحلاتهم ، فطلبوا من الحكومة أن تسد الباب الخلفي للزقاق لتصبح الكلجية دربونة ذات منفذ واحد على الشارع العام فقط ، ولكن مالكي الدور الخلفية من الكلجية ، وكذلك القوادات في البيوت الخلفية احتجوا لهذا الطلب ، لان سد المنفذ الخلفي يحول الزقاق إلى دربونة ، ويجعلهم في قعر الدربونة ، فيضر بارباحهم وبأثمان الدور، وكذلك فان بعض طالبي الونسة والكيف كانوا يتسللون إليهم متخفين ، ينفذون إليهم من الجهة الخلفية ، فان سدت تلك الجهة التزموا ان يصلوا اليهم من الشارع العام ، وهو طريق مزدحم بالناس ، يفتضح من يمر فيه إليهم ، واقتنع رئيس البلدية آنذاك عبد المجيد الشاوي بسد المنفذ الخلفي للزقاق ، فشكا أهالي المحلات أمرهم للملك فيصل الأول فاهتم بالموضوع ودعا اليه رئيس البلدية وناقشه في القضية ، فقال للملك : يا سيدنا ، هذا الزقاق نافذ من طرفيه ، فهو طريق عام ، ولا يجوز سد الطريق العام ، لأن في سده ضررا على الناس .

وقال الكلك : إن بعض رجال الدولة أعلموني ، أن هذا الزقاق لم يكن نافذا في العهد العثماني! وكان المرحوم عبد المجيد الشاوي حاضر البديهية ، لاذع الجواب ، فقال للملك : كذبوا يا صاحب الجلالة ، وليسألوا امهاتهم ، من أين كن يعبرن إذا أردن الخروج من محلتهن!
كوك نزر
وتلاصق الكلجية محلة – كوك نزر – التي أصبحت مرتعا لطلاب المتعة من البغاء والقحاب
فاخلاها سكانها هربا من مجاورة دار البغاء العلني. وأصل كلمة ( كوك نزر ) أي قطيعة (لازار) وسبب تسمية المحلة بهذا الاسم ان السلطان مراد الرابع العثماني لما فتح بغداد ، كان آمر المدفعية في جيشه ارمني اسمه ( لازار ) فطلب منه أن يقطعه ببغداد ارضا يبني عليها كنيسة ، فأقطعه السلطان هذه القطعة فبنى فيها كنيسة للارمن الارثوذكس ، وبنى الناس بيوتهم حول الكنيسة وسميت ( محلة كوك لازار) اي قطعية لازار. وأصبحت المحلة مرتعا للبغاء السري حتى الستينيات من القرن الماضي . واشتهرت هذه المحلة بنماذج من بائعات الهوى والقحاب والراقصات ظلت أسماء البعض منهم تتردد حتى الآن في حياتنا اليومية. ولعل ( عباس بيزه ) كان اسما معروفا في المحلة يستقبل طالبي المتعة ويقودهم إلى أجمل قحاب المحلة .


د. معتز محيي عبد الحميد

__________________

فرات
21-11-2011, 02:06 PM
يحافظ هذا التحقيق على الاصطلاحات التي تصف البغاء واماكنه وممارساته ، وبعضه استولت عليه اللغة الشعبية في سبابها والاوصاف التي تعتمدها في تصوير بعض الاشخاص والممارسات الكريهة .
وهدفنا من هذا ليس تشجيع هذه اللغة ، بل معرفة جذورها، فضلا عن أننا نقف ضد ممارسات تسيء الى الانسان ، ولاسيما الى المرأة . لكن هذا لا يعفينا من معرفة ظاهرة قديمة ما زالت تتخذ اشكالا مختلفة ، تظهر وتختفي على ايقاع جملة من العوامل منها: انتشار الثقافة والتعليم، النمو الاقتصادي ، الفقر وعوامل النبذ الاجتماعي ، وطبيعة مؤسسة العقاب الخاصة بالمجتمع والدولة. وفي كل الاحوال لا يخلو هذا الموضوع من الطرافة وظرف بعض الشخصيات البغدادية القديمة ، مع حوادث تتصف بالغرابة.

حسنة ملص
وقد اشتهرت أيضا في هذه المحلة قوادة مثقفة تدعى (حسنة ملص ) أشهر قوادة في الأربعينيات لم تأت من كونها من اعتق قوادات المحلة فقط . بل ارتبط اسمها بحكاية سياسية غاية في الطرافة بسبب الخلاف السياسي بين القوميين الناصريين والشيوعيين في فترة حكم عبد الكريم قاسم حيث وصلت إلى مرحلة التأزم وتبادل الشتائم عبر أجهزة الإذاعة والصحف ، فما كان من جماعة عبد الكريم قاسم إلا وأرسلوا خبرا إلى المذيع المصري المعروف في اذاعة صوت العرب ( احمد سعيد ) مفاده بان الشيوعيين قد القوا القبض على نصيرة العروبة المجاهدة ( حسنة ملص ) وراحوا ينكلون بها وبشرفها ، فما كان من الإذاعي الكبير صاحب الصوت المجلجل إلا وراح يطلق تعليقاته الصارخة عبر الإذاعة يندد فيها بحكومة الزعيم وبالشيوعيين وهو يردد بالنص ويقول عبر المذياع ( إذا ماتت حسنة ملص فكلنا حسنة ملص !) .
ومن أشهر القوادات أيضا في محلة كوك نزر ( زكية العلوية ) حيث كانت تدير اكبر دار للقحاب في المحلة. وكان هناك دار تعود لهذه القوادة تقع في دربونة النجفي بالقرب من المحلة التي سكن الشاعر معروف الرصافي في اوائل الثلاثينيات فيها وقبل ان تستضيفه الفلوجة سنة 1933، وقد زاره في هذا الدار امين المميز فتأثر لحالته السيئة التي أثرت فيه طيلة حياته لان موقع الدار والمترددين والمترددات عليها من القحاب وطالبي الونسة مما تقشعر منه الأبدان .

