المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكتبة اطياف عراقية


هــــــــــادي
06-06-2008, 02:15 AM
بسمه تعالى


من أجل مكتبه مختصه بالاعمال الادبيه التي تنمي مواهب الاعضاء
والزوار ومن اجل ايصال الكتاب الجيد ذو الاهميه والقيمه الادبيه
اضع بين يديكم هذا العمل البسيط متمنيا ان يكون فيه فائده للجميع
وارجو ممن لديهم الامكانيه بالمشاركه أن لايبخلو علينا بجديد الكتب
كي نجعلها عامره بشتى انواع الكتب ولجميع الاذواق وبما يتناسب
مع اخلاقيات الاديب العراقي وانتمائه للعراق

سيتم ترتيب الكتاب حسب صفاحته الاصليه قدر الامكان ليقرأ
على صفحات الاطياف الكتاب الاول عن سيد الكائنات حبيبنا
وحبيب رب العالمين محمدا الصادق الامين بقلم كمال الســــيد


هادي

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:16 AM
الرواية الأولى اسمه أحمد





كمال السيد



في وادٍ ضيّق طويل وعلى مقربة من بئر زمزم، نشأت مكّة قريةً صغيرة لتصبح بعد عقود من السنين « أمّ القرى ». ولقد ظلت مكّة بعيدة عن عبث الفاتحين، قروناً مديدة تتألّق مجداً بين مدن الحجاز وقُراه، ففي أرضها: البيت العتيق.. البيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل.
حتّى إذا أطلّ عام 570 من الميلاد، فكّر الأحباش ـ الذين احتلّوا اليمن في القرن السادس الميلادي ـ في السيطرة على الطريق البرّي للتجارة، دعماً لموقف حلفائهم الرومان، فيما اتّجه الفُرس إلى تحريض يهود اليمن والنصارى المعارضين، وتعزيز وجوداتهم، واستيقظ الحجاز على دويّ الصراع بين الامبراطوريتين.
وهكذا وجدت مكّة نفسها في مهبّ الإعصار القادم من اليمن، فقد زحفت جيوش الأحباش يتقدمها فيل مدرّب من أجل تدمير بيت الله؛ بعد أن عجز « القليس » عن اجتذاب أنظار العرب، فظلّت قوافلهم تهوي في بطون الأودية في مواسم الحج.
كان عبدالمطّلب قد تخطّى السبعين آنذاك؛ شيخ وضيء القسمات في عينيه انعكاسات من بريق النبوّات الغابرة، مذ وطئت قدم إبراهيم الخليل ترابَ « وادٍ غيرِ ذي زرع ».
واعتصم المكيّون ـ الذين تهيّبوا ضخامة الغزو ـ برؤوس الجبال ينظرون من بعيد إلى الكعبة مهوى الأفئدة، ويردّدون كلمات قالها عبدالمطّلب.
ـ للبيت ربٌّ يَحميه.
وقف أبرهة قبالة الكعبة ينظر باستعلاء إلى جنوده وهم يتقدّمون لتدمير الكعبة وسحقِ كرامة الإنسان العربي الذي ظلّ محافظاً على ولائه لإبراهيم. وفي تلك اللحظات المثيرة ظهرت في الأفق سحابة دَكناء سُرعانَ ما أسفرت عن أسراب كثيفة من طيور « أبابِيل » تحمل بمناقيرها حجارةً من سِجّيل.
وقد يتصوّر المرء مدى الدهشة والرعب الذي غمر الجنود، وهم يتعرّضون لقصف جهنميّ رهيب، أحال قوّتهم إلى ضعف، ومرّغ كبرياءهم بالوحل.
ورأى أبرهة غضب السماء يبدّد أحلامه في قلب الحجاز، فامتلأت نفسه رعباً، كان يتفادى الحجارة المشتعلة دون جدوى، وولّى الجيش مذعوراً لا يلوي على شيء.
وشهدت مكّة والطريق المؤدية إلى اليمن تساقطَ جثث الأحباش كعصفٍ مأكول، ومات أبرهة على بوّابة صنعاء.
وفي ذلك العام ذاعت شهرة عبدالمطّلب حفيد إبراهيم وراعي البيت العتيق.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:17 AM
وقد ولد الربيع

ورأى عبدالمطّلب أن يزوّج ابنه عبدالله آخر الأبناء بعد أن بلغ من العمر أربعة وعشرين عاماً.
واقترن الشاب الذي افتداه أبوه من الإبل بفتاة اسمها « آمنة » كريمة المَحتِد، فأبوها سيّد بني زهرة.
وأقام العَروسان عند أهل العروس استجابةً لعادة عربيّة حينما يتمّ الزواج في بيت العروس.
ولمّا مضت ثلاثة أيام انتقلت الأسرة الصغيرة إلى منازل بني عبدالمطّلب.
وعندما انتهت الاستعدادات في رحلة قريش في الصيف غادر عبدالله مكّة نحو الشام، إلى مدينة غزّة.
وقد استغرقت الرحلة شهوراً ليعود بعدها إلى أرض الحجاز. ويشاء القدر أن يتوقّف عند أخواله في مدينة يثرب، ولم يكن يدري أن هذه المحطّة ستغدو مثواه الأخير.
وفُجِعت العروس بوفاة زوجها وكانت حاملاً، كما فُجع أبوه عبدالمطّلب ومكّة كلها بهذا النبأ.
وتأثر عبدالمطّلب لرحيل ابنه السريع، وهو الذي افتداه فداء لم تسمع به العرب من قبل.
لم يترك عبدالله سوى خمسة من الإبل وقطيعاً صغيراً من الغنم وجارية هي أمّ أيمَن.
وتمرّ الشهور وتحين ساعة المخاص ليولد حفيد عبدالمطّلب؛ كان سيّد مكّة في رحاب الكعبة عندما بُشِّر بميلاد الحفيد. وفي تلك اللحظة تفجرت ينابيع الحبّ في قلب الجدّ.
احتضن الشيخ حفيده وهتف:
ـ سمّيتُه محمداً.
وانتقل الاسم العجيب في منازل مكّة، اسم جميل حلو، يشبه نغمة حالمة.. كيف ومض هذا الاسم في ذهن سيّد مكّة، ويتساءل بعضهم:
ـ وأسماء الآباء.. والأجداد.. لماذا محمّد ؟!
تمتم الشيخ:
ـ ليكون محموداً في السماء وفي الأرض.
وهكذا اقترن ميلاد محمّد بعام الفيل.. لقد هُزمت عاصفة الشتاء ووُلد الربيع في موسم الربيع

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:17 AM
كان للبيئة تأثيرها في طبيعة الإنسان، فلقد أكسبت بيئة الحجاز، بتضاريسها ومناخها، وبمعالمها الجغرافية الإنسانَ العربي صفات عديدة.
فهو خفيف في وزنه، نحيف في بدنه، صبور في مواجهة المشاقّ قنوع في طعامه، في فكره سرعة وبديهة، وفطنة وذكاء وخيال مشتعل، وكبرياء وعزّة تتألق في عينيه السوداوَين، وشاعريّة مُرهفة، جعلته شغوفاً بالحِكمة والأمثال، ولم تكن الكاميرا ـ التي ظهرت قبل أقل من قرنين ـ موجودة آنذاك لتنقل لنا صورة عن هذا الإنسان العظيم.
ولكن التاريخ الذي استيقظ مأخوذاً في سنة 610 م قدّم لنا ملامح عن محمّد وقد بلغ الذروة في نموّه الجسدي والفكري.
لم يكن فاحش الطول، كان رَبعة وقد « جُعل الخير كلّه في الربعة » أمّا بَشَرته فكان أزهَرَ لونُها، أي بيضاء ناصعة، لا تشوبها صُفرة ولا حمرة.
رَجِلُ الشَّعر لا مسترسل ولا جَعد، يشبه تموّجات الصحراء، وكان يبلغ شحمةَ أُذنيه، وقد بدت سوالفه متلألئة.
واسع الجبين، بين حاجبَيه فاصل لطيف، وعيناه نجلاوان، فإذا ابتسم أفترّ عن لآلئ منضودة.
فإذا مشى بدا كزورق ينساب في بحيرة هادئة، وكان يقول:
ـ أنا اشبه الناس بآدم، وكان أبي إبراهيم أشبه الناس بي.




الصبي العظيم

نشأ محمّد صلّى الله عليه وآله في أحضان جدّه عبدالمطلب، فكان شغله الشاغل، لكأنّ الصبي ورث الحب العظيم عن أبيه الراحل.
ورأى سيّد مكّة أن ينشأ حفيده في الصحراء والبوادي، ولقد كانت نساء البادية يقصدن أمّ القرى في السنوات العجاف يرضعن أولاد الأشراف لِقاء أجر معيّن.
وكانت المرضعات يقصدن البيوت الثريّة طمعاً في العطاء، فكان اليتيم آخر ما يفكرن فيه.
وجاءت حليمة تبحث عن وليد، فإذا هي ترى محمداً، ولعلّها إرادة السماء أن يتفجّر نبع الحب في قلب « السعديّة » لتحتضن الوليد اليتيم، وتنطلق به إلى البادية.
ومرّ عامان تدفّق فيهما الخير في تلك البقعة من دُنيا الله، فإذا ذلك الصبي يُمن وبَرَكة.
وتشعر حليمة بالحزن، فلقد آن للصبيّ أن يعود إلى أمّه، وما يزال ينبوع الحب يتدفّق في قلبها.
وصادف أن اجتاح الوباء مكّة، فخشي عبدالمطّلب على حفيده عاصفات الدهر، واستجابت آمنة لرغبة الجدّ، وهي ترى عينَي حليمة تبرقان فرحةً بمحمّد.
ويعود الصبيّ إلى البادية تملأ عينيه الصحارى، وتبهره سماؤها الزاخرة بالنجوم.
وتشعر حليمة بأنّ الصبي قد أضحى جزءاً من كيانها، حتّى جعلها تخشى عليه عوادي الزمن.
ويسأل الصبي أمّه بنت الصحراء عن إخوته في الرضاعة:
أين الشيماء وأنيسة، وعبدالله ؟
فتقول له:
ـ فدتك روحي، إنّهم يرعون غنمنا.
وعندما رأى في قلبه رغبة أن يذهب معهم، فينطلق في الصحراء مع إخوته؛ رجّلت شعره وألبسته ثوباً جديداً، ولم تنس أن تضع في جيده قلادة.
وتساءل الصبي عن سرّ القلادة، فقالت:
ـ إنّها تحميك من الشرور.
ويخلع محمّد القلادة قائلاً:
ـ هناك يا أمي مَن يرعاني ويحميني من الشرور.
وارتسمت علامة استفهام في عينَي مَن وهبته الدفء واللبن، فيقول:
ـ الذي خلقني يحميني ويرعاني.
وتقف الأمّ مشدوهة أمام حِكمة هذا الصبيّ المكّيّ.
وينطلق محمّد يملأ رئتَيه بنسمات الصحارى مسروراً بأخيه وأختَيه، في صحراء لا تكاد تنتهي.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:18 AM
وترحل الأمّ

إنّ القدر لا يكفّ عن رمي السهام، ولقد شاء أن يختطف هذه المرّة آمنة كما فعل ذلك بعبدالله؛ فلم يكد الصبي يبلغ من عمره ست سنين حتّى وجد أمّه في « الأبواء » تنطفئ كما تنطفئ الشموع وهي لم تكد تبلغ الثلاثين بعد.
ويرى سيّد مكّة حفيده وحيداً قد فقد حنان الاُمومة كما فقد حنان الاُبوة من قبل، فيتضاعف حبّه له حتّى ليكاد يملأ كلّ كيانه.
ومرّ عامان آخران عاش خلالهما الصبيّ في ظلالٍ وارِفة يغمره الحب وترعاه كفّ بيضاء نديّة، ولقد كان سيّد مكّة وراعي بيت إبراهيم يرى في حفيده مجداً وأيّ مجد، فطالما أصغى إلى بشارات الرُّهبان وكهنة ذلك الزمان بأنّ نبيّاً قد أطلّ زمانُه، فينظر إلى محمّد، فإذا هو الروح التي تنطوي في أهابها جذوةُ النبوّات.
وعندما بلغ محمّد الثامنة أغمض عبدالمطلب عينيه بعد أن اطمأن إلى مصير حفيده العظيم، وكانت آخر كلماته وهو يُوصي قبيلته قائلاً: لقد خلّفتُ لكم الشرف العظيم.
انتخب سيّد مكّة من بين أبنائه أبا طالب، وكان شقيق عبدالله، ولقد كان عبدمناف يحبّ أخاه الذي سافر إلى الشام ولم يَعُد، فانتقل حبّه إلى ذكراه الخالدة منه: ذلك الصبي الدافئ الذي تعلّم من قسوة الزمان الصمت والصبر والتأمّل، كما تعلّم منه الأدب.
فإذا الحكمة تشعّ من عينَيه، والجمال الحقيقي يتألّق في جبينه.



شيخ البطحاء

وبالرغم من أنّ الثراء يصنع بسحره الزعامات، في ذلك الزمان وربّما في كلُّ زمان ومكان، إلاّ أنّ أبا طالب كان استثناءً لقاعدة اعتادها الناس.
فلقد ورث أبو طالب زعامة مكّة بمجده الأخلاقيّ وبروحه الكبيرة، حتّى قال مؤسس البلاغة في دنيا العرب: « إنّ أبي ساد الناس فقيراً، وما ساد فقيرٌ قبله ».

في كَنَف فاطمة

وفي منزل أبي طالب يجد الصبيّ اليتيم نبعاً يتدفّق حناناً ومحبّة، فلقد وجد فاطمة بنت أسد أُمّاً تمكنت أن تُبدّد في قلب الصبيّ كلّ مشاعر اليُتْم، فإذا به في منزل جعلت منه فاطمة عشّاً دافئاً في زمن الزمهرير.
ولقد بلغ من رعايتها له أن كانت تحرم أولادها من القُوت في أيّام القحط وتُطعمه.
وبلغ من تقديره لها وحبّه ايّاها أنّها لما ماتت، انفجر باكياً وهو يتمتم:
ـ اليوم ماتت أُمّي.
ثمّ كفّنها بقميصه ونزل في قبرها واضطجع فيه، حتّى إذا رأى الدهشة ترتسم على وجوه أصحابه، قال:
ـ كانت أُمّي؛ تُجيع أولادَها وتُطعمني، وتُشعثهم وتدهنني، وما أحسستُ باليُتم منذ لجأتُ إليها.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:19 AM
يومَ اتّصلت السماء بالأرض

هل كان الجوّ صحواً، فالشمس تغمر الأشياء بالدفء والنور ؟ هل كان غائماً فبدت السُّحُب في زُرقة السماء سُفُناً مُبحِرة ؟ أم تراكمت فيها جبال، وبحيرات وتِلال وخلجان؟
هل اشتعلت البُروق، ودوّت الرعود ذلك اليوم، هل كان محمّد في أحضان الغار أم على سفح الجبل بين صخور حراء ؟!
لا يعلم المرء، ما حصل في تلك اللحظات المثيرة.. يوم هبط الملاك يحمل كلمات السماء.
ربّما تكهرب الفضاء غُلالة شفّافة من نور عجيب تغمر المكان.
نور لا ينتمي إلى ضوء الشمس، نور يشبه ما يسطع في النفوس ويُضيء القلوب.
غمر الصمتُ الأشياء.. تلاشت الأصوات.. انسحبت الأشياء إلى مَكنوناتها، ولم يعد محمّد يسمع شيئاً.. سوى كلمات.. كلمات مزلزلة تنفذ في أعماقه.. نفوذَ الشعاع في البحيرة الرائقة:

صوت سماويّ يكاد يستوعب الدنيا بأسرها...
ـ يا محمّد! أنت رسولُ الله وأنا جبريل.
أمر عجيب! ماذا حدث ؟ ما هذا الدويّ الذي تردّده الكائنات ؟
لكأنّ صوت المَلاك قد فجّر في مكنونها الأسرار كما تنفجر الصخور عن ينابيع الحياة في لحظة تماسٍّ مع عالم بعيد... عالم لا ينتمي إلى الطبيعة في تكوينه وعناصره.
الأشواك وذرّات الرمال، والشجيرات المتناثرة هنا وهناك، والصخور التي تبدو صمّاء تردّد بصوت له دويّ:
ـ يا محمّد! أنت رسول الله.
مرّت لحظات مشحونة بروح سماويّة.. سمع فيها آخرُ الأنبياء في التاريخ حديثَ الكائنات.. إنّها لحظات الولوج في عالم الملكوت.
انطوت اللحظات لتعود الأشياء إلى سابق عهدها منذ آلاف السنين، وانطوت لحظة الاتّصال بين رسولٍ مَلاك وإنسان... رسول السماء، ورسول الأرض.
انحسرت تلك الشحنات التي غمرت المكان في لحظة اتّصال لايُطيقها إلاّ قلب نبيّ.
لم يبقَ في كيان محمّد سوى كلمات لا تنتمي إلى ابداع بشريّ، كلمات قادمة من وراء الأفلاك... كلمات يلتهب لها الجسد الآدمي.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:19 AM
العودة

ويعود محمّد إلى مكّة، ينوء بحمل الرسالات جسده الملتهب ينتفض، حتّى إذا التقى خديجة هتف:
ـ زَمِّلُوني... زَمِّلوني..
ورأت خديجة جبينَ زوجها العائد من الجبل مُضيئاً قد التمعت فيه حبّات العرق كقطرات الندى، مبهوراً بلحظة الاتّصال.. الاتّصال بين عالمَين.. عالم الطبيعة، وعالم ما وراء المحسوسات.. أو الشهادة والغيب.
قالت خديجة مأخوذةً بما سَمِعتْ:
ـ أبشِر يابنَ العمّ.. إنّي أرجو أن تكون نبياً.
وأوى محمّد إلى فراش دافئ، فيما انطلقت خديجة التي هزّتها المفاجأة إلى « وَرَقَة بن نوفل »(8).
هتف « ورقة »:
ـ قُدّوس قُدّوس.. لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذي جاء موسى بنَ عِمران.


