فرات
09-02-2008, 12:06 AM
من المعروف ان لكل شعب من شعوب المعمورة موروثاً وفلكلوراً شعبياً يرتكز في الاساس على نوعية خاصة من الاحداث او السير الذاتية للاشخاص وتستوعبه الذاكرة الجمعية الشعبية ليصبح بعد ذلك فرضا احتفاليا سنويا او موسميا تبعا لما يتفق عليه المجتمع الشعبي، وتعتمد تلك الموروثات الشعبية في اغلبها على السير البطولية الخيرة والطقوس والشعائر الدينية التي تتخذ من بعض الاحداث والوقائع طريقا للتعظيم والمفاخرة او المشاركة الوجدانية والتكفير عن الخطايا والرغبة في تحقيق الامنية، وكل ذلك مصحوبا بالمشاركة الجماعية الوجدانية مع صاحب الواقعة او الحدث الكبير عن طريق ابتكار طرق للتعبير عن هذه المشاركة.
ولعل ماجرى بفاجعة كربلاء التي وقعت سنة 61 هجرية من اكبر المؤثرات التي خزنت في عقول وضمائر المسلمين وعلى وجه الخصوص اهل العراق بكون ارضهم التي جرت عليها احداث الواقعة هي التي تحتوي اجساد الامام الحسين بن علي وال بيته وصحبه عليهم السلام، ولذلك اصبح العراق الشاهد الدائم على ما جرى في تلك التراجيدية الانسانية، ولذلك جاء التاكيد على بعض احداثها الانسانية لتصنع منها طقوسا شعبية تصب في خانة تعظيم الحدث والمشاركة الوجدانية الصادقة مع الامام الحسين في مصيبته الكبرى.
ومن هذه الاحداث المؤثرة التي اصبحت جزءا من الموروث الشعبي او الطقس الديني الذي يسترجعه اهل العراق هي حادثة مقتل (_القاسم بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام) والذي يحتفي به المسلمون الشيعة في اليوم الثامن من محرم الحرام سنويا، والقاسم بن الحسن كما تؤكد السير التاريخية (هو غلام لم يبلغ الحلم) وهو أمانة الحسن عند اخيه الحسين، وقد تبلورت فكرة (عرس القاسم) لدى محبيه وجدانيا من خلال طقس فلكلوري تبلور على انه شاب في مقتبل العمر بالاضافة الى جمال وجهه المحمدي الذي يوصف (كأن وجهه شقة قمر)، وعلى اساس هاتين الصفتين جعلت من القاسم المناصر لعمه الحسين عليه السلام يسمى (بالعريس) كما ينفرد ابن عمه علي الاكبر بصفة (الشباب) ولهذا يردد محبوه في يوم مقتله _ (حق الشباب عله الشباب).
ان الطقوس الخاصة باستشهاد القاسم يعبر عنها دراميا بقدوم شاب جميل يرتدي الملابس البيضاء يعتلي ظهر جواد، يحاط به مجموعة من الفرسان الذين يرومون زفافه الى حيث تتواجد عروسه المفترضة والتي تقيم لها النساء طقسا خاصا في اغلب البيوت التي يقمن فيها تجمعا وهن يجلسن حول (عروس القاسم) والتي تجسدها شابة يشترط ان تكون غير متزوجة مغطاة بالملابس البيضاء دلالة الطهر والنقاء خافية الوجه لكي لاتعرف من قبل الاخريات المشاركات عدا راعية الطقس الديني (ام القراية)، وتزف مصحوبة بضياء الشموع ورائحة البخور الموضوعة في الصينية التي تحتوي بالاضافة لذلك التمر والحلوى والحناء والسكر واللبن واغصان الأس والتي ترمز بمجموعها الى حلاوة وخصوبة واستمرارية الحياة المستقبلية ويطلق عليها (صينية القاسم) وهي التي من خلالها تطلب النساء من الله تحقيق الرغبات والامنيات، وغالبا مايكون الزواج للشابات وحفظ الاولاد والاخوة والازواج بالنسبة للاخريات، وذروة المشهد الطقسي يتمثل بوصول خبر استشهاد العريس على ارض المعركة مما يجعل النساء يسرعن برمي العباءة السوداء على رأس العروس كدلالة للحزن فيتحول طقس العرس الى مأتم تتحرك به اجساد النساء بحركات تعبيرية ايقاعية مع مصاحبتهن لقائدة الطقس الانشادي المؤدية للديالوج بنغم حزين والتي يطلق عليها تسمية (الملاية) وهن يرددن وراءها اللحن المتناغم والمعروف لدى المشاركات: أوه يقاسم يبني:
زفيتلك بت عمك حلت شعرها يمك
اوه يقاسم يبني ديوان عرسك مبني
مبني ابجص ونوره جت العروسه اتزوره اوه يقاسم يبني صعدنا جبال وجبال وجبنه دم الاطفال اوه يقاسم يبني صرفنه فلوس وفلوس وجبنه دمه بالطوس
ومع هذا التنغيم اللحني تنثر المشاركات شعورهن في الفضاء المفتوح بحركات شبه دائرية للرأس مصحوبا بحركات جسدية مع الضرب بالاكف على الوجوه والاكتاف الذي يشكل ايقاعا متناغما لاداء اللحن، وتضيف رائحة البخور والاجساد وانعكاس لمعان الدموع بتأثير ضوء الشموع المشتعلة جوا قدسيا على الاجساد التي تتحرك بايقاع منتظم لتعلن طقسا دينيا متوهجا في حب الامام الحسين، ان هذا التوحد الانثوي الوجداني لايظهر بغير هذه المناسبة التي تسقط فيها كل الفوارق الطبقية والاجتماعية والعمرية فيما بين المشاركات اللواتي ينتمين الى اديان ومذاهب مختلفة على اساس فهم ان العامل المشترك لحادثة القاسم هو العزاء المشترك لعروسته، فجميعهن يسعين الى الخلاص من خلال مؤاساة هذه العروس المظلومة والتي تتكرم عليهن بان يقاسمنها ماحوت صينية القاسم، لكي تأخذ كل واحدة العهد على نفسها ان تجلب (صينية القاسم) في العام القادم كنذر ان ابتسم الحظ وانفتحت ابواب الخير والسعادة بوجهها، ويسود الاعتقاد لديهن بأنه سيتم زواج من نذرت نفسها وجسدت دور عروسة القاسم بعد برهة من الزمن كتعويض الهي بما قدمته لحفيد ابنة رسول الله.
ان مايميز هذا الطقس الشعبي النسائي هو التعبير عن حالتين متضادتين بحالة جديدة مقبولة دينيا واجتماعيا، هي حالة الانتقال الروحي والجسدي من الفرح المطلق كحالة اقتران الى مابعد الاستشهاد، واعتبار معنى الشهادة هي من قيم السماء العليا التي يمكن التعبير عنها بشكل مغاير عن حالة الموت العادي، وعلى هذا الاساس تحتوي (صينية القاسم) كل مايرمز للحياة السرمدية بالاضافة الى ما تمارسه المشاركات من طقس هو التعبير عن المشاركة الوجدانية بشكل تراجيدي رمزي يعني بان الطريق الذي سلكه القاسم عليه السلام هو عنوان الحياة الحقيقية والموقف الصادق يستحق التعبير عنه من خلال الاحتفال الخاص بعرس حزين.
ولعل ماجرى بفاجعة كربلاء التي وقعت سنة 61 هجرية من اكبر المؤثرات التي خزنت في عقول وضمائر المسلمين وعلى وجه الخصوص اهل العراق بكون ارضهم التي جرت عليها احداث الواقعة هي التي تحتوي اجساد الامام الحسين بن علي وال بيته وصحبه عليهم السلام، ولذلك اصبح العراق الشاهد الدائم على ما جرى في تلك التراجيدية الانسانية، ولذلك جاء التاكيد على بعض احداثها الانسانية لتصنع منها طقوسا شعبية تصب في خانة تعظيم الحدث والمشاركة الوجدانية الصادقة مع الامام الحسين في مصيبته الكبرى.
ومن هذه الاحداث المؤثرة التي اصبحت جزءا من الموروث الشعبي او الطقس الديني الذي يسترجعه اهل العراق هي حادثة مقتل (_القاسم بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام) والذي يحتفي به المسلمون الشيعة في اليوم الثامن من محرم الحرام سنويا، والقاسم بن الحسن كما تؤكد السير التاريخية (هو غلام لم يبلغ الحلم) وهو أمانة الحسن عند اخيه الحسين، وقد تبلورت فكرة (عرس القاسم) لدى محبيه وجدانيا من خلال طقس فلكلوري تبلور على انه شاب في مقتبل العمر بالاضافة الى جمال وجهه المحمدي الذي يوصف (كأن وجهه شقة قمر)، وعلى اساس هاتين الصفتين جعلت من القاسم المناصر لعمه الحسين عليه السلام يسمى (بالعريس) كما ينفرد ابن عمه علي الاكبر بصفة (الشباب) ولهذا يردد محبوه في يوم مقتله _ (حق الشباب عله الشباب).