الأشهر:
ومن أشهر القوادين والقوادات الذين حفر تاريخ القوادة اسمهم في التاريخ .
1- سيد رجب : وهو العمود الفقري لمحلة الذهب في الجانب الذي تشرف عليه (ريمة أم عظام ).
2- فايق خماس : وهو زوج الحجية ربيعة وميدان عمله هو الكلجية والصابونجية وكثيرا ما يشاهد في شارع الرشيد في سيارة فخمة .
3- داود اللمبجي : وقد لمع اسمه في العشرينيات باعتباره من الكواويد الارستقراطيين. ولما توفي رثاه الشاعر الشعبي عبود الكرخي بقصيدة مشهورة غناها مطرب المقام يوسف عمر مطلعها:
مات اللمبجي داود وعلومه كوموا اليوم دا نعزي فطومة

وفطومة هذه هي فطومة بنت الصمنجي وهي كلمة تركية معناها بائع التبن، وكانت إحدى جميلات بغداد في العشرينيات وقد عاشرها في الثلاثينيات معاشرة الأزواج أي (استكعدها) حسين فخري ( كاتب عدل بغداد ) وسكن معها في منطقة العلوازية شارع المحامين حيث كان يستقبل أصدقاءه كل أسبوع ليسمعهم نكاته وطرائفه كما لو كان في عنفوان شبابه.
وكانت تقاليد الحب والهيام بالقحاب بين كبار رجال الدولة متفشية وأحيانا لا يخجل بعض الساسة من الزواج منهن ، وبعضهم يتزوج منهن بصورة سرية أو تصبح خليلة له وحده بعد أن تتعاهد معه على ذلك .
4- محمد النجفي : وهو من معاوني القوادة ( ريمة أم عظام ) وكان طويل القامة يرتدي العكال ويلبس افخر أنواع العبايات ويشاهد يتبختر في شوارع بغداد وكأنه من شيوخ الشرجية ، وله شخص يشبهه ويمتهن نفس المهنة ولكنه كان شخصا محيط عمله من ركائز محلة كوك نزر والصابونجية .
5- ورور : ولد يتيما من أهالي الصقلاوية، جاء إلى بغداد وهو صبي نخرت التراخوما عينيه وصار يعمل خادما في البيوت ثم جنح وضل الطريق حتى وصل إلى المبغى العام ، وبلغ أعلى المراتب منها ثم أصبح مختارا للكلجية . وكان يشاهد في محلات الميدان والطوب وباب المعظم وما يجاورها مرتديا العقال والغترة البيضاء وافخر الملابس وكأنه شيخ من شيوخ الدليم .
ويروى عن ورور طرفة عندما كان يعمل خادما لدى إحدى العائلات جاء المُبلغ -مبلغ إحدى المحاكم - ليبلغ صاحب البيت بأوراق رسمية فنادى صاحب الدار (ورور) جيب لي القلم للتوقيع. وما أن سمع المُبلغ كلمة ( ورور) حتى أطلق ساقيه للريح وفر هاربا .
6- علي قاو : وكان شابا يرتدي السدارة واللباس العادي وفي الثلاثين من عمره يزور المكاتب والمحال والمقاهي حتى المساء لترويج بضاعته من القحاب !
7- كرجي : وهو من أشهر كواويد اليهود في بغداد في الثلاثينيات والأربعينيات، وكان يزاول السمسرة بدار تقع في محلة ( التوراة ) المحلة اليهودية وقد توقف عن عمله عندما قررت وزارة الداخلية سنة 1935 تشكيل شرطة الأخلاق من واجبها مراقبة دور الدعارة السرية للقضاء على البغاء. ولكن كل هذا لم يتحقق بسبب تصرفات الشرطة ومفارزها الذين كانوا يتعاونون مع أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها ويقبضون الرشاوى . فصار أصحاب دور القوادة يعطون للشرطة رشاوى أكثر مما يتقاضونه من طالبي الونسة ، فارتفعت الشكاوى من الطرفين الأمر الذي أدى إلى إلغائها من قبل مدير شرطة بغداد فعاد – كرجي – وزملاؤه إلى مزاولة المهنة بحرية تامة .