الإيمان

آمنت خديجة، فكانت أوّل أمرأة تعتنق رسالة السماء، لقد عاشت خديجة مع زوجها خمس عشرة سنة، عرفت روحه العظيمة التي تكاد تسع الدنيا، وعرفتْ أخلاقه الكريمة التي تسمو به على عالم الملائكة؛ لهذا آمنت به وشهدت أنّه رسول من الله إلى الناس كافّة.
إنّ للمرأة في قلب زوجها مكاناً، جزءاً من الروح لا يعرف الانفصال. مِن أجل هذا كانت أوّل انسان يبشّره الرسول بنبأ السماء.
وجاء عليّ، ذلك الفتى الذي لا يعرف في الدنيا سوى ابن عمّه محمّد.
ومحمّد لم يكن لعليّ ابن عمّ ولا حتّى أخ فحَسْب، بل كان له أباً ومعلّماً، أرأيتَ كيف يتّبع الفصيلُ اُمَّه، يشعر بالذُّعر إذا لم يكن قُربها، كذاك عليّ كان يتبع مُعلّمه في الحياة.
طالما انطلق معه إلى حراء في السنين الخوالي، يتعلّم من حركاته وسَكَناته ومن مَنطِقه وصمته دروساً وأيَّ دروس!
يقول مؤسس البلاغة في دنيا العرب:
« ولقد كنتُ أتّبعه اتّباعَ الفَصيل أَثَرَ أُمّه، يَرفَعُ لي في كلّ يومٍ من أخلاقه عَلَماً ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يُجاور في كلّ سَنة بحِراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غيرَ رسول الله وخديجةَ وأنا ثالثُهما، أرى نورَ الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النُّبوّة. ولقد سمعت رَنّة الشيطان حين نزل الوحيُ عليه صلّى الله عليه وآله، فقلتُ: يا رسول الله، ما هذه الرَّنّة ؟ فقال: هذا الشيطان قد أيسَ من عبادته، إنّك تسمعُ ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لستَ بنبيّ ».
وقد قُدِّر لهذا الفتى أن يُواكب من تاريخ الإسلام أكثرَ الفصول إثارةً. حتّى أصبحَ رَمزاً من رُموزه الخالدة.
وتمرّ سبع سنين ليس على وجه الأرض سوى ثلاثة نفر يعبدون الله على دين الإسلام، دين إبراهيم

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:20 AM
فأس إبراهيم

إنّ للكلمة أحياناً فِعل الخوارق، مثلما تنفجر الصخور عن ينابيع الحياة، مثلما تنفجر الأرضُ الهامدة عن براكين غضب؛ يكون للكلمة شأن؛ ربّما تكون سيفاً بتّاراً، نهراً دفّاقاً، أجراساً ونواقيس، فأساً تحطّم وجوه الآلهة المزّيفة.
وهكذا قال محمّد صلّى الله عليه وآله: لا إله إلا الله.
وانخلعت قلوبُ الذين كَفروا، فمئات الآلهة في خطر، لقد جاء محمّد بدِين جديد.. إنّه يُسفِّه الآباء والأجداد.
إنّه خطر على آلهة قريش، وآلهة قريش عِبادة وتِجارة. وكان على أبي جهل، وأبي سفيان، وأُميّة بن خلف أن يتحرّكوا ما دامت مئات الآلهة المُحدِقة بالكعبة جامدةً لا تتحرك، لا تكفّ عن النظر ببَلاهةٍ إلى ما حولها ومَن حولها.



الشمس والقمر

كانت الشمس تتألقّ في الاُفق تغمر الكعبة بالنور، وقافلة قادمة من أرض اليمن تنحدر من التلال القريبة، وعَبيد منهمكون بإنجاز أعمال لأسيادهم؛ لهم بَشَرات مختلفة؛ هذا إفريقيّ وجهه يشبه لؤلؤة سوداء، وذاك قادم من أرض الروم، وذلك عربيّ الملامح.
لقد وُلدوا أحراراً ثمّ عصف بهم القَدَر.
كلّ شيءٍ بدا جامداً في مكانه جُمودَ الآلهة المحيطة بالكعبة، كلّ شيء كان ساكناً سكونَ المياه الآسنة في المستنقعات.
شيء واحد بدا يتحرّك، تحرّك النسغ في الأشجار يوم يطلّ الربيع.. قطرات مطر تتساقط فوق المياه الراكدة، فتُحيل السُّكونَ إلى دوائر متموّجة.
نسمة هواء تملأ الصدور ببشائر الحرّية.
نهض سادة قُريش وأثرياؤها، نهضوا غاضبين، فمحمد يهدد أمجادهم، آلهتَهم وكلَّ امتيازاتهم بالخطر.
بدا وجه أبي جهل مسودّاً من الحقد، والقلق يغمر وجه أبي سفيان، عندما دخل وفد قريش منزل أبي طالب.
كان المنزل على بساطته يمثّل قلعة المقاومة التي لجأ إليها محمّد صلّى الله عليه وآله.
العيون تُبرق حقداً ، وقد أحدق الرجال بأبي طالب؛ هَيْمَن صمتٌ مهيب. كان أبو طالب ينظر إليهم بودّ، ليدمّر عاصفة الحقد.
قال أبو جهل:
ـ لن نصبر على شتم آبائنا وعيب آلهتنا، فقل لابن أخيك لِيَكُفّ عنّا أو ننازله وايّاك حتّى يهلك أحد الفريقَين.
كان الوضع متأزّماً يُنذر بوقوع حرب أهلية لا تُبقي ولا تَذَر، وسوف تشتعل الحرائق، وتتحول الكعبة، إلى مسرح رهيب للقتال.
هكذا فكّر أبو طالب، فأراد أن يخفّف من توتّر الوضع.
دخل على النبيّ وقال:
ـ يابن أخي! أبقِ علَيّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أُطيق..
امتلأت عينا الرسول بالدُّموع.. سوف يُغادر هذه القلعة ليُقاتل وحدَه الذين كفروا، إنّهم لا ايمان لهم.
بكى من أجل عمّه، لقد شاء الله أن يحارب هذا الرجلُ في شيخوخته.. أن يُدافع عن رسالة السماء.. أن يقف بوجه شياطين الأرض:
قال رسول السماء:
ـ يا عمّاه! واللهِ لو وَضَعوا الشمسَ في يَميني، والقَمَرَ في شمالي على أن أتركَ هذا الأمر ما تركتُه أو أَهلِك دونه.
نهض النبيّ ليُغادر قلعةً عتيدة بدّدت عنه مشاعر اليُتم يومَ كان صغيراً، ومنحته السلام في زمن الخوف.
هتف الشيخ بابن أخيه:
ـ أُدنُ مني.
وطبع أبو طالب قُبلة دافئة على جبينٍ أزهر أضاءته السماء، وقال:
ـ اذهبْ يا بنَ أخي وقُل ما تشاء.. والله لا أُسْلِمُك لشيء أبداً..
ما تزال راية المقاومة تخفق فوق القلعة، وما يزال شيخ البطحاء قويّاً مهاباً لن يُزلزله عن موقفه أحد

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:20 AM
في رحاب البيت العتيق

الكعبة تنشر ظلالها الوارفة في المكان وقد بدت ذُرى التلال تتوقّد حُمرة في شمس الصباح، كان رسول الله جالساً وحدَه غارقاً في تأمّلاته، يفكّر، قد صنع من الصمت محراباً له يقيه شُرور العالم.
وكانت ثُلّة من زعامات قريش جالسين؛ يتصفحون وجوه الآلهة، التي بدت ذلك الصباح كائناتٍ خرافيّة تُحدّق ببلاهة.
قال عُتبة بن ربيعة وقد رأى محمّداً وحده:
ـ يا معشر قريش! ألا أقوم لمحمّد وأعرض عليه أموراً لعلّه يقبل بعضها ويكفّ عنّا.
هزّ الجالسون رؤوسهم بحماس:
ـ نعم يا أبا الوليد.
نهض عتبة وتقدّم نحو رسول السماء، جلس عنده بعد أن حيّاه تحية الصباح، وأقبل عليه يحدّثه بودّ:
ـ يابن أخي، إن كنتَ تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك مِن أموالنا حتّى تكونَ أكثرنا مالاً.
وإن كنتَ تريد شَرَفاً، سوّدناك علينا حتْى لا نقطع أمراً دونك. وإن كنت تريد مُلكاً، ملّكناك علينا.
غادر النبيّ محراب الصمت وقال:
ـ أفرِغتَ يا ابا الوليد ؟
ـ نعم يابن أخي.
ـ إسمع مني:
بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم

ما بال عتبة تغشى عينيه طُيوفٌ تعبر فيها الغيوم ! ما باله يبدو سَكرانَ لكأنّه يطير في عوالم بعيدة ! هل لهذه الكلمات التي تنساب كنهرٍ هادئ كلّ هذا السحر ؟!
الكلمات تتدفّق كنبع يتفجّر بالحياة:

دوّت الصواعق في أُذنَي عتبة، تجسّدت له مشاهد من قبائلَ غابرة عصفت بها الريح من كلّ مكان.


اشتعلت الصواعق، ودوّت الرعود.. وأعقب ذلك يومٌ تُحشر فيه النفوس الآدميّة لترى جزاء أعمالها...
ما يزال عتبة مبهوراً مأخوذاً برَوعة البيان، بانسياب الكلمات، بدويّ المشاهد، انبعث في أعماقه نداء.. إنّه كلمات السماء، كلمات لا يمكن أن تكون من صنع بشر، كلمات رائعة أخّاذة، فيها سحر ورَوعة، فيها حلاوة وطَلاوة.
رسول الله يرسم المشاهد الخلاّبة:

انبثقت جنّة من نخيل وأعناب، وارفة الظلال، فيها ما تشتهي الأنفس وتَلذّد الأعين..

وهوى النبيّ ساجداً لله الذي خلق الشمس والقمر والكواكب والنجوم، ونهض أبو الوليد مسحوراً بالكلمات العجيبة، مأخوذاً بروعة البيان.
تمتم وهو يقصّ على أصحابه:
ـ لقد سمعتُ منه قولاً.. واللهِ ما سمعتُ مِثله قطّ، لم يكن شعراً ولكن فيه حلاوة الشعر، ولم يكن سِحراً ولكن فيه أثر السحر.
سكت قليلاً وأردف:
ـ أطيعوني يا معشر قريش.. خَلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه.. والله لَيكوننّ لقوله نبأ عظيم.







في الجانب الآخر من البحر

استنفدت قريش أساليبها في قهر محمّد صلّى الله عليه وآله، فالكلمات القادمة من وراء الأفلاك تطوف منازل مكّة، وتعبر أبنيتها، تُوقظ النائمين، تدلّهم على الفجر القادم من وراء آلاف الليالي المُترَعة بالظلام الحالك الثقيل.. كلمات لها تألّق الضوء، وشذى البنفسج، ونسمات الربيع.. أيّها النائمون انهضوا.. أيّها المقهورون هَلُمّوا هلمّوا.. إلى عالم الأمل والحرية.
بدت الآلهة حاقدة، ربما كان هُبَل أكثرها حقداً، فهو الذي يحرس قوافل قريش، ويملأ جيوب تجّارها ذهباً وفضة.
صعّد زعماء مكّة حربهم ضد المسلمين، السياط تنهال على الأجساد الآدميّة، والرمضاء تُنضج الجُلود، وما زال تجّار قريش هم أصحاب الأمر والنهي في هذه القرية الظالم أهلها.
اجتمع المسلمون في دار الأرقم، الحزن والعذاب يطلّ من العيون وآهات المُعذَّبين تملأ الفضاء.
قال رسول الله وقلبه يذوب حزناً:
ـ لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإنّ بها ملِكاً لا يُظلَم عنده أحد...
الحبشة أرض صدق... اخرجوا إليها حتّى يجعل الله لكم فَرَجاً ممّا أنتم فيه.
انفتحت كُوّة من ضياء و... نافذة من أمل...
ومع الخيوط الأُولى من فجر أحد أيّام رَجَب، كانت قافلة صغيرة تتسلل بحذر، تودّع مكّة أم القرى وما حولها صوب البحر الأحمر.
وشهدت تلك المسافات بين مكّة وشواطئ البحر قوافل عجيبة.. لا تحمل معها من متاع الدنيا شيئاً، إنّما زادها قلوبٌ مؤمنة وآمال ورديّة في حياة آمنة مطمئنة.
وكانت السفن في ميناء جدّة تحمل المهاجرين إلى أرض طيبة يحكمها نجاشيّ عادل لا يُظلَم في حضرته أحد