ان الطقوس الخاصة باستشهاد القاسم يعبر عنها دراميا بقدوم شاب جميل يرتدي الملابس البيضاء يعتلي ظهر جواد، يحاط به مجموعة من الفرسان الذين يرومون زفافه الى حيث تتواجد عروسه المفترضة والتي تقيم لها النساء طقسا خاصا في اغلب البيوت التي يقمن فيها تجمعا وهن يجلسن حول (عروس القاسم) والتي تجسدها شابة يشترط ان تكون غير متزوجة مغطاة بالملابس البيضاء دلالة الطهر والنقاء خافية الوجه لكي لاتعرف من قبل الاخريات المشاركات عدا راعية الطقس الديني (ام القراية)، وتزف مصحوبة بضياء الشموع ورائحة البخور الموضوعة في الصينية التي تحتوي بالاضافة لذلك التمر والحلوى والحناء والسكر واللبن واغصان الأس والتي ترمز بمجموعها الى حلاوة وخصوبة واستمرارية الحياة المستقبلية ويطلق عليها (صينية القاسم) وهي التي من خلالها تطلب النساء من الله تحقيق الرغبات والامنيات، وغالبا مايكون الزواج للشابات وحفظ الاولاد والاخوة والازواج بالنسبة للاخريات، وذروة المشهد الطقسي يتمثل بوصول خبر استشهاد العريس على ارض المعركة مما يجعل النساء يسرعن برمي العباءة السوداء على رأس العروس كدلالة للحزن فيتحول طقس العرس الى مأتم تتحرك به اجساد النساء بحركات تعبيرية ايقاعية مع مصاحبتهن لقائدة الطقس الانشادي المؤدية للديالوج بنغم حزين والتي يطلق عليها تسمية (الملاية) وهن يرددن وراءها اللحن المتناغم والمعروف لدى المشاركات: أوه يقاسم يبني:
زفيتلك بت عمك حلت شعرها يمك
اوه يقاسم يبني ديوان عرسك مبني
مبني ابجص ونوره جت العروسه اتزوره اوه يقاسم يبني صعدنا جبال وجبال وجبنه دم الاطفال اوه يقاسم يبني صرفنه فلوس وفلوس وجبنه دمه بالطوس
ومع هذا التنغيم اللحني تنثر المشاركات شعورهن في الفضاء المفتوح بحركات شبه دائرية للرأس مصحوبا بحركات جسدية مع الضرب بالاكف على الوجوه والاكتاف الذي يشكل ايقاعا متناغما لاداء اللحن، وتضيف رائحة البخور والاجساد وانعكاس لمعان الدموع بتأثير ضوء الشموع المشتعلة جوا قدسيا على الاجساد التي تتحرك بايقاع منتظم لتعلن طقسا دينيا متوهجا في حب الامام الحسين، ان هذا التوحد الانثوي الوجداني لايظهر بغير هذه المناسبة التي تسقط فيها كل الفوارق الطبقية والاجتماعية والعمرية فيما بين المشاركات اللواتي ينتمين الى اديان ومذاهب مختلفة على اساس فهم ان العامل المشترك لحادثة القاسم هو العزاء المشترك لعروسته، فجميعهن يسعين الى الخلاص من خلال مؤاساة هذه العروس المظلومة والتي تتكرم عليهن بان يقاسمنها ماحوت صينية القاسم، لكي تأخذ كل واحدة العهد على نفسها ان تجلب (صينية القاسم) في العام القادم كنذر ان ابتسم الحظ وانفتحت ابواب الخير والسعادة بوجهها، ويسود الاعتقاد لديهن بأنه سيتم زواج من نذرت نفسها وجسدت دور عروسة القاسم بعد برهة من الزمن كتعويض الهي بما قدمته لحفيد ابنة رسول الله.
ان مايميز هذا الطقس الشعبي النسائي هو التعبير عن حالتين متضادتين بحالة جديدة مقبولة دينيا واجتماعيا، هي حالة الانتقال الروحي والجسدي من الفرح المطلق كحالة اقتران الى مابعد الاستشهاد، واعتبار معنى الشهادة هي من قيم السماء العليا التي يمكن التعبير عنها بشكل مغاير عن حالة الموت العادي، وعلى هذا الاساس تحتوي (صينية القاسم) كل مايرمز للحياة السرمدية بالاضافة الى ما تمارسه المشاركات من طقس هو التعبير عن المشاركة الوجدانية بشكل تراجيدي رمزي يعني بان الطريق الذي سلكه القاسم عليه السلام هو عنوان الحياة الحقيقية والموقف الصادق يستحق التعبير عنه من خلال الاحتفال الخاص بعرس حزين.