من أشهر القوّادات :
1- بدرية السودة : وكانت تعمل في الدربونة وعلى اتصال باولاد الذوات وأصحاب النفوذ والسياسة ومن هم ارفع مقاما .. فبدرية هذه ليست عبدة سوداء وانما لقبت بالسودة لانها شديدة السمرة ودمها حار!
2- بدرية السواس : وهي حلبية الاصل كانت جميلة وجذابة وتعمل راقصة في ملهى (نزهة البدور) في مدخل الميدان مقابل جامع الاحمدي. ولكثرة المشاجرات بين المعجبين برقصها وغنائها فقد وضعت لافتة فوق المسرح مكتوب عليها ( طلب الاغاني والبستات ممنوع بأمر من مدير الشرطة ) وقد (ستر عليها) احد ضباط الشرطة وتزوجها وظلت في عصمته حتى وفاته في الخمسينيات .
3- حمدية : وكانت مغنية وراقصة في اوتيل الهلال مع منيرة الهوزوز، وقد وقع في حبها قائممقام في الفرات الأوسط وجاء بها معه إلى مدينته على ضفاف الفرات وبقيت في عهدته حتى اعتقاله في معتقل العمارة سنة 1941 في قضية جنائية فصارت تضرب بالمثل لوفائها وإخلاصها لصاحبها .
4- نزهت : وكانت تسمى ( نزهت الحلوة ) أو نزهت البغدادية وكانت راقصة مع جوق سليمة باشا في اوتيل (عبد الله ماشا الله) لا تحسن الرقص ولا الغناء ولكن تحسن المضاجعة لكونها جذابة فاستظرفها احد أبناء الأثرياء وأخذها من اوتيل الجواهري في الميدان إلى داره في البتاوين وبقيت خليلته حتى نفدت ثروته . وعادت مرة ثانية الى العمل في الاوتيل .
5- بنات مريم خان : وهن ثلاث بنات الكبيرة اسمها تفاحة وقد فتحت لها بيت قرب شارع المتنبي حاليا بعد أن تقدمت في السن، والثانية ( نجية ) وكانت ذات حظوة عند الكثير من الشباب البغدادي ( واحد يفكها وواحد يلزمها )، والثالثة ( رجو) وكانت في وقت من الأوقات محظية لأحد نواب كربلاء!
6- بنات نومة : وهن اثنتان ( ليلو وخزنة) وقد ترفعن من مهنة القحابة حتى صعدن على خشبة مسرح اوتيل الجواهري .
7- صبيحة: وقد عرف عنها في اوساط المرتادين بانها سادية حيث لا تتلذذ بالجنس إلا أذا صاحبته القسوة والتعذيب، وقد تزوجها احد ضباط الجيش في زمن ايام بكر صدقي ثم اصبحت محظيته .
8- حنيني (حنينة) : وهي يهودية يحلو لها ان تعتبر نفسها في عداد القحاب المثقفات خاصة وانها كانت تتواجد في فندق متروبول لصاحبه صادق حنا .
9- بنات مراد : وهن اربع ، ريجينه ومسعودة وروزة وسليمة ( باشا). واللقب ( باشا ) هو ليس اللقب المعروف والاصل هو (باشا) بالباء وهو اسم والد مراد الذي يقال انه يهودي جاء من تركيا في العهد العثماني ، فصارت ريجينة وسليمة تحملان لقب ( باشا) تندرا . اسلمت ريجينه وتزوجت من ( محمد) ومن ثم عبد الكريم واسلمت سليمة وتزوجت من ناظم الغزالي قبل بضع سنوات من وفاته .
10- مدام لاوي : وهي قحبة يهودية كانت تقيم في النمسا وجاءت الى بغداد فتعلق بها احد العراقيين وتذلل في هواها وبذل المجهود في خدمتها وتقديم الهدايا لها املا في نيل عطفها فلم يلق منها عطفا ، وقد جاء يوما الى اصدقائه وقد فاض به السرور وقال : اسكتوا.. فان مدام لاوي قالت لي ( سلي) وكلمة سلي (Silly) تعني غبي او سخيف فكان فرحا جدا عندما قالت له انت سخيف .
11- هيبو : امرأة قوادة كانت لها دار تمارس فيه القوادة في بغداد في أواخر العهد العثماني قريبا من محلة السراي ، وحلت محلها في الثلاثينيات قوادة اسمها (دينا) كان بيتها في مكان قريب من دوائر السراي في القشلة، ويقوم بمساعدتها زوجها ويدعى ( حميد) ويسمونه ( حمدي بك)، وكان في الستين من عمره جميل الصورة في هندامه، وكان سابقا موظفا في دوائر العهد العثماني، ولكن حاجته إلى المال وتقلب الأحوال اضطرته الى الزواج من ( دينا ) فتديث وأصبح قوادا. وكان يراجع المحاكم بشأن القضايا المتعلقة بأمور زوجته وأمور قحابها ومشاكلهم .
12- ريجينه : وتكنى ام نجية وام ناجي وهي أشهر قوادة في بغداد وكان لها عدة دور في دربونة الكلجية في الميدان حيث تقيم مع بناتها. وجمعت من هذه المهنة ثروة طائلة وكان اثنان أو ثلاثة من الساسة العراقيين في بداية القرن الماضي ، يقترضون منها بفائدة. وكان البغداديون يعيّرون هؤلاء الساسة بذلك وقد غفلوا عن الجانب الطيب من الموضوع ، وهو أن هؤلاء كانوا نظيفي اليد لا يمدون أيديهم إلى مال الدولة لأخذ الرشوة!
ماتت رجينه قتلا إذ كانت لها دار منعزلة في الكرادة خارج بالقرب من الشط خصصته لمباذلها، وعثر عليها في هذه الدار قتيلة في فراشها . قتلها خليلها ثم انتحر ، وخليلها الذي استكعدها كان شابا طويل القامة وجميل المنظر اسمر اللون عمل موظفا في مديرية الطابو (السجل العراقي) في بغداد وكان كريم الأخلاق شديد الحياء، ولعل استحياءه من الناس هو الذي دفعة الى مصيره الذي صار اليه.. كانت رجينه تملك سيارة لا يملكها احد في بغداد وقد شاهدها الشاعر الملا عبود الكرخي وهجاها بقصيدة مطلعها :
شفتي يا روحي الحزينة الضخمة سيارة رجينه
شفتي سيارة الضخمة بشارع الميدان القحبة
نائب الرئيس الأميركي في الكلّجية !!
كان البغاء العلني مسموحا به في العهد العثماني ، حيث ان الدولة العثمانية قد اتبعت كثيرا من التقاليد والتشريعات والمؤسسات العامة التي كانت متبعة في فرنسا ومن جملتها البغاء العلني . ولما احتل الانكليز العراق بعد الحرب العالمية الأولى اعترفوا بمؤسسة البغاء، إذ كان في بغداد مبغى عاما في منطقة ( الكلجية ) فقط لم يعترضوا عليه وسمحوا له بالاستمرار كما كان عليه الحال في العهد العثماني ، وكل مافي الأمر أنهم علقوا (لافتة) مكتوب عليها بالحبر الأحمر كلمة ( Brothel) وعينوا انضباطا عسكريا لمنع الجنود الانكليز من ارتياده ، رغم أن البغاء العلني كان ممنوعا قانونا في بريطانيا، ولا توجد فيها مواخير أو بيوت للدعارة معترف بها رسميا وخاضعة للتسجيل والرقابة الصحية كما هو الحال في بغداد ومدن الموصل البصرة . ولما زار بغداد ( ويندل ويلكي ) نائب رئيس الولايات المتحدة ومؤلف كتاب ( عالم واحد ) ابان الحرب العالمية الثانية كانت ( الكلجية ) من المعالم التي أصر الزائر الأميركي على زيارتها لعدم وجود مؤسسة تماثلها ( في عالمه الجديد ) فطاف فيها وتحدث مع القوادين والسماسرة ودخل بيوتهم واندس بين القحاب وجلس في المقاهي الموجودة في الدربونة وتحدث مع احد القوادين وشرب الشاي واثنى عليه! فكانت تلك الزيارة من حكايات التندر في بغداد انذاك .
فيضان بغداد وعمل شعبي في الميدان
في عام 1938 عندما فاض نهر دجلة وكسرت سدة ناظم باشا من ناحية الوزيرية وراحت المياه تتدفق في الشوارع ، والمعتاد في مثل هذه الحالات أن تقوم الشرطة بتجنيد الناس فيما يسمى بعمل السخرة لدرء الفيضان وتقوية السور. في هذه الاثناء دق تلفون معاون شرطة السراي عدنان محيي الدين وطلب منه مدير شرطة بغداد بتعئبة الناس فورا لوقف تدفق المياه. اسقط المعاون عدنان حاكية التلفون من يده فقد كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل وآوى الناس لبيوتهم نائمين وخلت الشوارع من المارة. فمن أين يأتي بالسخرة ؟ وجد الحل بعد أن هداه فكره إلى محلة واحدة ما زالت تعج بالناس وبالنشاط على قدم وساق وهي محلة الكلجية.