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:21 AM
سنوات الرماد

أعلنت قريش حرباً ضروساً.. حرباً لا هَوَادة فيها. فيها أسلحة لا تقلّ فَتْكاً عن السيوف والنِّصال والرماح.. الجوع.. والحصار.
كان أبو جهل متحمّساً لفكرة المقاطعة. إنّها سلاح قريش الذي لا يُقهر. لن يستطيع أبو طالب هذه المرّة الصمود. لن تُجديه المقاومة.
سوف يُسلّم محمّد نفسه ويستسلم، وعندها ستغفو الآلهة قريرةَ العين، وينام تجّار مكّة ناعمي البال.
وشهدت الكعبة مؤتمراً خطيراً تداولت فيه الرؤوس بُنود الحصار الشامل اقتصادياً واجتماعياً.
فلا علاقات مع بني هاشم، لا زواج ولا مُصاهَرة، لا بيع ولا شراء ولا كلّ شكل من أشكال العلاقات الانسانية، والثمن من وراء ذلك كلّه تسليم محمّد أو تكميم فمه.
قاد شيخ البطحاء قبيلته إلى الخيار المرّ.. إلى وادٍ غير ذي زرع.. إلى شِعْب بين الجبال.
وشوهد أبو طالب ذلك اليوم وهو يتفقّد الوادي مع أخيه حمزة لسدّ ثغرات في المكان، فقد يتسلل منها الغادرون لاغتيال محمّد صلّى الله عليه وآله.
لقد أضحى محمّد صلّى الله عليه وآله رمز التحدي.. القلب النابض الذي يخفق بالحياة والأمل. وتمرّ الايّام والشهور...
كان الجوع والحرمان يفعل فعله في الأجساد الآدمية.
كانت تجربة مريرة.. علّمت تلك القبيلة الصغيرة الصلابة والثبات. علّمتهم أشياء كثيرة، تعجز عن استيعابها الشعوب في ظلال الترف وحياة الدَّعة والخُمول.
وتمرّ الايّام والشهور، والوادي مُفعَم بروح الإيمان والصلابة والثبات، حتّى إذا اكتملت أعوام ثلاثة، بعث الله الأُرضة، تلتهم صحيفة الحصار، وتنسف بُنودَها الظالمة بنداً بنداً؛ فلم تترك أثراً إلاّ كلمة واحدة تنطوي في حناياها أسرار الوجود، وتفاصيل الكون: باسمكَ اللّهمّ. تلك الكلمة التي أورثها آدمُ الأجيال جيلاً بعد جيل.
وجاء رسول الله يحمل إلى عمّه البُشرى:
ـ يا عمّ! إنّ الله قد سلّط الأُرضة على صحيفة قريش..
وانطلق أبو طالب يتحدّى قريشاً، فهتف بايمان أثبتَ من الجبال:
ـ يا معشر قريش، إنّ ابن أخي قد أخبرني أنّ أُرضة قد أكلتْ صحيفتَكم، فمحت فيها الظلم وكلمات الغدر..
حتّى إذا دخل الرهط من قريش جَوف الكعبة، اتّسعت عيونهم دهشة؛ لقد قَهَرتْهم حشرة صغيرة.. مرّغت كبرياءهم في الوحل.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:22 AM
العُروج

اشتدّت عذابات الأرض، تكاثفت الظلمات، وبدت النجوم البعيدة قلوباً تنبض على وَهَن، ورسول السماء وحيد في الأرض.. الأرض التي أُريدَ لها أن تتطهّر من أدران الشيطان، فآن لجبريل أن يهبط إلى الأرض، آن للروح المكين أن يغمر بشفّافيته مادّة الطبيعة.. يمسّها ويبثّ فيها روح القدس، كما آن للإنسان أن يعرج.. أن يلج الملكوت؛ من أجل هذا كان محمّد صلّى الله عليه وآله على ميعاد مع جبريل.. ومع البُراق.
وانطلق محمّد صلّى الله عليه وآله في رحلة مُثيرة، رحلة عبر الفضاء والزمن.
عرج رسول الله إلى السماوات يتخطّى مدارات الكواكب وآلاف النجوم.. يخترق جدران الزمن ليرى الآيات..
بدت الأرض صغيرة.. ضئيلة.. زيتونة.. مشحونة الحوادث..
طاف رسول الله عوالم الملكوت في رحلة مثيرة خارج حدود الزَّمَكان.. حتّى إذا عاد إلى كوكب الحوادث الأرض المثقلة بالخطايا، عاد أقوى من كلّ جبابرة الأرض.. عاد قوّياً كالزوبعة.. طاهراً كقطرات الندى.. ثابتاً كالجبال.. عاد إنساناً سماويّاً.. أو كائناً أرضياً مسّته السماء فإذا هو ينبوع نور.






إلى الطائف

وخرج رسول الله مع زيد بن حارثة إلى الطائف.. إلى قرية غير القرية الظالم أهلها..
يالَعذاب الأنبياء.. عشرة أيّام يدور في أحيائها يدعو الناس إلى النور القادم من السماوات... ولكن..
قهقه المَترَفون!
ـ أما وجد الله أحداً يرسله غيرك ؟!
ـ انظروا إلى هذا النبيّ!
قال رسول الله:
ـ اذن اكتُموا عَلَيّ لا تسمع بذلك قريش.
الخفافيش تكره النور.. تحقد على الشمس.. تشعر بالموت إذا أشرق فجر جديد، من أجل هذا حقد سادة الطائف.. أرادوا ان يُطفئوا الشموع.. النجومَ، الشمس والقمر.. أغرَوا سفهاءهم بهذا الرجل المكيّ، فإذا أزقّة الطائف تمطر حجارة رعناء. مضى رسول الله يتفادى الحجارة والسخرية، وكانت تصيبه في قدميه ورأسه.. حتّى وصل جنّة من كُروم وأعناب.
الظلال الوارفة.. والسكينة.. والصمت. دفعت بالرسول المكيّ أن يتفيّأ ظلال كرمةٍ في تلك الجنّة الأرضية.
كان البُستان لرجلَين من مكّة، هما: عُتبة وشَيبة، وكان معهما غلام نصراني اسمه عدّاس.
كانا ينظران إليه... يتأملاّن وربّما يتساءلان: لِم اختار محمّد طريق العذاب كل هذه السنين ؟!
اتّجه رسول السماء إلى السماء وقال بخشوع:
ـ اللهمّ إنّي أشكو إليك ضعفي.. وقلّةَ حيلتي، وهَوَاني على الناس.. يا أرحم الراحمين..
أنت ربُّ المستَضعَفين.. وأنت ربّي.
إلى مَن تَكِلني ؟ إلى بعيد يتجهّمني؛ أم إلى عدوّ ملّكتَه أمري ؟
إن لم يكن بكَ عَلَيّ غضبٌ فلا أُبالي.. ولكن عافيتك أوسعُ لي.
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقَت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة.. من أن تُنزل بي غضبَك، أو يحلّ علَيّ سخطك.
قال أحدهما:
ـ احمل إليه قطفاً من هذا العنب.
حمل النصراني طبقاً من العنب ومضى إلى الرجل الشريد.
مدّ النبيّ يده وقال:
ـ بسم الله..
تساءل عَدّاس بشيء من الدهشة:
ـ إنّ هذا كلام ما يقوله أهل هذه البلدة.
قال رسول الله:
ـ مِن أي بلد أنت ؟
أجاب عداس:
ـ أنا نصراني من اهل « نَينوى »
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ قرية الرجل الصالح يونس بن مَتّى.
تصاعدت دهشة عَدّاس:
ـ وما يدريك ما يونس بن مَتّى ؟!
ـ ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبيّ.
لو قُدّر للمرء أن يحضر ذلك اللقاء في ظلال تلك الكرمة لسمع دويّ الانهيارات في أعماق « عدّاس ». إنّه أمام رجل يتخطّى أعمدة القرون ليلتحم بقافلة الانبياء.. قافلة تسير على اسم الله.. من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد.
وعاد الشريد إلى مكّة؛ ليبلّغ رسالات الله إلى قرية هي أُمّ القرى

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:22 AM
يثرب

لم تكن مدينة يثرب التي تقع شمال مكّة وتفصلها مسافة 450 كيلومتراً سوى مجموعة من المنازل والمزارع والحصون تنهض في بقعة خصبة نسبياً، تبلغ مساحتها 32 كيلومتراً مربّعاً تقريباً.. تحيط بها التلال و « الحرّات »
يقع شمالَها جبلٌ صغير هو جبل أُحد، وجبل « عير » في الجنوب الغربي منها، كما ينبسط بَقيع الفرقد في شرقها، وترقد جنوبَها قريةٌ صغيرة هي قرية « قباء » لا تبعد عنها سوى ثلاثة كيلومترات.
كان العمالقة أوّل من سكنها فبنوا فيها الحصون وزرعوا النخيل، ثمّ نزح إليها فيما بعد « بَنو قَيلة » وهم تجمّع قبليّ يضم قبيلتَي الأَوس والخزرج. ويعود مصدر هذا النزوح إلى اليمن، وبالتحديد إلى القبائل العربية في الجنوب.
وكانت قبيلتا « قُرَيظة » و « بني النَّضير » قد سبقتا هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب، حيث سكنتا المنطقة الخصبة من تلك الأرض، وهناك قبيلة يهودية ثالثة أقلّ شأناً هي قبيلة بنو قَيْنقاع.
وقد كان لليهود في الجزيرة العربية نفوذ قويّ يستند إلى كيانهم السياسي في الدولة الحِمْيَرية الثانية في اليمن، وما لبث هذا النفوذ أن تضاءل بعد الغزو الحَبَشيّ لليمن والقضاء على الدولة الحِميرية، فيما ظل نفوذهم الاقتصادي على قوّته.
ظلّت يثرب تعيش بسلام وصفاء مدّة طويلةً نسبياً إلى أن دبّ الخِلاف بين قبيلتي الأَوس والخَزْرَج. وكان اليهود يُذْكُون روح التنافس بين الإخوة، إلى أن تحوّلت العلاقة إلى عِداء سافر وتَناحُر، ثم اشتعال الحروب و « الأيّام »
وأقصى ما استفاده عرب يثرب من اليهود، هو تقبّلهم لفكرة النبوّة ورسالات السماء، إضافة إلى ذلك فقد كان اليهود أنفسهم يبشّرون ويُنذرون جيرانهم بظهور نبيّ جديد قد أطلّ زمانه؛ وهذا ما ساعد على انهيار الوثنيّة بسرعة في هذه المدينة.
وفي هذه الظروف بدأ أوّل اتّصال لعرب يثرب بسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله

وادي العَقَبة

كان رسول صلّى الله عليه وآله ينشط ببثّ دعوته في الحجّ حيث القبائل العربية تتدفّق صوب مكّة.
في وادي العَقَبة كان أول لقاء بين رسول الله وبين أفراد من قبيلة الخزرج.. كانوا ستة أشخاص.. تحمّسوا جميعاً للدين الجديد، ورأوا في سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله الشخصيّة الوحيدة التي يمكن أن تُنقذ مدينتهم من أخطار النزاع القَبَليّ، ومشاعر الثأر المتأججة.
وانطلق اليثربيّون إلى مدينتهم يبشّرون برسالة السماء، وأضحى اسم محمّد صلّى الله عليه وآله على الشفاه.
وفي موسم الحجّ التالي عاد خمسة منهم، ومعهم سبعة آخرون فيهم ثلاثة من قبيلة الأَوْس.
وفي وادي العقبة أيضاً التقى النبيّ صلّى الله عليه وآله الوفد اليثربيّ وعرض على أفراده دعوة السماء، وقد أسفر اللقاء عن إسلام أفراد الوفد، ثمّ بيعتهم على مبادئ الدين الجديد، وقد عُرفت هذه البيعة ببيعة النساء
ورأى النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يُرسل مع الوفد رجلاً من أصحابه هو مصعب بن عُمَير الذي سمّاه مصعب الخير.
ولقد كان لشخصيّة هذا الصحابي وحماسه وأدبه وأُسلوبه الهادئ الرصين، الأثرُ الكبير في انتشار الإسلام في منازل يثرب، فلم يبق منزل فيها إلاّ واعتنق أحد أفراده الدين الجديد.
حتّى إذا حلّ موسم الحجّ، إذا عشرات الرجال والنساء ينطلقون إلى مكّة للقاء الرسول.
رتّب مصعب موعد اللقاء في ظروف بالغة السرّية، فقد كانت قريش تراقب بدقّة تحرّكات النبيّ صلّى الله عليه وآله، وتنظر بعين القلق إلى لقاءاته مع القبائل العربية الوافدة للحجّ.
غمر الليل مكّة وضواحيها، وخَيّم صمت مهيب، وكان على رجال يثرب الذين أدَّوا مناسك الحجّ أن يتظاهروا بالنوم لكي لا يشعر أحد بما عزموا عليه.
انتصف الليل ونام الجميع، وانسلّ المسلمون فُرادى وجماعات، فيما ظلّ مُشركو يثرب يَغُطّون في نوم عميق.
وفي وادي العقبة اجتمع ستّة وسبعون شخصاً، منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وثلاث نساء.
وبعد انتظار قصير جاء النبيّ صلّى الله عليه وآله ومعه عمّه العباس بن عبدالمطلب.
ولقد وجد رسول الله في أهل يثرب حماساً للإسلام فريداً، وكانوا ينتظرون بفارغ الصبر مراسم البيعة الخالدة لآخر الأنبياء في التاريخ.
وفي جوّ مثير تلا رسول الله آيات من القرآن الكريم، ثمّ قال:
ـ أُبايعُكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
وهذا أقصى ما يُمكن التعبير عنه في الدفاع حتّى الموت.
وتقدم رجال يثرب ونساؤها للبيعة، ليكون هذا اللقاء في تلك الليلة مُنعطَفاً مهمّاً في تاريخ الإسلام.
عاد أهل يثرب إلى مضاجعهم، لم يشعر بهم أحد، وانطوت تلك الليلة المثيرة بسلام

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:23 AM
الهجرة

رافقت الهجرة الحياةَ البشرية منذ فجر التاريخ وحتّى يومنا هذا، وكانت وما تزال وستبقى ظاهرةً اجتماعية لها ما يبرّرها أبداً، وهي إذا بدت مجرّد احتجاجٍ هادئ ضدّ الظلم والقهر، فإنّها تُعدّ حَدَثاً كبيراً جداً، وبدايةً لفصل جديد في حياة الإنسان أو الشعب المهاجر.
لقد تصاعد الظلم في مكّة حتّى لم يَعُد محتَملاً، وأضحت حياة تلك المجموعة البشرية التي آمنت برسالة السماء أمراً لا يُطاق، وكان رسول الله يسعى جاهداً في صُنع مستقبلٍ أفضل لأتباعه، فكانت الهجرة إلى الحبشة حلاًّ مؤقّتاً إلى أن تمّ لِقاء العقبة.
ففي غمرة الظلام والوادي القريب من مكّة.. انفتحت كُوّة للأمل والخلاص، عاد النبيّ المطارَد إلى قريته يُبشِّر أتباعه المقهورين قائلاً:
ـ إنّ الله جعل لكم إخواناً وداراً تأنسون بها.
وهكذا بدأ فصل جديد في حياة الإسلام، وشهدت تلك الليالي المريرة المُفعَمة بالخوف والقلق والأمل رجالاً يفرّون من وطنهم.. من الأرض التي أنجبَتْهم وقضوا فيها أيّام صباهم. ووقفت قريش بكلّ جبروتها عاجزة أمام هذه الظاهرة الخطيرة، وبدأ المجتمع المكيّ يهتزّ بشدّة، وكانت الآلهة والمعادلات والمصالح تتأرجح بعُنف.


* * *
المؤامرة

ورأى أبو جهل وأبو سفيان وأُميّة وكلّ الرؤوس القرشية التي ساءها ظهور الإسلام، أنّ أفضل الحلول في هذه الظروف هو تصفية محمّد والتخلّص منه.
وإذا كان للتكتّلات القَبَلية، وثقل بني هاشم الاجتماعي دوره في حماية رسول الله طَوال هذه السنين من القتل، فإن إشراك القبائل في اغتياله سيجعل من بني هاشم عاجزين عن مواجهتها، ثمّ التخلّي عن فِكرة الثأر.
وهكذا سوّلت لأبي جهل نفسُه ووُلدت المؤامرة.
وكانت المؤامرة من الخطورة بمكان أن هبط جبريل من السماء:

غمر الليل مكّة.. ملأ أزقّتها بظلمة ثقيلة، وبدت النجوم وهي تومض من بعيد قلوباً خائفة.
كان أبو جهل يعبّ خمرته منتشياً بفكرته.. ستبقى مكّة تتحدّث في أنديتها وتُشيد بفِطنته.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:23 AM
الفداء

وفي تلك اللحظات المثيرة والمؤامرةُ على وشك التنفيذ، دخل فتى الإسلام عليّ أبواب التاريخ، في واحدة من أكثر قصص الفداء إثارةً ودرامية.
أن يصمد الرجال في المعارك يقاتلون حتّى النَّفَس الأخير، فتلك شجاعة فريدة تدعو إلى الإعجاب.. ولكن أن يقدّم المرء نفسَه للموت تتخطّفه سيوفٌ وخناجر، فهذا ما لا يمكن أن تستوعبه أبجديّةٌ ما، مهما بلغت من دقّة التعبير وأداء المعنى.
همس عليّ وهو يُصغي إلى حديث رجلٍ عاش معه أكثر من عشرين سنة:
ـ أوَ تَسلَم يا رسول الله إن فديتُك بنفسي ؟
ـ نعم، بذلك وعدني ربّي.
كان عليّ حزيناً، فمكّة تلك القرية الظالم أهلُها تتآمر على قتل انسانٍ بعثته السماءُ لخلاص الأرض، ولكنّ حزنه سُرعان ما تحوّل إلى فرحة كبرى.
تقدّم الفتى بخُطى هادئة إلى فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله والْتَحَف ببُردته ينتظر السيوف التي ستمزّقه.. وستتدفّق دماؤه نقيّة طاهرة ترسم فوق الثرى قصّة رائعة من قصص الفداء.. ورقد عليّ في فِراش النبي، فيما انطلق الشريد صوب الجنوب قاصداً يثرب.