اقتاد المعاون ثلة من افراد الشرطة وهرع الى ازقة الكلجية وكوك نزر.. حيث جمع كل من وجده هناك من القحاب وزبائنهن وحشرهم في سيارات الشرطة وهرع بهم الى محلة الكسرة، وهناك انكب الشباب بحفر الارض وملء اكياس من الجنفاص بالتراب وحملت القحاب الاكياس على ظهورهن لردم الكسرة وايقاف تدفق المياه حيث واصلن (الشيل والحط) حتى آذان الفجر. ولقد اسهمن حقا في سد الثغرة وانقاذ العاصمة من الغرق ولولاهن لاجتاحت مياه الفيضان الجوامع والمساجد والبيوت في الوزيرية . وبعد صلاة الفجر عادت بهم سيارات الشرطة الى الكلجية.. كل الى بيته. وفي اليوم التالي بعث امين العاصمة رسالة شكر وتقدير لكل القحاب والقوادين الذين ساهموا بالعمل الشعبي لدرء الفيضان عن بغداد .
سلطة القوادة في المبغى العام
وعن حالة المومسات والقوادات في المبغى العام في الكلجية بينت جمعية الخدمات الدينية والاجتماعية ذلك في كراس لها نشر عام 1952 بالحالة المزرية لهن ، حيث أن جميع المومسات البالغ عددهن (314) مومسا مصابات بشتى أنواع الامراض الزهرية وغيرها من الامراض ، ويسكن وينام هذا العدد الكبير من المومسات في مئة دار تتكون منها مؤسسة البغاء العام، وفي زقاق مليء بالقاذورات والمياه الآسنة ، وكانت اغلب هذه الدور لا تتوفر فيها ابسط شروط الرعاية الصحية والنظافة ، حيث تفتقر الى المرافق الصحية والحمامات ، والمنطقة كلها ليس فيها مراحيض عامة ، ويتبول المارة في الازقة وسواقي المياه النتنة التي تحيط بالزقاق ، ورغم ذلك فان هذا الزقاق كان يغري طالبي المتعة من المراهقين وحديثي السن وطلاب المدارس وغيرها وفي إحصائية أعدتها الجمعية عن عدد الذين يترددون على المبغى سنويا ، وجدت عددهم أكثر من مليون شاب ورجل يتردد لمزاولة المتعة في هذه الدور وأكثر المترددين من الطبقات العاملة في العاصمة بغداد والأرياف، ويزداد هذا العدد إلى الضعف في أيام الأعياد والعطل الرسمية !
وفي إحصائية نقلتها الجمعية من سجل مستوصف الوقاية الصحية في المبغى، بلغ عدد الزوار أكثر من (1049670) في عام 1939 أي بمعدل (87472) رجلا في الشهر أي بمعدل ( 2915) نسمة في اليوم الواحد.. رغم أن ساعات العمل في المبغى العام لا يتجاوز (12) ساعة في اليوم، أما عن الأجور الرسمية للمومسات في المبغى فقد حددت التسعيرة بموجب القانون بمبلغ يتراوح ما بين الخمسين والمئتين والخمسين فلسا لكل زائر وللمرة الواحدة- (الخشة) بمصطلح المومسات. وهذا السعر غير ثابت أحيانا ويخضع لجاذبية وحسن المومس وصغر سنها وما تتمتع من فن الإغراء والمتعة للزبائن ... فحديثات العهد في العمل في المبغى أو صغيرات السن اللائي يتمتعن بمفاتن جنسية خاصة يتعاطين أجورا مرتفعة عن القديمات أو المسنات (الايجات) الفاقدات الجاذبية الجنسية!
وكان البغاء في تلك الفترة يمارس في بغداد على عدة اشكال :
الأول : في المبغى العام ويخضع لقانون البغاء الذي يراقب تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية والتشريعية .
الثاني : في البيوت خارج المبغى العام والمحلات القريبة للميدان وتكون اكثر نظافة واعتناء من مسؤولي ادارة هذه الدور وتكون المومس اكثر هنداما واجمل صورة من بنات المبغى العام، واحيانا تكون من طبقة متعلمة واجورهن مرتفعة عن اسعار المبغى العام .
الثالث : أن اغلب هذه الدور لم تكن معروفة الا لرواد وطالبي المتعة عن طريق القوادات حيث يعرف بها طالب المتعة عن طريق الاصدقاء او المخالطة واحيانا عن طريق الصدفة .
الرابع : المعروف بالبغاء السري وهذا يمارس في دور وفنادق وشقق يصعب التوصل اليها من قبل العامة الا لمن ندر من الطبقة الخاصة ومن المترفين من الناس، لان هذه الدور تقع في اماكن لا تجلب الشبهة قط ومحاطة بالتكتم الشديد، فهي اشبه بالنوادي السرية .
الخامس : يتضمن طبقة الراقصات والمغنيات في الملاهي والفنادق الرخيصة ولا يوجد أي نص قانوني يمنعهن من ممارسة البغاء خلسة لانهن ممتهنات مهنة الرقص والغناء وتعتبر تصرفاتهن غير العلنية مطابقة للحرية الشخصية . وكانت الملاهي تضم انذاك راقصات ومغنيات عراقيات واجنبيات يجلبن من الشام وتركيا ولبنان .
__________________

فرات
21-11-2011, 02:07 PM
لمحات من تاريخ البغاء العلني والسرّي في بغداد ـ 3

الكاتب/ د.معتز محيي عبد الحميد:
يحافظ هذا التحقيق على الاصطلاحات التي تصف البغاء وأماكنه وممارساته ، وبعضه استولت عليه اللغة الشعبية في سبابها والاوصاف التي تعتمدها في تصوير بعض الاشخاص والممارسات الكريهة . وهدفنا من هذا ليس تشجيع هذه اللغة ، بل معرفة جذورها، فضلا على أننا نقف ضد ممارسات تسيء الى الانسان ، ولاسيما الى المرأة .
لكن هذا لا يعفينا من معرفة ظاهرة قديمة ما زالت تتخذ اشكالا مختلفة ، تظهر وتختفي على ايقاع جملة من العوامل منها:

انتشار الثقافة والتعليم، النمو الاقتصادي،الفقر وعوامل النبذ الاجتماعي ، وطبيعة مؤسسة العقاب الخاصة بالمجتمع والدولة.
وفي كل الاحوال لا يخلو هذا الموضوع من الطرافة وظرف بعض الشخصيات البغدادية القديمة ، مع حوادث تتصف بالغرابة.

البغاء في الأربعينيات
اتخذ البغاء في العراق خلال فترة الاربعينيات طابعا جديدا حيث تحول الى ظاهرة مركزية تمارس فضلا على بغداد في مناطق محددة منه في البصرة والموصل. وقد زار الشيخ ( جلال الحنفي ) المبغى العام في البصرة من اجل دراسة الحالة الاجتماعية والصحية للبغايا اللائي يمارسن مهنة البغاء هناك , ونشر بعد الزيارة وثيقة مهمة طالب بها الحكومة العراقية بإلغاء المبغى هناك وكذلك إلغاء المبغى العام في بغداد .
وعلى اثر ذلك ظهرت فكرتان أساسيتان تدعو الأولى إلى تحريم البغاء نهائياً وتدعو الثانية إلى تنظيمه. وقد تم تنظيم البغاء فعلاً اثر صدور نظام تفتيش بيوت الدعارة ومراقبة البغايا لمكافحة الامراض الزهرية رقم (33) لسنة 1943,على أن الموقف تغير بعد انضمام الحكومة العراقية بموجب قانون رقم (74) لسنة 1955 إلى الاتفاقية الخاصة بمنع الاتجار بالأشخاص والاستغلال، وبناء على ذلك أصدرت الحكومة العراقية القانون رقم (79) لسنة 1956 الذي حرمت بمقتضاه السمسرة مع بقاء البغاء غير محرم بالرغم من تهديم المبغى العام في الميدان والبصرة.

وقد زار كما ذكرنا الشيخ المرحوم (جلال الحنفي ) المبغى العام في البصرة في 20/3/ 1956 بمناسبة إقدام الحكومة على إلغاء البغاء على رأس جمعية الخدمات الدينية والاجتماعية وقدم للرأي العام معلومات مهمة عن الأوضاع المأساوية التي وجدت، وطبع هذا التقرير في كراس قدم للرأي العام.

البغاء السرّي بعد إلغاء المبغى العام

واصل الدكتور محمد فاضل الجمالي حملته لاقتلاع هذه المحلة الموبوءة فما ان تسنم رئاسة الحكومة حتى أمر الجيش عام 1956 بطرد القحاب وهدم بيوتهن وازالة كل اثر من آثار المحلة . ويظهر أن ضباط الجيش لم يرتاحوا لفعلته هذه ، فبعد سنتين من ازالة الكلجية من بغداد قاموا بثورة 14 تموز واعتقلوه وساقوه لمحكمة الشعب امام المهداوي بتهمة الخيانة العظمى والعمل للاستعمار!!!!.

وبقي البغاء والسمسرة يعملان بسرية بعد نفاذ هذا القانون وانتقلت الدعارة إلى بيوت خاصة في مناطق متفرقة من بغداد وبعض الفنادق في منطقة الميدان وشارع الرشيد والسعدون، وقد أجريت دراسة ميدانية لحجم ظاهرة البغاء السري في العراق ضمن دراسة للماجستير أعدها د. كريم حمزة، حيث أشار في دراسته إلى ان أول إحصائية لحجم البغاء جرى سنة 1953 من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وبلغ عدد البغايا (1500) بغي وبلغت جرائم البغاء والسمسرة المسجلة من قبل الشرطة في العراق (856) جريمة فقط .

وبرغم مرور فترة طويلة على إلغاء المباغي في العراق ولكن الظاهرة مازالت متفشية بصورة أخرى كما يذكر د. كريم حمزة في دراسته. فسرية البغاء لا يعني انه أصبح سريا مطلقا، فالبغي لابد أن تعلن عن نفسها بطريقة واخرى وهي مهما أوتيت من قدرة على التخفي تظل عرضة للكشف والملاحقة. بيد ان البغاء المنظم كان شكلا مختلفا ، إذ كانت المرأة البغي تنزل في المبغى اي انها تحترف الممارسة والقانون يحميها، وكان عليها أن تتقبل الضوابط المفروضة عليها وتتعلم كيف تتصرف في المواقف المختلفة .
وبرغم الغاء وتهديم المباني العامة للبغاء لم تنته هذه الظاهرة فأصبح احتراف البغاء يجري بصور جديدة من الممارسة وصلت حد التملص من الرقابة الأمنية وساعد على انتشار ذلك عدة متغيرات متداخلة ومعقدة ، فقد ظلت البيوت المتبقية من المباني القديمة في الميدان تضم أعدادا من المحترفات اللواتي ينطلقن للعمل في مناطق أخرى وفي الغالب يقفن في شارع الرشيد وفي أماكن محددة من شارع الرشيد والنضال وحديقة الامة بانتظار طالبي المتعة ، الذين يأتون اليهن بسيارات أو ينتظرون في بيوتهن باشارة من السماسرة المنتشرين في أماكن خفية من بغداد.