* * *
الطريق إلى يثرب

كانت خطّة النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يتوجّه جنوباً، نحو جبل ثور؛ ليختبئ فيه عدّة أيّام ريثما تُعَدّ وسائط النقل وتيأس قريش من إلقاء القبض عليه، كما انّ مبيت عليّ في فراشه قد أسهم كثيراً في تأخير اكتشاف المتآمرين لنبأ هجرته.
وفي ظروفٍ بالغة السرّية اشترى عليّ عليه السّلام بعيرَين: للنبي صلّى الله عليه وآله وصاحبه أبي بكر؛ كما تمّ الاتّفاق مع دليل الصحراء عبدالله بن أُريقط. وبالرغم من بقاء الدليل على وثنيّته، فقد كان رجلاً أميناً وثق به النبيّ.
استيقظت قريش على دويّ المفاجأة، وتصرّف زعماؤها بهستيريّة عنيفة، فقد انطلقت فرسان الدوريّات يبحثون في الأودية، كما وُضعت جوائز مُغرية لمن يدلّ على الشريد أو يُدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه. وبالرغم من إدراكهم بأنّ لدى بعض الأفراد معلومات مهمّة، لكنهم فشلوا في انتزاعها.
لقد كانت قريش واثقة تماماً من إلقاء القبض على محمّد، فقد اهتدى خُبراء الأثر إلى منطقة تحوم حولها الشكوك، بل إنّهم وصلوا إلى جبل ثور حيث اختبأ صلّى الله عليه وآله وصاحبه في أحد أغواره.
وهنا تدخّلت السماء لتحمي آخر الرسالات في التاريخ.
تسلّق أحدُهم إلى الغار ليرى ما فيه ومَن فيه، ثمّ سرعان ما عاد إلى أصحابه.
ـ ماذا هناك ؟
ـ لا شيء.
ـ والغار ؟
ـ رأيت في فم الغار نسيج العنكبوت، وأحسب أنها نَسَجتْه قبل ميلاد محمّد... ورأيت عُشّاً فيه حمامتان وأغصاناً متشابكة لا يمكن للمرء أن يدخل الغار إلاّ بإزالتها.
ـ إذن لم يدخله أحد.
ـ نعم لم يصله إنسان.
وكان رسول الله يُصغي إلى الحوار، فهتف في أعماق قلبه:
ـ الحمد لله. وغمرت السكينة قلبه.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:24 AM
الرحلة

وفي الموعد المقرر جاء الدليل يقود بعيرَين، وذلك بعد ثلاثة أيّام قضاها رسول الله في الغار.
تقع يثرب في الشمال من مكّة، ومع هذا فقد اتجه رسول الله جنوباً إلى جبل ثور إمعاناً في تغطية رحلته بالسرّية الكاملة.
وكان على الدليل أن يتّجه نحو ساحل البحر الأحمر وسلوك طريق بعيد عن طريق القوافل.
كانت رحلة شاقّة.. وتمرّ سبعة أيّام والنبي يقطع سهول تِهامة في صيف ملتهب، وفي طريق بالغة الصعوبة، حتّى إذا بدت مضارب بني سَهم، تنفّس النبيُّ الصُّعَداء، فقد مرّ الخطر ولن تستطيع قريش أن تفعل شيئاً.
في الثاني عشر من شهر ربيع الأول وصل قرية قُبا، في ضواحي يثرب.
وفي قُبا أمضى صلّى الله عليه وآله أربعة أيّام مترقّباً وصول ابن عمّه عليّ بن أبي طالب.
وعندما حلّ يوم الجمعة يمّم الرسول صلّى الله عليه وآله وجهَه شَطر المدينة وكان آلاف السكان ينتظرون طلعته البهية.
في تلك اللحظات المهيبة عندما تُغيّر المدن أسماءها، وفي يوم 16 ربيع الاول الموافق 20 / أيلول سنة 622م وصل النبي صلّى الله عليه وآله يثرب في لحظة تاريخية خالدة، فلقد هبّ أهل المدينة عن بِكرة أبيهم لاستقبال آخر الأنبياء في التاريخ.
وخرجت فتيات المدينة يُنشدن أناشيد الفرح، وهنّ يلمحن من بعيد ركب المُهاجِر يجتاز ثنيّات الوداع.
وفي تلك اللحظات المفعمة بمشاعر الأمل والفرحة واللقاء بدأ التاريخ الهجريّ، وتبلورت نواة المجتمع الإسلام.
فلم تمض أيّام قلائل حتّى كتب النبيّ صلّى الله عليه وآله أوّل وثيقة تُعلن ولادة الأمّة الإسلامية ككيان مستقلّ له هويّة:
بسم الله الرحمن الرحيم
« هذا كتابٌ من محمّد النبيّ نبيّ المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومَن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم:
انّهم أُمّة واحدة من دون الناس.. »
ولقد تضمّن الإعلانُ بُنوداً غايةً في الدقّة والنظام، كشفت عن شخصية الرسول قائداً وزعيماً لدولة كبيرة فيما بعد.
وعندما تم الانتهاء من بناء المسجد في قلب المدينة، أصغى المجتمع الجديد لصوتٍ ينساب كنهر هادئ.. صوت عذب يدعو المسلمين إلى الصلاة والتوجّه نحو الله الخالق الباري الكريم.
صوت يعلن أن لا أكبر من الله شيء، وأنّه وحده لا إله سواه، ولا معبود غيره. وأن الصلاة هي لحظة الاتصال للشكر على ما أنعم، وأن الحمد له والثناء عليه وحده



الهاجس اليهودي

كان اليهود من سكان المدينة وخارجها ينظرون بقلق إلى ما يجري في يثرب، وهم يرون محمّداً ذلك الرجل الشريد الذي وصل المدينة على قَدَر زعيماً كبيراً وقائداً فذّاً يقود أتباعه نحو مستقبل مشرق.
بدأ اليهود مكرَهم لتمزيق الصفاء الروحي، والتشويش على عقائد المجتمع الجديد، فشنّوا حرباً فكريّة لا هَوادة فيها.
إنّ الطبيعة اليهودية طبيعة معقّدة، لها قابليّة عجيبة على التلوّن بمختلف الألوان، والظهور في عدّة أشكال، فيما يظل الجوهر فاسداً لا أمل فيه؛ ففي تلك الظروف تظاهر بعض أحبارهم باعتناق الإسلام من أجل التغلغل في المجتمع الإسلامي وتخريبه من الداخل، كما وظّفوا المنافقين، وهم تلك الشريحة من سكان يثرب الذين وجدوا أنفسهم يعتنقون الإسلام لأسباب بعيدة كلّ البُعد عن روح الإيمان وطمأنينة القلب.
وفي تلك الفترة طرح اليهود ـ مباشرة أو من وراء حجاب ـ أسئلة عن طبيعة الخالق، وعن الروح.
وكان وحي السماء يؤسّس العقيدة الجديدة السامية مُنزّهةً عمّا لحق الرسالات الغابرة من زيف وتحريف.
وراح المجتمع الوليد يردد:
ـ قُلْ هُوَ اللهُ أحّد. اللهُ الصَّمَد.
ـ ويَسأَلوُنَكَ عن الرُّوح قُلِ الرُّوحُ مِن أمرِ رَبّي.
وكان من المفروض أن يرسم الموقف اليهودي الرافض للدِين الجديد علامة استفهام حول الإسلام، نظراً للثقل الفكري والديني الذي يتمتّع اليهود به، غير أنّ التاريخ الحافل بالوثائق والذي يدين اليهود ويشهد بفساد عقائدهم وانحرافهم وقتلهم عشرات الأنبياء، والأسلوب القرآنيّ في مواجهتهم قد أدّى إلى تهميشهم، فما لبث المجتمع الإسلامي أن راح ينظر إليهم بعين الشكّ والريبة.
ولقد بلغ التعنُّت اليهودي ذِروته عندما سادت روح من الخوف بسطاءَ اليهود من الذين كانوا يودّون اعتناق الإسلام من كل قلوبهم ولكنهم كانوا يخشون خطر الاغتيال.
وفي تلك الظروف الصعبة ـ بين مكر اليهود وخُبث المنافقين ـ أثبت المجتمع الإسلامي صلابته وأعلن هويّته واضحة جليّة، وهكذا مرّ عام.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:25 AM
الجهاد المسلح

كان من الطبيعي أن يفكّر زعماء قريش ـ ومن خلال حسّهم التجاري ـ بشنّ حرب اقتصادية على يثرب واستخدام اسلوب التجويع لتركيع خصمهم.
ومن هنا حاصرت مكّة طرق القوافل المتّجهة نحو الشمال، وصار من المتعذّر وصول الأغذية إلى المدينة المنوّرة، وبالرغم من خصوبة الأراضي المحيطة بالمدينة وامتداد الحقول والمزارع فيها إلى مساحات شاسعة، إلاّ أنّ الحصار قد فعل فِعله فارتفعت أسعار الغذاء، لعب اليهود ـ وهم خبراء في التفكير الاقتصادي ـ دوراً في التلاعب بالأسعار من خلال الاحتكار؛ غير أنّ المجتمع الإسلامي واجه ذلك بروح من الصبر والتحمّل، وكانت استجابتهم لهذا التحدي إيجابية، فأصبحت لهم سوقهم الإسلاميّة الخاصّة بهم.
ولم يكن للنبيّ صلّى الله عليه وآله أن يقف مكتوف الأيدي أزاء ما يجري حوله من تآمر وأساليب غاية في الدناءة والخبث، فكان ينتظر أمر السماء.






آية السيف
وهبط جبريل يحمل آية السيف:

وبدأت مصانع السلاح بالعمل، وتألّق الحصان العربي ما دام منطلقاً للدفاع ونشر الإسلام و « الخَيلُ مَعقُودٌ بنَوَاصيها الخَيرُ »
لم يكن المشركون في مكّة الذين اعتادوا أساليب ظلم غيرهم والتنكيل بهم أن يفهموا لُغة غير لغة القوّة، كانوا عدوانيّين حتّى النُّخاع لا يرون شيئاً سوى أنفسهم ومصالحهم، ولقد بدأوا عدوانهم على الإسلام منذ الأيّام الاولى، وكانوا يهدفون إلى سحق الدين الجديد بأيّ ثمن.
لقد عانى المسلمون الكثير من التعذيب والقهر والتشريد، حتّى إذا فتح الله عليهم باب الهجرة إلى وطن آمن، انتهجت قريش أُسلوب الحصار والحروب الاقتصاديّة، واستخدمت سلاح الغذاء لتجويع الخصم وتركيعه.
لم يكن رسول الله بغافل عمّا يمكرون، ولكنه كان يواجه كلّ ذلك بالصبر والتحمّل، حتّى إذا بلغ السَّيْلُ الزُّبى، كان له موقف آخر فُوجئت به قريش والجزيرة بأسرها، فلقد كشفت الأيّام قدرة حربية كامنة في أعماق رجل تجاوز الخمسين عاماً بسنوات خمس.
بلغت الفترة التي أعقبتْ هجرة الرسول صلّى الله عليه وآله وحتّى اندلاع معركة بدر الكبرى تسعة عشر شهراً تقريباً، لم يندلع خلالها أيّ صراع مسلح بين مكّة والمدينة، وكانت الأعمال العسكرية لا تعدو خلال تلك الفترة دوريات للاستطلاع، واستكشاف الطرق المحيطة وتعرّف المسالك التي تؤدي إلى مكّة، ومحاولة كسب القبائل في تلك المناطق الحساسة من خلال دعوتها إلى الإسلام، أو التحالف معها على الأقلّ.
وكان خروج الدوريّات المسلّحة بين الفترة والأُخرى إشعاراً للجميع واستعراضاً لقوة المسلمين العسكرية.
ولقد حوّل الرسول صلّى الله عليه وآله ببصيرته الفذّة المدينة المنوّرة إلى قاعدة قوية يُحسَب لها ألف حساب.
وفي المقابل أثبت زعماء مكّة المشركون غباءهم بانتهاجهم أسلوب الحصار الاقتصادي الذي فشل مرّة في داخل مكّة يومَ كان المسلمون قلةً قليلة، وذلك خلال أيّام المقاطعة المريرة في شِعب أبي طالب.
وها هم ينتهجون ذاتَ الأُسلوب مع المسلمين في مدينة يثرب التي تعتمد في اقتصادها على الزراعة.
وهكذا انقلب السِّحرُ على الساحر، وحوّل النبيّ صلّى الله عليه وآله سلاح الحصار نحو نحورهم، فاستيقظوا من أحلامه مذعورين

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:26 AM
الطريق إلى آبار بدر

لابد لقوافل التجارة التي تغادر مكّة نحو الشام أن تسلك السهول الساحلية التي تمرّ قرب المدينة في عرض يمتّد إلى أكثر من مئة كيلو متر تقريباً، وهذا ما يمكّن المسلمين من تهديد هذه الطريق التجارية.
لقد بنى المكّيّون أمجادهم على التجارة، في رحلات كبرى تتألّف في بعض الأحيان من ألف بعير.
ويمكن الاشارة إلى ثماني دوريات استطلاعية تخللت تلك الفترة، لم ينشب خلالها أيّ صِدام مسلّح، باستثناء آخرها والتي قادها عبدالله بن جحش في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، وقد أدّى الاصطدام بين الدورية والقافلة في وادي اليمانية بين مكّة والمدينة والطائف إلى حادث قتل، تأثر الرسول صلّى الله عليه وآله له لوقوعه في رجب أحد الأشهر الحُرُم.
استغلّت قريش هذا الجانب أبشع استغلال، وراحت تُشنّع بالنبيّ والمسلمين لانتهاكهم حُرمة الشهر الحرام.
غير أنّ السماء كان لها رأي آخر، فقد هبط الوحي بالآية الكريمة:

وكانت هذه الآية بمثابة إعلان عن بدء فصل جديد، أدرك المشركون فيه عزم المسلمين على معاقبتهم في أوّل فرصة.
وصلت أنباء عن مغادرة قافلة تجاريّة ضخمة مدينة غزّة باتجاه مكّة.
كانت القافلة تتألّف من 1000 بعير محمّلة بالقمح والعطور والبضائع الأخرى.
وكان من مزايا هذه الرحلة التجارية أنّها تضمّ رؤوس الأموال الكبيرة، وهي بذلك تهمّ زعماء قريش البارزين، كما أنّ تولّي أبي سفيان لقيادتها أكسبها حسّاسية بالغة، فأبو سفيان من أعداء الإسلام الألدّاء.
قرّر النبيّ صلّى الله عليه وآله تأديب قريش من خلال التعرّض لهذه القافلة الضخمة، وعلى هذا الأساس عبّأ قوّات محدودة بلغ تعدادها ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً.
بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله دورية استطلاع لجمع معلومات عن مسار القافلة وترصّد أخبار قريش في مكّة، كما قسّم جيشه إلى كتيبتَين؛ كتيبة تضمّ المهاجرين ورايتها مع عليّ بن أبي طالب، وكتيبة الأنصار ورايتها مع سعد بن معاذ.
سلكت القوّات الإسلامية طريق القوافل التجارية حيث يبلغ طوله حوالي «160» كيلومتراً، ووزّع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسائط النقل المؤلّفة من سبعين بعيراً على جنوده، فتحتّم أن يشترك كلّ ثلاثة مقاتلين على اعتقاب بعير واحد، وكان نصيب الرسول مع عليّ بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي.
وعندما أعرب كلّ من عليّ ومرثد عن استعدادهما على السير مشياً، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ ما أنتما بأقوى مِنّي، ولا أنا بأغنى عنكما عن الأجر.
وكان منظر الرسول وهو يطوي المسافات مشياً أسوةً بغيره قد ملأ قلوب جنوده إجلالاً وتَفانياً وحُبّاً.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:27 AM
الانباء المثيرة