الشرطة ومكافحة البغاء
وقد أوضحت دراسة أصدرتها مديرية الشرطة العامة/ البحوث والدراسات في عام 1988 تناولت فيه البغاء وأسبابه ووسائله بان أماكن اللقاء والتواجد للسمسيرات ( القوادات) أصبحت في صالونات الحلاقة النسائية ، وأصبحت هذه الصالونات مقرا لتجمع السمسيرات والقحاب اللواتي أخذن يوثقن علاقتهن مع بعض العاملات في الصالون وبعض اللواتي يأتين اليهن وتقوم السمسيرات باستدراج من تبدي ممانعة طفيفة بإغرائها بالهدايا والملابس الجميلة.
لكن هناك أيضا مناطق أخرى في بغداد كانت تحتضن العديد من دور القحاب والسمسيرات اللواتي يمارسن الحرفة بصورة سرية ولم تكن في الواقع سرية تماما وذلك بسبب تواطؤ الشرطة وبعض المسؤولين من خلف الستار مع القوادين من الصنف الأول على إدارة اعمال السمسرة في داخل تلك البيوت حصرا عن الأزقة المجاورة للكلجية مثل كوكز نظر والصابونجية والميدان والحيدرخانة وبعض درابين اليهود في محلة التوراة القريبة من سوق الشورجة، وكذلك محلة ( طوبليان) في الباب الشرقي القريبة من منطقة السنك. وقد سميت محلة ( طوبليان ) بسبب وجود عيادة طبيب ارمني اسمه (طوبليان) وكانت في المحلة بعض البيوت السرية المشبوهة . كذلك هناك دور أخرى في منطقة الباب الشرقي محاذية لحديقة الأمة ( الملك غازي سابقا ) ودور عديدة في منطقة البتاوين قرب بستان الخس ( ساحة النصر) حاليا وقد أصبحت في الأربعينيات منطقة تزدهر بدور القحاب والسمسيرات ، وكانت هناك بعض الدور المتفرقة في بداية منطقة بغداد الجديدة.

هذا ما كان في جانب الرصافة من بغداد ، أما في جهة الكرخ فكانت محلة الذهب القريبة من محلة الدوريين المحاذية لشارع الشيخ معروف تأوي القحاب والسمسيرات بصورة علنية ولا تخضع لاية رقابة أمنية أو صحية وإن خضعت يوما فلا تعدو أن تكون رقابة شكلية ، وكانت تقود المنطقة قوادة محترفة تدعى( ريمة ام عظام ) وتملك دورا كثيرة ويساعدها أشهر قواد في منطقة الكرخ يدعى ( محمد النجفي )!

لم تكن تلك المناطق والدور المشبوهة تعمل وحدها في بغداد، فقد كانت هناك بعض الفنادق الموجودة في شارع الرشيد وشارع النهر تلجأ اليها الفنانات والراقصات والمومسات العربيات والاجنبيات اللواتي يستقدمن من متعهدي الحفلات للعمل في الملاهي الليلية واللواتي كن يوقعن بشراكهن بعض طالبي المتعة من العراقيين، وتصبح قصصهن مضربا للأمثال عند رواد الملاهي !

وعندما صدر الامر بتهديم بيوت القحاب والمبغى العام لم يدر بخلد الناس أن الموضوع كان ( تجاريا ) بحتا حيث جرى استملاك رسمي لبيوت المبغى العام بأسعار خيالية لصالح ملاكي تلك البيوت وبالاتفاق مع بعض السياسيين المتنفذين آنذاك! وبعد تهديم المبغى العام انطلقت القحاب إلى الشوارع بكل حرية وانتشرت لتغزو بيوتا عديدة في مناطق مختلفة من بغداد القديمة والحديثة وكان الحديث عن ( اصلاح ) القحاب كما تبنته الحكومة آنذاك مشوبا بالسخرية من المواطنين بعد أن رأوا القحاب والقوادين يتجولون في الشوارع الرئيسة والحدائق العامة والفنادق بكل حرية وبدون مراقبة بل استأجروا بيوتا في مناطق معروفة في بغداد.

وفي نهاية الخمسينيات جرت محاولة لتوطين القحاب في مجمع اصلاحي يسمى( بالرشاد ) أو ( مدينة الرشاد ) ومنطقة الكمالية وادخل العديد ضمنها، ولكن أصبحت تلك المناطق تفوح منها رائحة القوادة العلنية وليس الإصلاح، بل طرأت أساليب جديدة لاصطياد الزبائن لم تكن معروفة سابقا، حيث يتواعدن في عيادات الأطباء والسينمات وفي بعض فنادق شارع الرشيد الرخيصة والكرخ بصورة علنية. ويذكر الدكتور مهدي السماك في مذكراته قصة إحدى القحاب كانت تزوره في عيادته وتدعى (حمدية) التي كانت تضع المكياج الصارخ وتسرح شعرها وتلبس الفساتين القصيرة، وتتردد على العيادة باستمرار وتنتظر في غرفة انتظار النساء وتجلس بالقرب من نافذة الغرفة المطلة على الشارع تنظر من النافذة على الشارع، حيث تتفق مع الزبون هناك، وعندما تشاهده أسفل العيادة تخرج مسرعة من العيادة لتقلها سيارة الزبون التي كانت تنتظرها أسفل العيادة في كل مرة. ويبدو أن حمدية اتخذت من عيادة الدكتور السماك محطة انتظار لتلتقي بطالبي المتعة بسياراتهم الخاصة .

وروى السماك كذلك قصة عن قحبة تحولت إلى قوادة من القوادات وتدعى (وزة) وكانت في البداية تصطحب لعيادته بعض المرضى من معارفها ومن قحابها . وهي متزوجة من رجل تزوجها وهو في أوخر عمره، وعندما توفي أصبحت قوادة تصطاد البنات من حمام النساء. وعندما سألها الدكتور السماك كيف تصطاد البنات الصغيرات اجابته وهي تبتسم في حمام النساء كنت ادور عليهن واصطاد المحترفات والهاويات ( الغشيمات ) اللواتي يسهل اقناعهن بالمال أو بالمصوغات الذهبية أو الملابس واستدرجهن إلى دور المتعة .