هطلت الأمطار.. هطلت بغزارة فسالت أوديةٌ بقَدَر.. وقف النبيّ صلّى الله عليه وآله.. راح ينظر إلى السماء والسحب تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال.. رفع يدَيه إلى عوالم لا نهائيّة وتضرّع إلى الله واهب الحياة.
ـ اللهمّ نصرَك الذي وعدتَ.
كان الوجوم يسيطر على الوجوه، فالأنباء كانت مثيرة.. لقد خرجوا لمواجهة قافلة تجارية... وها هي الصحراء تحمل إليهم نبأ عن زحف قريش بجيش كبير.
كان أبو سفيان يقود القافلة بحذر، وقد شعر بشيءٍ ما عندما وصل المناطق المتاخمة ليثرب، وفي مكان قرب آبار بدر عثر على روث للإبل ، وعندما فتّه ورأى فيه نوى تمر صرخ بذعر:
ـ هذه والله علائف يثرب.
بادر أبو سفيان إلى إرسال صيحة استغاثة إلى مكّة، فيما غيّر مسار القافلة باتّجاه البحر الأحمر، وهكذا ابتعدت عن آبار بدر ممعنة بالفرار، وهكذا أفلتت القافلة.
كان زحف قريش يمثّل أوّل تَحدٍّ كبير يواجهه المسلمون، وكان عليهم أن يتّخذوا قراراً ما.
أطْلع النبيّ صلّى الله عليه وآله أصحابه على مُجريات الأحداث وهتف بقوّاته:
ـ أشيروا علَيّ أيّها الناس.
كان الموقف يزداد حَراجة لحظةً بعد أُخرى.
نهض عمر وقال:
ـ يا رسول الله! إنّها قُريش وعزّها، ما ذلّتْ منذ عزّتْ، ولا آمنت منذ كَفَرَت، والله لتقاتلنّك، فاتّهِب لذلك أُهْبته وأعدّ لذلك عُدّته.
وراح المسلمون ينظر بعضهم إلى بعض، وفي تلك اللحظات نهض المِقداد بن عمرو وهتف بحماس:
ـ يا رسول الله، امضِ لما أمَرك اللهُ فنحن معك، والله لا نقولُ كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهَب أنتَ ورَبُّك فقاتِلا إنّا ها هُنا قاعدون.. بل نقول: اذهَبْ أنتَ وربُّكَ فقاتِلا إنّا معكما مُقاتلون.
وأشرق وجه الرسول صلّى الله عليه وآله بابتسامة رضى.
كان المقداد يمثّل موقف المهاجر، فأراد النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يعرف موقف الأنصار، فهتف مرّة أُخرى:
ـ أشيروا عليّ أيها الناس.
نهض سعد بن معاذ وقد أدرك رغبة النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ كأنّك تريدنا يا رسول الله ؟
ـ أجل.
ـ لقد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك العَهدَ والميثاق، فامضِ يا رسولَ الله لما أردت، فوالذي بعثكَ بالحقّ، لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخضناه معك ما تخلّف عنا رجل واحد.. إنّا لَصُبْر عند الحرب، صِدْق عند اللقاء.
وقد أثارت هذه الكلمات الثائرة الحماسَ في نفوس المقاتلين، ومدّتهم بالعزم والقوة والمواجهة.
وهكذا أصدر الرسول أمره باستئناف المسير:
ـ سيروا على بَرَكة الله، وأبشِروا فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتَين.
وغادر النبيّ صلّى الله عليه وآله وادي ذفرات، سالكاً المنعطفات قريباً من الكثبان الرملية في منطقة حنان، واستمر يطوي المسافات إلى أن وصل آبار بدر، وقام بنفسه بجولة استطلاع في المناطق المحيطة فصادف شيخاً، وأدرك من خلال الحوار معه أنّ قريشاً قد تصل بين لحظة وأخرى الكثبان الرمليّة في أقصى الوادي من آبار بدر.
وفي غَمرة تلك الليلة بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله أيضاً دوريّة استطلاع بقيادة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فتمكّنت من إلقاء القبض على شخصين من سُقاة جيش قريش وساقتهما إلى معسكر المسلمين.
سأل النبيّ صلّى الله عليه وآله عن عدد قوات قريش:
ـ كم القوم ؟
ـ كثير.
ـ ما عُدّتهم ؟
ـ لا ندري.
ـ كم ينحرون في اليوم ؟
ـ يوماً تسعاً ويوماً عشراً.
التفت النبيّ إلى أصحابه وقال:
ـ القوم ما بين التسعمئة والألف.
ولقد صَدَق حَدْسُ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما تقدمت قوات قريش، وظهر أنّها تتألف من تسعمئة وخمسين مقاتلاً.
تمركزت قريش في ثنايا التلال القريبة من الوادي، بينما انتخب المسلمون الجانب الشرقي منه.
وفي فجر يوم 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، وقد بدت المعركة وشيكة، هبط جبريل يحمل دعوة السماء إلى السّلام.
وكان هناك مَن يُصغي إلى هذا النداء لولا غرور أبي جهل وإصراره على الحرب بأيّ ثمن.
ولقد تجلّت حَنَكة الرسول العسكرية في هذه المعركة، من خلال قيامه بعدّة خطوات من قبيل جمع المعلومات عن العدو، وتغطية تحرّكه بالسرّية الكاملة، وانتهاجه أُسلوباً مبتكراً في التكتيك القتالي يعتمد ترتيب الصفوف، وهو أُسلوب لم يكن معروفاً من قَبلُ، إضافةً إلى عامل آخر يمثّل دون شكّ السلاح الأقوى في المعركة، وهو الإيمان العميق والعقيدة.
اشتعلت المعركة في الصَّباح الباكر واستمرت حتّى المساء، وخاض المسلمون مقاومة بطولية حسمتْ فيما بعد إلى جانبهم نصراً ساحقاً، لتشهد عيون بدر أوّل معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، لتصبح فيما بعد فاتحة لسلسلة من الانتصارات الباهرة، وهكذا عاد النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى المدينة تخفق فوق هامته راية « العقاب »، فيما ظلت أصداء ما حدث قرب آبار بدر تتردد في الجزيرة العربية.
لقد شهد ذلك العام أيضاً أربعة أحداث اُخرى.
ـ تغيير القبلة وتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد استاء اليهود من جرّاء ذلك بشدة.
ـ تشريع الصوم في شهر رمضان المبارك، كما أصبحت للمجتمع الإسلامي أعياده الخاصّة في عيدَي الفطر والاضحى.
ـ اقتران عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بفاطمة كريمة النبيّ صلّى الله عليه وآله.
ـ تغيّر مسار القوافل التجارية لقريش وتحوّلها من طريق الشام إلى طريق العراق إثر معركة بدر.
ولقد تنفّس المسلمون الصُّعداء، خاصّة الذين ما يزالون في مكّة إثر مصرع أشدّ أعداء الإسلام قسوة كأبي جهل وأمية بن خلف، كما لقي أبو لهب حتفه كَمَداً بعد سماعه نتائج ما حدث في
« بدر ».

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:27 AM
المسألة اليهودية

لا يحتاج المرء إلى جُهد كبير لكي يتعرف طبيعة اليهود، وموقف القبائل اليهودية أزاء الإسلام، فلقد برز حقدُهم الأعمى منذ الأيّام الأُولى من وصول النبيّ صلّى الله عليه وآله المدينة المنورة.
لقد حاول الرسول صلّى الله عليه وآله تجنّب الاصطدام بهم ما أمكن، غير أنّهم فسّروا ذلك نوعاً من الخوف، فراحوا يحيكون المؤمرات ضد الإسلام، مستهينين بالمسلمين حتّى بعد انتصارهم في معركة بدر.
وكان يهود بني قينقاع أوّل من فجّر الموقف ضد المسلمين، إذ صعّدوا من استفزازهم وراحوا يسخرون من رسول الله وأصحابه.
وقد لعبت ثرواتهم الطائلة وحصونهم الحربية المنيعة في نفخ روح الغرور في نفوسهم.
وإذا كان لكلّ اشتعال شرارة، فقد وقع حادث في السوق اليهودية فجّر الموقف بين اليهود والمسلمين.
كان الوقت ضُحى وسوق الصاغة يزخر بالباعة والمارّة؛ وصادف أن جاءت امرأة مسلمة تريد بيع حُليّها الذهبية، فدخلت أحد دكاكينهم.
واستيقظت كوامن الطبيعة اليهودية، فتقاطر على الدكان بعض اليهود وراحوا يستفزّون المرأة.
وإذا كان اليهود قد ورثوا حبّ الذهب منذ أن صنع السامري عجلاً ذهبياً له خُوار، فإنّهم أيضاً قد توارثوا صفاتٍ أخلاقيّة غاية في الانحطاط، فالخِسّة والغدر والدناءة باتت من خصائصهم التي تنهض عليها شخصيتهم المعقدة.
وهكذا سوّلت لليهودي نفسُه، فاستغل انشغال المرأة وثبّت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، عندما أرادت المرأة المسلمة الانصراف ونهضت سقط الرداء، كان اليهود ينتظرون هذه اللحظة فانفجروا ضاحكين.
وصرخت المرأة:
ـ يا للمسلمين.
وهبّ مسلم غيور للدفاع عن الشرف، فهوى بسيفه على الصائغ وأحاط اليهود بالمسلم وقتلوه.. وهكذا اشتعلت الفتنة.
وبالرغم من كل ذلك، أراد النبي تجاوز الموضوع، فذهب بنفسه إلى سوق اليهود، وأجرى معهم حواراً هادئاً ذكّرهم فيه بالمعاهدة المبرمة بين الطرفين، وأنّ البغي والعُدوان لن يجني سوى ثمار مُرّة، كما حصل لقريش يوم بدر قبل أقل من شهر.
ولكن اليهود الذين استبدّ بهم الغرور سخروا من هذه النصائح قائلين:
ـ لا يغُرّنك يا محمّد أنّك لقيت قوماً لا عِلم لهم بالحرب، فأصبتَ منهم فرصة مكّنتك من رِقابهم، إنا والله لئن حاربناك لسوف ترى منا ما لم تره من غيرنا.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:28 AM
وأمام هذا الغرور الأحمق قرّر النبيّ صلّى الله عليه وآله تأديبَهم، فزحف بقوّاته، فيما لاذ اليهود بحصونهم المنيعة.
فرض المسلمون حصاراً شديداً استمرّ أُسبوعين، وكان الشرط الوحيد لفكّ الحصار الاستسلام دون قَيد أو شرط.
وأخيراً استسلم بنو قينقاع، وفتحوا أبواب الحصون.
أصدر النبيّ صلّى الله عليه وآله عفواً عاماً، شرط الجلاء عن المدينة، وهكذا غادرت هذه القبائل الشرّيرة يثرب مخلّفة وراءها كميّات هائلة من الأسلحة وأدوات الصياغة، وحطّت رحالها في وادي القرى مدّة من الزمن ثم اتّجهت صوب « أذرعات » في الشام.






هواجس الثأر

ظلّت المَناحات في مكّة تتصاعد مدة عام، تؤجّجها أحقاد الثأر، وتحرق بدخانها العيون، برزت هند زوجة أبي سفيان لتمثّل نفسية حاقدة لا تعرف سوى الانتقام بأيّ ثمن، ولم يكن موقف أبي سفيان الذي أقسم على الثأر من الإسلام إلاّ مجرد صدى لما يموج في أعماق تلك المرأة.
ومنذ معركة بدر ومكّة تغلي بالحقد، وتموج بالحميّة حميّةِ الجاهلية، وكان الهدف الأكبر الثأر في أوّل فرصة، وقد بيّت المشركون الذكرى الأُولى لبدر موعداً للتحرك.
وخلال هذه الفترة التي تبلغ عاماً وقعت حوادث لها دلالتها.
فقد تمّ تصفية كعب بن الأشرف اليهودي الذي ما انفكّ يهجو سيدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله ويحرّض قريشاً على طلب الثأر، وبلغ استهتاره أن راح يشبّب بنساء المسلمين، وكان لتصفيته صدى كبير، فقد انكفأ اليهود على أنفسهم مذعورين.
ووقعت بعض الأعمال والتحرّكات العسكرية، حيث قاد النبيّ صلّى الله عليه وآله بنفسه دوريّة قتال إلى مضارب « بني سليم » و « غَطفان »، وهما قبيلتان كبيرتان تنتمي الأُولى إلى العدنانيين، فيما تنتسب الأُ إلى القحطانيين، وقد استوطنتا هِضاب نَجد في المناطق المُتاخمة للمدينة المنورة، وتأتي أهمّيتها كونها واقعة على طريق التجارة بين مكّة والشام، وكانت الأنباء قد تظافرت على تشكيل اتّحاد بين القبيلتين ونوايا مبيّتة لاجتياح المدينة على حين غفلة، ولم تصطدم الدورية المؤلّفة من مئة فارس اصطداماً مباشراً بالقبيلتَين اللتين فضّلتا الفرار تاركتين وراءهما 500 بعير.
وفي تلك المدّة أيضاً أغار أبو سفيان على أطراف المدينة في قوّة مؤلّفة من مئتي فارس، وقد قدّم اليهود عوناً معلوماتياً عن نقاط الضعف في خطوط المدينة الدفاعية، فاستغلّ أبو سفيان الظلام، ودفع بمفرزة من فرسانه إلى أطراف المدينة، فأحرقت منزلَين ومجموعة من أشجار النخيل، كما قتلت مسلمَين.
وعندما أفاق المسلمون على هذا النبأ، أسرع النبيّ صلّى الله عليه وآله فجهّز قوة من رجاله لمطاردة المغيرين، غير أنّ أبا سفيان تمكّن من الافلات، لأن حملته مؤلّفة من الفرسان فقط، كما انّهم راحوا يتخفّفون من مؤنهم وأثقالهم بإلقاء الطعام أثناء فرارهم، حيث عثر المسلمون في طريق المطاردة على كميات كبيرة من « السويق »(20)، وقد حملت الغزوة هذا الاسم.
وتبقى سرية زيد بن حارثة أهم عمل عسكري قبل نشوب معركة أُحد.
كان زعماء قريش ـ وبعد معركة بدر ـ قد خاضوا جدلاً واسعاً حول الطريق البديل للتجارة مع الشام، فقد أسفرتْ بدر عن نتيجةٍ مفادها أن الطريق الغربية التي تسلكها قوافل قريش التجارية إلى الشام لم تَعُد آمنة، وأنّ عليهم سلوك الطريق الآخر وبالتحديد الطريق الشرقية التي تتخلل هضاب نجد، وبالرغم من صعوبة هذه الطريق وجهل تجار قريش الكامل بها، فقد عُدّت أفضل من الطريق السابقة باعتبارها طريقاً آمنة.
وأفادت أنباء الصحراء عن تجهيز قافلة تجارية بقيادة صفوان بن أُمية ومعاونة أبي سفيان، وأنّ دليل القافلة الجديد رجل نجديّ يُدعى فرات بن حيان.
جهز النبيّ صلّى الله عليه وآله حملة عسكرية قوامها مئة مقاتل، وأسند قيادتها إلى زيد بن حارثة.
وفي أحد وديان نجد دهم المسلمون القافلة وهي ترد الماء، ولم يكن أمام أبي سفيان وصاحبه إلاّ الفرار، فاستولى المسلمون على القافلة دون مقاومة، ووقع في الأسر ثلاثة من حرّاسها كان الدليل أحدهم.
وهكذا تتابعت الأحداث، حتّى إذا أطلّ شهر شوال أفادت الأنباء عن تجهيز قريش لجيش كبير قوامه ثلاثة آلاف مقاتل.
ولم تمضِ خمسة أيّام من شوال حتّى كان جيش المشركين يغادر مكّة في تجهيزٍ قتالي غاية في التنظيم، ولا ننسى أن قريش قد وفّرت أرباح القافلة التجارية التي أفلتَ بها أبو سفيان في بدر لتجهيز جيش الثأر إذا صحّ التعبير، وكانت مبالغ طائلة بلغت خمسين ألف دينار آنذاك.
ولعل في تواجد النبيّ صلّى الله عليه وآله في قرية قباء إبّان تلك الفترة يشير إلى تحسّبه للطوارئ.
وبينما كان رسول الله يتأمّل تموجات الصحراء، إذا بفارس يبدو من بعيد يحمل أنباء مكّة المثيرة

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:29 AM
فوق سفوح « أحد »

في الرابع عشر من شوال في السنة الثالثة من الهجرة شهد مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله مجلساً عسكرياً لمناقشة الوضع الخطير.
وكان من رأي النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يتحصّن المسلمون في المدينة لإرغام قريش على مهاجمتها، وبهذا يمكن للمدافعين استخدام أساليب حرب الشوارع، في مكان يجهله العدو المهاجم، إضافةً إلى الاستفادة من المرأة المسلمة في مضاعفة المجهود الحربي، وقد طرح الرسول صلّى الله عليه وآله رأيه بهدوء قائلاً بأدبه العظيم:
ـ فإن رأيتم أن تُقيموا في المدينة وتدعوهم حيث نزلوا. فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم.
غير أنّ الشباب المتحمّس للقتال كان يفضّل مواجهة الغزاة خارج المدينة، خاصّة أُولئك الذين لم يذوقوا حلاوة النصر في بدر.
وعندما لاحظ النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّ الأغلبية تفضّل المواجهة خارج يثرب، نهض فدخل منزله وارتدى زيّه الحربي.
وقد شعر المسلمون أنّهم بذلك قد أرغموا النبيّ صلّى الله عليه وآله على رأي فاعتذروا منه وتركوا له اتّخاذ القرار. وعندها قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس « لامته » أن يضعها حتّى يحكم الله.
وقد بدا الوضع متأزّماً، سيّما وأنّ رغبة المنافقين كانت في عدم مغادر المدينة. ولعلّ في إلحاحهم على البقاء ما يفسّر رغبة النبيّ في تبنّي الرأي الذي يدعو إلى المواجهة خارج المدينة. وهكذا تحركت كتائب الجيش الإسلامي التي بلغ تعدادها ألف مقاتل.
وفي ثنيات الوداع، شاهد النبيّ كتيبة منفردة عن الجيش، فسأل عنها فأبلغوه بأنها كتيبة يهودية ترغب في مشاركة حليفها عبدالله بن أُبيّ القتال، غير أنّ النبيّ رفض ذلك بشدّة قائلاً:
ـ لا نُقاتل المشركين بالمشركين.
وفي منطقة الشوط حيث البساتين الواقعة بين جبل أُحد والمدينة حدث تمرّد خطير، اذ قرر عبدالله بن أبيّ ومعه ثلاثمئة من المقاتلين العودةَ إلى المدينة دون سبب واضح، ومهما كانت البواعث فإنّ الهدف من ذلك كان إحداث بلبلة في صفوف الجيش الإسلامي وهو على وشك الاشتباك.
وقد رأى فريق من الصحابة تأديب المتمرّدين، إلا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله رفض ذلك.
واصل النبيّ تقدّمه بسبعمئة مقاتل لمواجهة جيش مؤلّف من ثلاثة آلاف جندي مجهّز بأفضل الاسلحة.
كان جيش المشركين قد تمركز في وادي قناة لقطع الطريق على تقدّم الجيبش الإسلامي..
قاد النبيّ قواته عبر حرّة بني حارثة متّجهاً شمالاً صوب جبل أُحد، وجاعلاً جيش المشركين غرباً، حتّى وصل مدخل الوادي فعسكر بقوّاته تاركاً هضاب الجبل خلفه.
ألقى النبيّ صلّى الله عليه وآله نظرة تأمل على طبيعة الأرض وميدان المعركة فرأى في جبل « عينين » موقعاً استراتيجياً من الناحية الحربية يمكن الاستفادة منه في حماية مؤخرة الجيش الإسلامي من حركة التفاف قد يقوم بها العدو، ولهذا حرص النبيّ على احتلال الجبل.
انتخب النبيّ صلّى الله عليه وآله خمسين من أمهر الرماة، وأمرهم بالمرابطة فوق الجبل الذي يُدعى اليوم بجبل الرماة، وهو على مسافة مئة وخمسين متراً من مقرّ قيادة الجيش الإسلامي غرباً على حافة الوادي الجنوبية.
أصدر النبيّ تعليماته قائلاً:
ـ انضَحوا الخيلَ بالنبل لا يأتونا من خلفنا...
ـ احموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا، وارشقوهم بالنبل فإنّ الخيل لا تقدم على النبل، إنّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم.
وأردف الرسول صلّى الله عليه وآله مؤكّداً أهمية الموقع استراتيجياً:
ـ إن رأيتمونا يتخطّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتّى أُرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظَهَرْنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم حتّى أُرسل إليكم، وإن رأيتمونا غَنِمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تُغيثونا، ولا تدافعوا عنا.
بدأ المشركون عملياتهم بهجوم قوة من المشاة تساندها كوكبة الفرسان مستهدفة الجناح الأيسر من جيش الإسلام، وقد ارتدّ المهاجمون على أعقابهم بعد أن تعرّضوا إلى مقاومة باسلة، فقد اشترك الرماة في جبل عينين وبعض المتمركزين في سفوح جبل أُحد، والمشاة بصدّ الهجوم.
عاود المهاجمون الكرّة ثلاث مرات وكانوا يخفقون في كلّ مرّة.
وفي تلك اللحظات الحاسمة أصدر النبيّ أوامره بالهجوم المعاكس فاندفع ثقل الجيش الإسلامي باتجاه لواء المشركين بغية تحطيم معنوياتهم، وقد نجحت الخطة، إذ سُرعان ما سقط اللواء بعد معارك ضارية، وبدأت جبهة المشركين تتزلزل تحت وطأة الهجمات الإسلامية.
وهكذا دبّت الهزيمة في صفوفهم، وفرّت هند ومعها الجواري اللاتي جئن لتحريض المشركين، بعد أن رمين بالطبول والدفوف، وأصبح همّ الجميع النجاة.
وفوق جبل عينين وعلى سفوحه، بدأ صراع من نوع آخر، صراع نفسي رهيب، فالرماة الذين كانوا يراقبون سير المعركة قد شهدوا انتصار إخوانهم، وها هم يطاردون فُلول المشركين في بطن الوادي ويجمعون الغنائم، فانبعثت في الأعماق حُمّى الغنيمة، وترك أغلبهم مواقعه للحصول على ما يمكن الحصول عليه من الأسلاب، وهكذا تجسّدت بوضوح تام مقولة « أكثَرُ مصارع العقول تحتَ بُروقِ المَطامع » وبالرغم من صيحات قائد الرماة وتذكيره لهم بوصايا النبيّ، إلاّ أنّ النفوس التي استولى عليها الطمع قد برّرت لهم عدم جدوى المرابطة في الجبل، سيّما وأنّ النصر بات أكيداً.
وفي المعسكر الآخر كان خالد بن الوليد قائد سلاح الفُرسان ينتظر مثل هذه الفرصة، فدفع بقوّاته نحو جبل عينين ليسحق ما تبقّى من مفرزة الرُّماة ويفاجئ الجيش الإسلامي بهجوم كاسح.
وأدرك المشركون أنّ الفرسان قد نفّذوا حركة التفاف ناجحة، فانقلبوا نحو المسلمين وقاموا على الفور بهجوم معاكس، وارتفع لواء المشركين مرّة .خرى، وتغيّر بذلك الموقف جذرياً.
فقدَ الجيش الإسلامي تنظيمه تماماً وتضعضعت صفوفهم، فألقوا ما في أيديهم من الغنائم وأصبح همّهم الوحيد الخلاص من الكمّاشة التي سقطوا فيها.
وفي غمرة الفوضى انتشرت شائعة عن مصرع النبيّ صلّى الله عليه وآله، فعمّت الفوضى ودبّت الهزيمة.
ثبت النبيّ صلّى الله عليه وآله في مقرّ قيادته ومعه أربعة عشر مقاتلاً فقط، وراح يقاتل ببسالة قلّ نظيرها في التاريخ، وعلت هتافاته: أنا رسول الله هلُمّوا إليّ. وكان لهذا الهتاف الأثر الكبير في تجمع بعض قوّاته، فراح يقودهم صوب مرتفعات أُحد في عملية انسحاب موفّقة، فأنقذ النبي بذلك 90% من جنوده من خطر الإبادة

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:29 AM
الدرس الكبير

لقد تعلّم المسلمون في جبل أُحد أعظم درس في الطاعة، وأيقنوا جميعاً أنّ طاعة الرسول تعني النصر، وأنّ معصيته لا تعني شيئاً سوى الهزيمة والفشل والإخفاق.
في ( أُحد ) الذي قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله « جَبلٌ يُحبّنا ونُحبّه » تجلّت عذابات الأنبياء، وصبرهم ومقاومتهم. لقد استهدف المشركون قتل النبيّ، وتمركزت هجماتهم العنيفة في المنطقة التي يقع فيها مقرّ قيادته، فيما تشتت قوات المسلمين وفرّ بعضهم نحو المدينة، وفكّر البعض الآخر بإجراء مفاوضات مع أبي سفيان لاستصدار عفوٍ منه.
كما أثبت النبيّ صلّى الله عليه وآله قدرته العسكريّة الفائقة، فاستطاع بمهارة مدهشة تجميع قواته وإنقاذها من الإبادة.
وقف أبو سفيان في أدنى سفوح الجبل وصرخ:
ـ أعل هُبَل.
فجاء الجواب:
ـ الله أعلى وأجلّ.
ـ لنا العُزّى ولا عزّى لكم.
ـ الله مولانا ولا مولى لكم.
بالرغم من كل شيء فقد شهدت تلك البقعة من دنيا الله أعظم ملحمة إنسانية عندما صمد رجال يُعدّون بالأصابع حول الرسول، وكان همّهم حماية النبيّ صلّى الله عليه وآله بأيّ ثمن، فراحوا يتساقطون قُربه كالفراشات وكلٌّ يوصي صاحبه بالاستبسال، فلا معنى للحياة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله.
إنّ التاريخ ليذكر بإجلال مواقف الكثيرين منهم، وفي طليعتهم عليّ بن أبي طالب الذي راح يقاتل ببسالة حتّى سُمع صوت جبريل يدوّي في السماء:
ـ لا سيفَ إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ.
كما يذكر بسالة حمزة وأبي دجانة الأنصاري وسعد بن الربيع ومُصعب بن عُمير وغيرهم من الرجال الذين عاهدوا ربّهم، فمنهم من قضى نَحْبه ومنهم من ينتظر وما بَدّلوا تبديلا.
لقد فعلت الجراح البليغة، والظمأ والإعياء الشديد ونَزْف الدماء ومصرع حمزة على ذلك النحو المؤسف فعلها المأساوي، فبدا وجه آخِر الأنبياء غيمة حزينة تمطر على هون.
وبالرغم من حراجة الظروف، فقد كان هاجس النبيّ الوحيد المدينة المنوّرة، فقد يفكّر المشركون اجتياحها؛ من أجل هذا أرسل النبيّ بطل الإسلام عليّ بن أبي طالب ليراقب قوّات قريش عن كَثَب، وهل انّهم يمتطون في تحرّكهم الإبل أم الخيل، فإذا ركبوا الخيل فمعنى ذلك أنّهم يريدون الإغارة على المدينة، أمّا إذا امتطوا الإبل فإنّهم يفضّلون الانسحاب إلى مكّة.
وعندما شاهدهم عليّ يمتطون الإبل اطمأن النبيّ على الوضع في المدينة، وقال بعزم فولاذي عجيب:
ـ والذي نفسي بيده، لئن أرادوها ( المدينة ) لأُناجزنّهم.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:30 AM
ردّ الاعتبار

طارت الأخبار إلى المدينة عما حصل في جبل أُحد، فهبّ السكّان ولا همَّ لهم سوى السؤال عن شخص واحد هو النبيّ، وسجّلوا بذلك أعظم آيات الوفاء والحب.
وبالرغم من الحزن العميق ممّا أصاب الجيش الإسلامي الذي فقد في معركته سبعين شهيداً، فقد كانت هناك فرحة مكبوتة إثر سلامة النبيّ وعودته إلى المدينة.
وباتت المدينة تلك الليلة في حالة طوارئ قصوى، فالرجال المسلّحون يحرسون مداخلها، فقد يفكّر المشركون بالعودة لمهاجمتها في لحظة من لحظات الغرور، كما ألّف الأوس والخزرج مفرزة لحماية المكان الذي يقيم فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وقد انبعثت في الأعماق ذكريات ما حصل في وادي العقبة في أوّل لقاء لهم مع النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وفي صبيحة اليوم التالي للمعركة أصدر النبيّ القائد صلّى الله عليه وآله أمراً بالاستعداد لمطاردة جيش قريش، وقد شملت الدعوة الذين اشتركوا في معركة الأمس فقط.
تحرّكت كتائب الجيش الإسلامي من جديد وسط دهشة اليهود والمنافقين، الذين ذُهلوا لحماس هذا الجيش لمطاردة العدو الذي قهرهم بالأمس.
عسكرت القوات الإسلامية في مكان يدعى: حَمراء الأسَد.
وقد فوجئ جيش المشركين الذي عسكر هو الآخر في مكان يدعى الرَّوحاء، وهو لا يبعد عن حمراء الأسدء؛ فوجئ بالنبأ الجديد، ويبدو أنّ بعض قادة الجيش في قريش قد لاموا أبا سفيان لإحجامه عن اجتياح المدينة، ولهذا عسكروا في الروحاء لتداول الرأي. وفي غمرة الجدل داهمتهم أنباء الزحف الإسلامي.
كان أبو سفيان يدرك تماماً أنّ انتصارهم في أُحد يعود إلى ترك الرماة مواقعَهم في جبل عينين، ولهذا فضّل عدم مواجهة المسلمين والاكتفاء بما حقّقوه من نصر.
حاول أبو سفيان إرهاب المسلمين من خلال إرساله التهديدات، ولكن الرسول صلّى الله عليه وآله تجاهل كلّ ذلك وأعلن تحدّيه، فظّل معسكِراً في حمراء الأسد ثلاثة أيّام، وكان المسلمون يوقدون النار ليلاً إمعاناً في التحدّي. وهكذا وجد أبو سفيان نفسه مُرغَماً على الانسحاب فيما أعاد المسلمون اعتبارهم وهيبتهم التي اهتزّت بشدّة قبل أيّام.
وفي كلّ الأحوال كانت معركة أُحد درساً بليغاً تعلّم المسلمون خلاله ضرورة الطاعة والانضباط، لأنّنا سنجد المسلمين فيما بعد لا يُمنَون بأيّة هزيمة على الإطلاق.
وفي هذا العام نزلت آية التحريم، وحطّم المؤمنون آنية الخمر في لحظة انتصار الإرادة والإيمان.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:31 AM
محاولة الاغتيال