وبينت الدراسة التي أعدتها مديرية الشرطة العامة في الثمانينيات زيادة حجم ظاهرة البغاء من خلال دراسة ميدانية شملت المئات من البغايا والقوادات اللائي كن يقضين عقوبات في سجن النساء ، وقد كشفت الدراسة عن وجود محلات واماكن عديدة استغلتها القوادات في انتشار وشيوع وسائل عديدة مؤدية لانتشار البغاء السري والعلني منها :

1- صالونات الحلاقة النسائية :

حيث تبين من الدراسة أن عددا كبيرا من السمسيرات والقحاب يترددن على صالونات الحلاقة النسائية وانهن يوثقن علاقتهن مع بعض العاملات في هذه الصالونات ويستدرجن من تبدي ممانعة طفيفة أو شيئا من التخوف ويسهلن الأمر لمن لديها التقبل لمزاولة فعل البغاء وتقوم القوادات بتطمين وحماية من توافق على ذلك بتوفير أماكن أمينة لممارسة الجنس

وكانت هناك صالونات حلاقة معروفة في شارع السعدون والمنصور والرشيد تكون مملوكة أحيانا للقحاب. هناك مثلا صاحبة صالون معروفة ذات نفوذ قوي قد هيأت بيتها لممارسة البغاء فيه كما أنها دفعت بناتها لممارسة البغاء والإشراف عليه ووفرت لهن الإمكانات المادية والحماية الآمنة واستخدمتهن في إقناع واصطياد بعض الفتيات اللواتي يقصدن محال الحلاقة .

2- الملاهي ومراقص الديسكو: الكثير من الفتيات التي تقل أعمارهن عن العشرين سنة كن يقصدن مراقص ( الديسكو) وكان الهدف من ذلك الالتقاء بطالبي المتعة والاتفاق معهم على اجر معين ومكان معين يمارسن الفعل الجنسي. وبينت الدراسة أن اغلب الفتيات المترددات على الملاهي لا يذهبن بمفردهن بل يتفقن مع عدد مساو أو متقارب لعدد الشباب فيخرجون كمجموعة واحدة لاصطياد الزبائن .

3- الحمامات الشعبية للنساء : كشفت الدراسة التي أعدتها الشرطة العامة عن وجود العديد من السمسيرات في الحمامات الشعبية يلتقين هناك بعدد كبير من الفتيات ويقمن بخبرتهن وحدسهن بتوثيق علاقتهن مع من لديها مشكلة أسرية، وتقوم السمسيرة بدعوتها إلى بيتها ثم تقدم لها هدية مناسبة مادية أو معنوية وهكذا يتم استدراجها للوصول إلى فعل الفحشاء والبغاء وقد استطاعت إحدى السمسيرات أن تلتقط فتاة جميلة جدا بهذه الطريقة وتأخذها معها إلى الموصل حيث باعتها إلى سمسيرة أخرى وهكذا .

4- جيران السوء : كثير من القحاب والسمسيرات بعد تهديم بيوت البغاء في المبغى العام بالميدان انتقلن للعيش في مناطق عديدة من احياء بغداد السكنية، فانتشارهن في هذه الإحياء ساعد السمسيرات على إقناع بعض النسوة من الجيران إلى ممارسة البغاء وخاصة بعض الأسر التي تعيش حياة غير مستقرة عائلية أو نفسية وقد أقنعت إحدى السمسيرات إحدى المتزوجات حديثا إلى دخول معترك البغاء وتمارسه خلال فترة غياب زوجها لأنها كانت بحاجة ماسة إلى النقود لمساعدة والدتها المريضة وقد امتثلت هذه المرأة لطلب جارتها. وهناك حالات أخرى كانت فيها الفتاة اللعوب ذات السمعة السيئة تخاف من الفضيحة فتقصد بيت جارتها المعروفة بالسمسرة وتمارس فعل البغاء في بيتها .

شهادات حيّة من نساء المهنة
حالة رقم (1)
في شارع من شوارع بغداد المعروفة ينتصب بيت فخم ، تسكنه امرأة عمرها ثلاثون عاما ، تحب المحتاجين وتتصدق على الفقراء ، ولهذا فالناس في محلتها لا ينادونها باسمها بل بأسماء أخرى من قبيل (العلوية) ، ( ام الحسنات)، ولا يعرف أهل المحلة ان لهذه المرأة قصة هي اقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة واليكم قصتها :
كانت (فاطمة ...) شقية .. فتاة تحب معاكسة الآخرين ولم تدخل المدرسة قطعا ، كانت طفلة أو لنقل مراهقة حين تعرفت وهي بعمر (13) سنة على شاب اسمه (سعد ...) استسلمت له فارتكبا الخطيئة .

كانت أمها حذرة جدا .. ففاطمة فتاة (وقحة) ولا تخاف من احد . وكانت تحاول ردعها، وارادت أن تزوجها. ولما شعرت البنت بضغط أمها عليها دبرت لها مكيدة لا تخطر على بال .
كان اخوة فاطمة متزوجين وكل في بيته فذهبت إلى بيت احدهم وأخبرتهم بان أمها تريد أن (تسمسر) عليها فصدقوها.. فاتفق الاخوة على قتل الأم على ان ينفذ الأمر أصغرهم الذي كان عمره اقل من (18) عاما. وقتلها فعلا، وحكم عليه بست سنوات بجريمة غسل العار، متهما أمه بأنها تمارس الزنا، غير أن التشريح اللاحق لجثتها اثبت أنها لم تمارس الجنس لفترة طويلة حتى مع زوجها.

وفي احد الأيام كانت فاطمة في احد الحمامات النسوية فتعرفت على امرأة اسمها ( كاظمية ...) فهربت من أهلها وأخذتها إلى البصرة . كانت فاطمة جميلة، ممتلئة، بيضاء بشعر اسود، صغيرة لا يتجاوز عمرها (14) عاما ، فاشتغلت بغيا في بيت ـ ليلى أخت الخوات – يسمونها كذلك لأنهن أربع خوات سمسيرات هن : ليلى ، نوال ، جواهر ، وبدرية .

فسكنت عندها وكانت تتقاضى عن الممارسة الجنسية الواحدة ( دينارا ومئة فلس فقط) والزمن عام 1970 وفي إحدى الليالي دخل رجل (ملثم) ومعه عدد من الشرطة إلى بيت (منزل) ليلى اخت الاخوات . كان هذا الرجل هو شقيق فاطمة الذي عرفها في الحال ، ولم تعرفه .

فاقتادتها الشرطة وعندما سألوها عن اسمها قالت أنها ( نهاد محمد ) وإنها فتاة لقيطة. ولما الحّت عليها الشرطة اعترفت لهم باسمها الحقيقي ولكنها قالت في هذه المرة أن اخاها هذا هو الذي يجبرها على ممارسة البغاء، غير أن شقيقها هذا كان لحسن حظه سجينا ، واثبت ذلك بأوراق رسمية .. ولما ضاقت الحيلة عليها طلبت فاطمة حماية الشرطة لها من أخيها الذي سيقتلها حتما .. وطلبت تسليمها إلى أبيها .