في العام الرابع الهجري وقعت سلسلة من الحوادث التي قد تبدو من بعيد حوادث مستقلّة، غير أنّ التمعّن في بواعثها وأسبابها سيكشف عن خيط كان يربط فيما بينهما، لتُسفر فيما بعد عن نتيجة ربّما كانت الأقدار تحوكها من قبل.
بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله أربعين رجلاً من أصحابه إلى أهل نجد من أجل تعليمهم شريعة الإسلام، فغدرت بهم قبائل من بني سُلَيم، فاضطُرّوا للقتال حتّى النَّفَس الأخير.
كما وقع حادث مؤسف آخر عندما بعث الرسول صلّى الله عليه وآله سبعةً من أصحابه أيضاً إلى القبائل الضاربة قريباً من مكّة، وفي الطريق فوجئوا بكمين نصبته لهم قبائل « هُذَيل »، فقُتل رئيس البعثة مرثد بن أبي مرثد الغَنوي وثلاثة من رجاله، وأُسر الباقون تمكّن أحدهم من الإفلات، غير أنّه مات في الطريق متأثّراً بجراحه، فيما بِيع الاثنان إلى قريش فنَفّذتْ فيهما حكم الإعدام.
وبالطبع فإنّ هذين الحدثَين ينمّان عن استخفاف القبائل العربية بالمسلمين كنتيجة طبيعيّة لما حصل في « أُحد ». فمن مجموع سبعة وأربعين رجلاً لقوا مصرعهم في حادثتَي غدر جبانتَين لم يَنجُ سوى شخص واحد وهو عمرو بن أُمية الضَّمري، وقد أقدم هذا الأخير بعد أن نجا من تلك المذبحة على الثأر من بني عامر، فقتل من أفرادها اثنين دون أن يعلم أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله كان قد أعطى لهما عهداً.
ووفاءً بالعهد قرّر النبيّ دفع دِيةَ هذين الرجلين إلى أهلَيهما، وهكذا بدأت الحوادث تأخذ منحى آخر؛ ذلك أنّ معاهدةً سارية المفعول تُلزم يهود « بني النَّضير » بمشاركة المسلمين في دفع مثل هذه التعويضات، وهكذا توجّه الرسول صلّى الله عليه وآله بنفسه ومعه وفد يضمّ كبار الشخصيات الإسلامية إلى حصون بني النضير.
تظاهر اليهود بالترحيب بالوفد قائلين:
ـ نعم يا أبا القاسم، نُعينك على ما أحببت.
وفي تلك اللحظات وبسبب الطبيعة اليهودية وُلدت مؤامرة دنيئة.
كان النبيّ جالساً في ظلال الحصن ينتظر وفاء اليهود، غير أنّ هذه الطائفة من البشر التي تشرّبت الغدر جيلاً بعد جيل، قد استفزّها حضور النبي وحيداً ففكّروا باغتياله.
برقت العيون حقداً وتهامس المتآمرون فيما بينهم، وكانت الفكرة إلهاء النبي ورجاله ريثما يتسلّق ( ابن جحاش ) أسوار الحصن ويقوم بدحرجة رَحى الطاحون، ثم دفعه إلى حيث جلس النبيّ صلّى الله عليه وآله، وهكذا سوّلت لهم أنفسهم.
وأدرك النبيّ أنّ الأمور تجري بشكل غير طبيعي، فغادر الحصون عائداً إلى المدينة.
ومن هناك وجّه النبيّ صلّى الله عليه وآله إنذاراً بالجلاء عن المدينة، وأمهلهم عشرة أيّام.
ويبدو أنّ اليهود قد ذُهِلوا لهذه المفاجأة، وبدأوا على الفور استعدادتهم للرحيل؛ وهنا يتدخّل المنافقون لتفجير الوضع، وذلك بتحريض اليهود على رفض الإنذار واعِدين إيّاهم بتقديم العَون إذا اقتضى الأمر.
وهكذا رفض بنو النَّضير الإنذار، لا سيّما وقد انضمّ إليهم بنو قُرَيظة، وبدأت الاستعدادات العسكرية في حفر الخنادق وإقامة المَتاريس ونقل الحجارة إلى سطوح المنازل، وتخزين كميّات كبيرة من الطعام تكفي لمدة عام.
وفي المدينة أعلن النبيّ حالة النفير العام، وأصدر أمراً بالزحف نحو معاقل الغدر.
أقام النبيّ مقرّ قيادته في مكان قريب من الحصون، فصبّ اليهود وابلاً من السهام مستهدفين خيمة القائد، واستُدعي « عزوك » أحد رماة اليهود المشهورين لتحقيق أحلامهم بتصفية النبيّ صلّى الله عليه وآله. وبدأ هذا اليهودي بتوجيه السهام نحو الخيمة، وراحت سهامه تتساقط قريباً منها.
قرر المسلمون نقل مقر القيادة بعيداً عن مرمى السهام.
وقد وقع عزوك هذا فيما بعد في كمين نصبه له عليّ بن أبي طالب، فقُتل وقتل معه أفراده العشرة.
وانهارت مقاومة اليهود بعد عشرين يوماً من الحصار، فأرسلوا مندوبهم إلى النبيّ للتفاوض بشأن الجلاء.
وتم الاتّفاق خلال المفاوضات على ما يلي:
ـ جلاء يهود بني النَّضير عن يثرب جلاءً تاماً.
ـ تسليم كافة أنواع الأسلحة.
ـ لليهود الحقّ فيما يمكنهم حمله من الأموال مهما كانت قيمتها أو نوعها.
ـ يتعهّد المسلمون لبني النضير بسلامة أرواحهم ما داموا في المناطق الخاضعة للنفوذ الإسلامي.
وبعد الإعلان عن الاتّفاق، شرع اليهود بتخريب بيوتهم وتحويلها إلى أنقاض، وحملوا معهم أموالاً حتّى ناءت بها ستّمئة بعير، وارتدَوا أفخر ثيابهم، وحاولوا تغطية هزيمتهم بضرب الدفوف ونفخ المزامير يتقدمهم حُيَيّ بن أخطَب وغيره من زعمائهم.
وبجلاء بني النضير لم يبقَ من اليهود سوى قبيلة بني قُرَيظة. وبالطبع لم يفِ المنافقون بوعودهم، ونزلت آيات السماء تفضحهم وتُبارك نصر الإسلام.
ويبقى الشعور بالرعب ـ الذي يعدّ نتيجة طبيعيّة للخيانة والغدر ـ العامل الأساس في انهيار بني النضير وخروجهم المذلّ.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:32 AM
وبالطبع لم يعتبر المنافقون ولا يهود بني قريظة، لأننا سنجدهم يواصلون تآمرهم وغدرهم، وقد بلغت الذروة في أضخم مؤامرة يهودية ضد الإسلام، وذلك في العام الخامس الهجري.
ولا ننسى أن نُشير إلى أنّ العام الرابع الهجري شهد ميلاد الحسين بن عليّ السبط الثاني لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله بعد الحسن بن عليّ، وبهذا تبلور بشكل واضح مفهوم أهل البيت عليهم السّلام الذي ضمّ ـ اضافة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ ابنتَه وصِهره وسِبطَيه.

عام الحسم

تعدّ السنة الخامسة من الهجرة سنة للحسم، فقد واجه المسلمون فيها أكبر تحدٍّ استهدف الإسلام من الجذور، وذلك عندما شهدت الجزيرة العربية أضخم تجمّع قبلَيّ لغزو المدينة، حيث لعب اليهود دوراً قذراً في تحريض قبائل عربية عديدة وإقناعها باجتياح المدينة.
وقد سبق هذه الحادثة وقائع عديدة، فعلى الصعيد التشريعي فرض الله سبحانه الحجّ على المسلمين ما استطاعوا إليه سبيلاً، كما تمّ زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش بقضاء إلهي، ثمّ حدث الطلاق، حيث أقدم النبيّ صلّى الله عليه وآله فيما بعد على الزواج من ابنة عمته هذه، في خطوة لتحطيم عُرفٍ جاهلي كان سائداً آنذاك.


الأحزاب
ظل الصراع التقليدي بين قريش والمسلمين في مستواه، فيما نشهد تصاعد الحقد اليهودي ليتخذ أشكالاً خطيرة جداً، غير أن اليهود وحتّى العام الخامس الهجري لم يتمكّنوا من القيام بعمل حربي كبير، بل اقتصر نشاطهم على التآمر والدسّ ومحاولة تمزيق وحدة الصفّ الإسلامي، وذلك من خلال توظيف المنافقين لتحقيق مآربهم الدنيئة.
وبعد جلاء بني النَّضير عن المدينة توجّه حُيَيّ بن أخطب إلى « خيبر » يحمل معه حقده وعقده النفسية تجاه الإسلام ورسوله.
ويمكن القول أن غزوة الخندق إنّما هي مؤامرة يهودية وُلدت في حصون خيبر، وأنّ حُيَيّ بن أخطب يُعتبر العقل المدبّر لأضخم عملية عسكرية كادت أن تعصف بالإسلام.
في مطلع شهر شعبان في السنة الرابعة للهجرة، أي بعد مرور أربعة أشهر على جلاء بني النَّضير، غادر وفد يهودي بزعامة حُيَيّ بن أخطب حصون خيبر متجهاً إلى مكّة لمناقشة فكرة الغزو.
وقد تحمست قريش لمخطّط الغزو، سيّما وقد فكّر له اليهود وأسهموا في تمويله مع كونهم أصحاب كتاب سماوي، ممّا يمنح المسألة بُعداً دينياً، وقد بلغت سفالة الوفد أن أبا سفيان عندما سألهم قائلاً:
ـ يا معشر يهود، إنّكم أهل كتاب وأعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد، أفَدِيننا خيرٌ أم دينه ؟
فأجابوا بكلّ خسّة ووقاحة:
ـ بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه.
لقد بلغ حقدهم أن فضّلوا الوثنيّة على ديانةٍ تدعو إلى عبادة الإله الواحد الأحد.
غادر الوفد اليهودي مكّة إلى مضارب غَطفان في بادية نجد للقاء عُيَينة بن حصن الفزاري زعيم أكبر تجمّع قبليّ في الجزيرة العربية.
وكان الفزاري هذا يتميز بالغِلظة والجفاء إضافة إلى حَماقة، ورغم كلّ هذا فقد كان السيّد المطاع في غطفان..
ولم يصرف الوفد وقتاً طويلاً في إقناع زعيم غطفان بفكرة الغزو، سيّما وأنّ فكرة اجتياح المدينة ونهبها كانت حُلماً لمعظم القبائل العربية منذ مأساة أُحد.
وأسفرت المفاوضات عن اتّفاق يقضي بالتزام غطفان بتجنيد ستة آلاف محارب مقابل تقديم اليهود ثمن محصول خيبر من النخيل لسنة واحدة.
أبلغ الوفد زعماء مكّة بتفاصيل الاتّفاق من أجل التنسيق بين قوّات الأحزاب؛ وعمّت قريشاً موجةٌ من الفرح الممزوج بالحقد والانتقام.
وهكذا اندمج الخبث اليهودي والحقد القرشي والأطماع الغطفانية ليُسفر عن جيشٍ كبير بلغ تعداده عشرة آلاف مقاتل.
كانت المعلومات التي حصل عليها النبيّ صلّى الله عليه وآله تؤكّد بشكل جازم عن نيّة الاتّحاد الثُلاثي ـ إذا صحّ التعبير ـ في احتلاله المدينة، فاتّخذ الرسول صلّى الله عليه وآله إجراءات سريعة بعقد اجتماع عسكري ضمّ الشخصيات الإسلامية البارزة لمواجهة التحدّي الجديد.
ولما كانت قوّة الغزو ضخمة بشرياً، فقد تقرّر التحصّن في المدينة نفسها.
كانت تضاريس الأرض المحيطة بالمدينة تشير إلى أنّ الأحزاب سوف يختارون شمال المدينة هدفاً للاجتياح؛ ولهذا تركّز الاهتمام في هذه المنطقة لاتّخاذها منطقة تحشّد دفاعية.
وفيما كان المسلمون في جَدَل حول خطّة الدفاع، طرح سلمان الفارسي الذي اعتنق الإسلام حديثاً فكرةَ الإنقاذ التي تتلخّص في حفر خندق يحول دون تقدّم الغزاة في احتلال المدينة، وقد تحمّس المسلمون لهذه الخطّة وباركها النبيّ، فكانت في طليعة الاستعدادات العسكرية لمواجهة الغزو، إن لم تكن محورها الرئيسي.
وهكذا بُوشِرت عمليات الحفر في مطلع شهر رمضان المبارك، وحمل المسلمون وسائل الحفر في أضخم عملية دفاعية تشهدها الجزيرة العربية لأول مرّة.
وكان على الجيش الإسلامي أن يحفر خندقاً بطول خمسة آلاف ذراع، وبعرض تسعة أذرع، وبعمق سبعة أذرع.
وكانت عمليات الحفر تمضي قدماً مدّة شهر كامل في ظروف شاقّة، فقد كان الفصل شتاءً ورياح ( كانون ) شديدة البرودة، إضافة إلى محاولات التخريب وتثبيط الهِمم التي كان يقوم بها عادةً المنافقون ومن ورائهم اليهود.
غير أنّ مشاركة النبيّ صلّى الله عليه وآله في أعمال الحفر قد ذلّلت كثيراً من الصعوبات وبعثت روح الحماس في نفوس المدافعين.
كما أنّ شهر رمضان حيث رحلة الجوع والظمأ المقدسة، قد صنعت إرادةً أصلب من الجبل وأقوى من رياح كانون القارسة البرد.
ولا ننسى أن نُشير إلى ذلك المشهد المؤثّر يوم حملت فاطمة الزهراء طعاماً إلى والدها العظيم وانطلقت به نحو الخندق، وكان عبارةً عن رغيف خبز أعدّته بنفسها، وجلس النبيّ صلّى الله عليه وآله يتناول طعام الإفطار وهو يتمتم شاكراً:
ـ والله ما دخل جوفي طعام منذ ثلاث.
وعادت فاطمة إلى منزلها تبكي من أجله.. من أجل آخر الأنبياء، حيث تتآمر القبائل العربية واليهود والذين في قلوبهم مرض لقتله وإطفاء النور الذي جاء به.
وكانت عملية حفر الخندق تتزامن مع عمليّة أُخرى، هي جمع المحاصيل الزراعية خارج المدينة وإدخالها لكي لا يستفيد منها العدو؛ إضافةً إلى نقل النساء والأطفال وتجميعهم في الحصون والمواقع المنيعة الآمنة، والقيام بأعمال الدوريّة أثناء الليل تحسّباً للطوارئ.
أنهى الجيش الإسلاميّ أعمال الحفر قبل ثلاثة أيّام من وصول قوات العدوّ، واتّخذوا مواقعهم قريباً من الخندق.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:33 AM
الهاجس اليهودي