كانت فاطمة تقول للشرطة إن والدها يسكن مدينة الحلة .. وما أن تصل الحلة وتبقى فيها أسبوعا أو أسبوعين حتى تقول لهم انه يسكن مدينة بعقوبة.. وهكذا ظلت تنتقل في حماية الشرطة من مدينة إلى أخرى ، واستطاعت أن تتصل بالشخص الذي كان قد أزال بكارتها ، (سعد...) وامرته بأن يتزوجها ليخرجها من السجن وإلا فأنها ستبوح بالأمر إلى إخوتها الذين سيقتلونه بالتأكيد .
وقبل (سعد) مرغما .. فتزوجها ثم طلقها. وعادت فاطمة إلى مهنتها (البغاء) ولكن بعد أن تزوجت سمسيرا. وظلت عنده إلى أن تزوج أخرى فطلقها، وكان ذلك في عام 1975 . ثم التجأت الى الغجر ، وتزوجت احدهم وبقيت معه ست سنوات إلى أن قتل هذا الغجري من قبل شخص اسمه ( م ) بسبب أخته المطربة ( س)، وما أن دفن هذا الغجري حتى تزوجت من غجري وسمسير أيضا. وظلت فاطمة مع الغجر.

وفي عام 1982 قصدت فاطمة مدينتها الأصلية لحاجتها إلى جنسية وشهادة جنسية لها ولابنتها . كانت تبحث في الشوارع عن وجه أبيها. وكان هذا جالسا في احد المقاهي وحين لمحته عرفته ولم يعرفها . فانتحت به جانبا وقالت له :
-هل تعرفني؟
-اجاب كلا !
قالت له : إنني ابنتك فاطمة!
اغمى على الرجل العجوز . ثم طمأنته (فاطمة) بأنها بخير وأنها متزوجة (مستورة) وأنها تريد أن تشتري بيتا هنا بالقرب منه وأنها بحاجة إلى الأوراق الأصولية.. وان عليه أن لا يخبر إخوتها بذلك.. (ففاطمة) العائدة بعد (17) عاما لا يمكن أن يعرفها إخوتها .. وتم لها ذلك.. واشترت ذلك البيت الفخم.. وزكّت أموالها.. وأخذت تتصدق على الناس.. تحاول بالدرجة الأولى أن تكفر عن خطيئتها بقتل أمها التي لا يمكن أن تتطهر منها حتى لو اغتسلت بدموعها التي سكبت الكثير منها أمامي ، ندما ليس على ما فعلته بنفسها بل على ما فعلته بأمها .
بقي أن أقول لكم أنها كانت قد علمت بان زوجها الغجري (الأخير) كان قد قدم عليها شكوى في احد مراكز الشرطة ببغداد متهما إياها بأنها خطفت زوجته، وتناهى إليها الخبر وهي في مدينتها البعيدة عن بغداد فتداركت الأمر قبل أن تصل الشكوى إلى مدينتها، وقدمت إلى بغداد لتستبق الإحداث، فتم توقيفها بتهمة السمسرة أو البغاء رغم ادعائها أنها تركت هذه المهنة منذ خمس سنوات .

الحالة رقم(2)
ولدت عام (1945) في منطقة (الصابونجية) ( الميدان) ببغداد . كانت فتاة يتيمة . حين أصبح عمرها (11) سنة تزوجت من رجل كبير السن فعاشت معه لثماني سنوات وانجبت منه خمسة أطفال . وتصفه بأنه لم يكن يؤدي واجبه كأب ، فنشبت المشاكل بينهما . وكان هذا الرجل متزوجا فتركها وعاد الى زوجته الاولى، وطلبت منه الطلاق ، ونزلت إلى شارع الرشيد تمارس البغاء في فنادق هذا الشارع. كانت تتقاضى دينارا واحدا عن الممارسة الجنسية الواحدة .

ثم سافرت إلى البصرة ، واستقرت في محلة السيف وكانت هذه المحلة تضم بيوت الدعارة . وأصبح بيت أو (منزول) (سميرة) معروفا حيث كانت تدير أمور البغاء فيه، وكان ( القوادون) يجلبون لها البنات. وتقول سميرة أن الأجرة في ذلك الوقت (نهاية الستينيات) كانت بدينارين ، ترتفع في أيام الخميس والجمعة إلى أربعة أو خمسة دنانير، حيث يأتي (الزبائن) من عدد من أقطار الخليج العربي فضلا على العراقيين . وكانت البغايا يخضعن إلى الفحص الطبي أسبوعيا . وتروي (سميرة) أن ( العصر الذهبي للبغايا) في العراق كان في الخمسينيات إلى أن أمر احد رجال الدين بعزلهن، فأصبح الأمر أن التي لديها (واسطة) تفتح بيتها، ومن تفتقد ذلك تعمل سرا .. بحسب روايتها .

وبقيت سميرة تمارس السمسرة إلى منتصف الخمسينيات . ثم عادت إلى بغداد واستقرت في منطقة (...) وهي تمتلك الآن بيتا وعمارة فيها شقق سكنية . ولما سألنا (سميرة) أن تقول لنا في ضوء (خبرتها) الطويلة عن أسباب التجاء الفتيات لممارسة البغاء من وجهة نظرها،لخصتها بالاتي :

أما أن الفتاة عاشت يتيمة ولم تجد التربية الصحيحة أو أنها تفر من عائلتها لظلم أهلها، وعندما تفر تخشى الخوف من عودتها إلى أهلها فتلتجئ إلى هذا السبيل،أولحاجة اقتصادية.
__________________

SINAN-IQ
21-11-2011, 03:44 PM
بصراحة موضوع مفيد حيث يشرح لنا الكثير من الحالات السلبية في مجتمعنا البغدادي السابق وخبايا واسرار
خصوصاً موضوع ريم ام عظام والذي تكونت لدي صورة واضحة عن هذه الحالات التي حدثت وما زالت تحدث في كل العالم
الف شكر استاذ فرات