كانت خطة الغزو تقضي باندفاع جيوش الأحزاب من الشمال على شكل قَوس؛ وفي نفس الوقت يقوم يهود بني قربظة ـ وهم في حدود الألف مقاتل ـ بمفاجأة الجيش الإسلامي وطعنه في الظهر.
وبالرغم من وجود معاهدة بين المسلمين وبني قريظة تُلزم الطرفين بالدفاع المشترك عن المدينة، إلا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يدرك أنّ النفسية اليهودية نفسيّة معجونة بالخيانة والغدر، ولهذا أخذ بنظر الاعتبار قيام اليهود بضربة مفاجئة، فاحتاط للأمر، فانتخب لحراسة المدينة مفرزتَين وكلّفهما القيام بأعمال الدوريّة حول منازل بني قريظة.
أحدقت جيوش الأحزاب بالمدينة من الشمال، وكانت المفاجأة عندما رأى أبو سفيان ومعه مدبّر فكرة الغزو اليهودي حُيَيّ بن أخطَب شيئاً عجيباً!
رأى الغزاة أحلامهم تتبخّر أمام خندق هائل. وتمتم أبو سفيان بحقد:
ـ إنّ هذه المكيدة ما كانت العرب تعرفها.
ولم يكن من خيار أمام الأحزاب سوى فرض الحصار.
كانت الظروف في غاية الخطورة، فعشرة آلاف مقاتل خارج المدينة ينتظرون الفرصة للانقضاض، وفي الداخل فاحت رائحة الغدر اليهودي، فقد ينقضّ ألف مقاتل لطعن خاصرة الجيش الإسلامي.
وكان المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتسلّلون هاربين من صفوف القوّات الإسلامية عائدين إلى منازلهم، حتّى لم يبقَ مع النبي من مجموع ثلاثة آلاف سوى ألف مقاتل فقط.
وفي هذه الظروف الخطيرة قام النبي صلّى الله عليه وآله بمناورة سياسية لتخفيف الضغط عن المدينة، خاصّة وقد أعلن اليهود نقضهم المعاهدة مما فَتّ في عَضُد المسلمين الذين أصبحوا يترقّبون الطعنة اليهودية بين لحظة وأخرى.
وفي ليلة عاصفة استدعى النبي زعيم قبائل غَطفان عُيَينة بن حصن الفزاري للاجتماع به والتفاوض معه حول صيغة للسلام.
كان النبيّ يدرك أن بواعث غَطفان في عملية الغزو هو الطمع في الأسلاب ونهب المدينة.
استجاب القائد الغطفاني وتسلّل مع الحارث بن عوف سرّاً حيث وجدا مَن يساعدهما على اجتياز الخندق ثمّ ارشادهما إلى مقرّ القيادة الإسلامية.
عرض النبيّ فكرة الاتّفاق، وهي توقّف غَطفان عن القيام بأيّ عمل حربيّ والانسحاب؛ في مقابل ذلك يدفع المسلمون ثُلُث محصول المدينة من الثمار لمدّة عام واحد.
وقد وافق زعيم غطفان على الفور، وقبل تحرير الاتفاق اشترط النبيّ موافقة الأوس والخزرج، لأنّ ثمار المدينة ملك لهاتَين القبيلَتين.
لهذا استدعى النبيّ سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، وعندما حضر الزعيمان واطّلعا على نصّ الاتفاق قال سعد بن معاذ:
ـ يا رسول الله! أمرٌ تحبّه فتصنعه، أم شيءٌ أمَرك الله به ؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ لو أمرني الله ما شاورتُكما.. ولكن رأيتُ العرب قد رَمتْكم عن قَوسٍ واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم.
قال سعد:
ـ يا رسول الله، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم ( غَطفان ) على الشرك بالله وعِبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منّا ثمرة إلاّ قِرىً ( ضيافة ) أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزّنا بك وبه نقطعهم أموالنا ؟! والله لا نعطيهم إلاّ السيف.
ابتسم النبيّ لهذا الحماس، فيما لمس القائد الغطفاني إصراراً عجيباً على الاستبسال حتّى الموت، فنهض مغادراً خيمة الرسول صلّى الله عليه وآله وفي نفسه تصميم على العودة والانسحاب، وتناول سعد صحيفة الاتفاق ومحا بنودها.
حقق اللقاء أهدافه السياسية، لأن غطفان أوقفت عملياتها العسكرية على الرغم من مرابطتها في مواقعها.
ظل الموقف على حاله.. مناوشات بالسهام، ودوريات قتالية تجوب جانبَي الخندق لدى الطرفين.
ثمّ حدث تطوّر عسكري خطير عندما نفّذ فريق من قوات الغزو عمليّة اقتحاميّة جريئة في محاولة لنقل المعركة إلى ما وراء الخندق في داخل المدينة؛ ويبدو أن قائد المفرزة عمرو بن ودّ ـ الذي كان معدوداً في أبطال قريش يتمتّع بلياقة حربية عالية ـ جعلت الكثيرين يُحجِمون عن مواجهته.
عبرت المفرزة الخندق، وراح عمرو بن ود يسخر من الجيش الإسلامي؛ وبالطبع لم يَطُل ذلك، فقد نهض بطل الإسلام الخالد عليّ بن أبي طالب للمواجهة، وتلقين الغزاة درساً في فُروسية لم تشهد الجزيرة لها نظيراً.
عرض عليّ بن أبي طالب على خصمه اعتناق الإسلام؛ فرفض، ثمّ عرض عليه الانسحاب والعودة من حيث جاء، بالطبع رفض ذلك أيضاً، ولم يبق سوى الخيار الثالث، فقال عليّ عليه السّلام:
ـ أدعوك إلى القتال.
وعدّ الفارس الذي عبر الخندق هذه الدعوة تحدّياً، فقفز من فوق فرسه، وسدّد لعلي ضربة جبّارة تفاداها فتى الإسلام، الذي ردّ الضربة بأقوى منها، لتكون فيها نهاية المعتدي.
كبّر الجيش الإسلامي وعلت في الفضاء هتافات « الله أكبر »، وإثر ذلك فرّ أفراد المفرزة فقُتل أحدهم وجُرح بعضهم.
وتكرر حادث الاقتحام، إذ اندفع نوفل بن عبدالله بن المغيرة لعُبور الخندق، فابتلعته الهوّة لتكون فيه نهايته.
عرض أبو سفيان مئة من الإبل مقابل انتشال جثته، غير أنّ النبيّ رفض ذلك وسمح لهم بانتشاله دون مقابل، قائلاً:
ـ خذوه فإنّه خبيث؛ خبيث الدية.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:33 AM
تحرّكات يهودية

حاول اليهود القيام بعمل حربي ما، فأرسلوا أحد جواسيسهم للقيام بمهمّة استطلاعية.
وشاهدَت صفيّة عمّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وشقيقة حمزة الشهيد، ذلك اليهوديّ، وكانت ترعى النساء والأطفال في أحد الحصون، فلفتت نظر حسان بن ثابت الشاعر إلى الخطر، غير أنّ الأخير أحجم عن مُنازلته، فاضطُرّت صفيّة إلى ترك الحصن ومنازلة اليهودي الذي لقي مصرعه على يدها.
وقد أثار ذلك الحادث مخاوف اليهود الذين ظنوا أنّ النبي قد خصّص قوات كبيرة لحماية تلك المنطقة.
مرّت ثلاثة أسابيع أخفقت خلالها كل المحاولات من أجل اجتياز الخندق وحسم الموقف.
وفي محاولة لإرهاق أعصاب المسلمين، قرّر أبو سفيان القيام بعمليات التجوال على الخيل ليل نهار، وكان يتناوب على قيادة الفرسان خالد بن الوليد وعِكرمة بن أبي جهل؛ وقد لعبت هذه المناورات والرياح الباردة الشديدة وإشاعات المنافقين دوراً في زعزعة معنويات المسلمين إلى حدٍّ ما، .
وعندما أوشك الأُسبوع الرابع على الانتهاء تسلّل نعيم بن مسعود ـ وهو من قبائل غطفان ـ إلى المعسكر الإسلامي وعرض على النبيّ اعتناق الإسلام، وأنّه مستعد منذ الآن للقيام بأيّة مهمة.
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد أن لمح فيه ذكاءً غير عادي:
ـ إنّما أنت فينا رجلٌ واحد، فخذِّل عنّا ما استطعت، فإنّ الحرب خُدعة.
وانطلق نعيم بن مسعود من فَوره إلى حصون قريظة، ثمّ كرّ عائداً إلى معسكر الأحزاب



رياح النصر

اشتد هبوب الرياح وبلغت شدّتها أنّها كانت تجتثّ أوتاد الخيام، وتُطفئ النيران، وكانت تلك الليلة العاصفة، ليلة شديدة السواد، وقد غمر الظلام الأشياء وأحاطها بغلالة من الغُموض والأسرار.
ورفع النبيّ صلّى الله عليه وآله يدَيه إلى السماء يستمدّها النصر، وانفتحت أبواب السماء بالنصر، وبدت العاصفة مزمجرة غاضبة، تمزّق خيام الذين كفروا أنّهم لا إيمان لهم.
كان أبو سفيان القائد العام قد قرّر خَوض المعركة الحاسمة بأيّ ثمن، غير أنّ الرياح العاتية والأمطار الرعدية الغزيرة قلبت الأُمور رأساً على عقب. وإذا بأبي سفيان يعقد جلسة طارئة لبحث فكرة الانسحاب قائلاً:
ـ يا معشر قريش! لقد هلك الكراع والخُفّ، وأخْلَفَتْنا بنو قريظة وبلغَنا عنهم ما نكره، ولقينا من شدّة الريح ما تَرَون، ما تطمئنّ لنا قِدر، ولا تقوم لنا نار، وما يستمسك لنا بِناء، فارتحلوا فإنّي مُرتحل.
وفي غمرة الظلام بدأت الاستعدادات للانسحاب، فيما قامت فرقة من الفرسان بتغطية عملية الانسحاب وحماية مؤخّرة جيش الأحزاب من هجوم مُحتمَل قد يشنّه المسلمون.
وعندما أشرقت شمس اليوم التالي إذا بالجانب الآخر من الخندق يروي قصّة فِرار الأحزاب.
كان منظر الخيام الممزّقة والرماد والأوحال والخُيول الميتة، يصوّر ببلاغة مدى رعب الليلة الفائتة.
عمّت الفرحة رُبوع المدينة وقد صدق الله وعده

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:34 AM
النبيّ صلّى الله عليه وآله أمره إلى جُنود الإسلام بالعودة إلى منازلهم بعد حصارٍ دام ثلاثين يوماً، وقد أبلغ الرسول رجاله أنّ هذا الغزو سيكون آخر محاولة عسكرية تقوم بها قريش:
ـ لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا.
حصاد الغدر

أيقن يهود بني قريظة بأنّ ساعة القصاص قد حانت، وأنّ لهم أن يحصدوا نتائج غدرهم وخيانتهم؛ فاختبأوا خلف حصونهم.
لقد ارتكبت هذه القبيلة التي تعمل في دباغة الجلود خيانة مزدوجة، فهي لم تتناسَ معاهدة الدفاع المشترك عن المدينة في حال تعرّضها إلى غزوٍ ما، بل راحت أبعد من ذلك في دعم الغزاة والتفكير في طعن الجيش الإسلامي من الخلف.
وبعد يوم واحد من رحيل جيوش الأحزاب، أعلن النبيّ الحسم مع اليهود، إذ ارتفع صوت بلال:
ـ مَن كان سامعاً مطيعاً فلا يصلّينَّ العصر إلاّ في بني قريظة.
وسلّم النبيّ اللواء إلى بطل الإسلام عليّ بن أبي طالب قائلاً له:
ـ كُن في مقدمة الجيش واسبِقنا.
وانطلق عليّ يقود فصائل المقاتلين، حتّى إذا أشرفوا على الحصون انهالت الشتائم على النبيّ، فردّ عليّ بأدب الإسلام:
ـ السيف بيننا وبينكم.
وصل النبيّ صلّى الله عليه وآله وقد أحكم المسلمون الحصار؛ وكان الشرط الوحيد الاستسلام دون قيدٍ أو شرط.
وبعد عشرين يوماً بعث اليهود وفداً للتفاوض وترتيب عملية الجلاء أُسوة بإخوانهم بني النضير.
وكان موقف الجانب الإسلامي ثابتاً لا يتزحزح، وعرض اليهود مرّة أخرى ـ بعد أن بلغ الحصار ذروته ـ استعدادهم للجلاء عن يثرب وتركهم كلّ ما يملكون للمسلمين.
كان اليهود يُماطلون في الاستسلام، فأصدر النبيّ أمراً بالاستعداد للهجوم واقتحام الحصون عنوة.
وعندما شاهد اليهود تأهّب الكتائب الإسلاميّة، وانتظارها إشارة البد، طلبوا إيقاف الهُجوم، وأعلنوا استسلامهم دون قيد أو شرط.
وألقى اليهود السلاح وبادروا إلى فتح حصونهم وقلاعهم، وهتف سعد بن معاذ وقد رضي حكمه الجميع:
ـ آن لسعد أن لا تأخذه في الله لَومةُ لائم.
كان سعد يعرف « التوراة » حيث حرّفوا الكَلِم عن مواضعه ليسوموا البشر الموت والفناء.
كان يدري ما في الاصحاح من التثنية من ريح صفراء لا تُبقي ولا تذر: « حين تقترب من المدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصُلح وفتحت لك، فكُلّ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الربّ إلهك إلى يدك فاضرب جميعَ ذُكُورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة غنيمة تفتحها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الربّ إلهك ».
وهكذا أذاقهم سعد حكم توراتهم التي حرّفوها بأنفسهم وأذاقوها الأُمم، وسقطت رؤوس الخيانة والغدر بما في ذلك رأس حُيَيّ بن أخطب مخطط فكرة الغزو والفناء.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:35 AM
ملوك العالم

فكّر النبيّ بعد معاهدة السلام في نشر الإسلام عالميّاً، ولعلّ قريشاً وغيرها من القبائل العربية فُوجئت بأنباء الصحراء وهي تتحدّث عن فرسان مسلمين يحملون رسائل النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى ملوك العالم.
كان النبيّ صلّى الله عليه وآله قد اتّخذ خاتماً فِضّياً منقوشاً عليه « محمّد رسول الله » لتوقيع رسائله.
وانطلقت خُيول الإسلام تحمل دعوة النبيّ لدخول الدين الجديد.
فقد انطلق دِحْية الكلبي يحمل رسالة النبيّ إلى إمبراطور الروم:



بسم الله الرحمن الرحيم
من محمّد رسول الله إلى هِرَقل عظيم الروم
سلامٌ على مَن اتّبع الهُدى.
أمّا بعد؛ فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِم تَسْلَم يُؤتِكَ اللهُ أجرَك مرّتين، فإن تولَّيتَ فإنّما عليك إثم الأريسيين
وتتابعت رسائل النبيّ.. رسالة إلى كسرى ملك الفرس، ورسالة إلى النَّجاشي ملك الحبشة تضمّنت أيضاح السماح لجعفر بن أبي طالب والمهاجرين بالعودة، ورسالة إلى المُقَوقِس ملك مصر، ورسالة إلى الحارث الغسّاني أمير دمشق من قِبل هِرَقل، ورسالة إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين، ورسالة إلى باذان حاكم اليمن. وقد اعتنق الأخيران الإسلام.



حصون السامري

تخللت فترة السلام التي أعقبت « صلح الحُدَيبية » بعض العمليات العسكرية، في طليعتها تساقط حصون خَيبر وقِلاعها في قبضة الجيش الإسلامي الزاحف.
وقد تفجّر الوضع بعد أن تناقلت الأنباء عن تحرّكات يهودية في الظلام ولقاءات مشبوهة مع قبائل غَطفان لغزو المدينة.
لقد كان الرسول صلّى الله عليه وآله يُدرك أبعاد الخطر اليهودي، ولهذا كان فرسان الدوريّات يجوبون الصحراء بين مضارب غطفان وحصون خيبر لرصد التحرّكات المشبوهة، وعندما تأكّد النبيّ من المؤامرة، عبّأ جيشه زاحفاً باتّجاه حصون الغدر اليهودية.
وقد تحركت القوات الإسلامية بأقصى سرعتها متّجهة إلى عرض الصحراء واحتلال الطريق بين مضارب غطفان وحصون خَيبر، ثمّ انكفأت باتجاه خيبر لقطع الطريق على أي تنسيق محتمل أو وصول نجدات من غطفان إلى خيبر.
بلغ تعداد الجيش الإسلامي ألفاً وأربعمائة مقاتل، يشكّل سلاح الفرسان مئتي فارس، وكانت راية العقاب تخفق فوق هامة النبيّ صلّى الله عليه وآله.
بدت الحصون ذلك الفجر ككائنات أُسطورية مخيفة تجثم فوق الأرض، والصحراء برمالها المتموّجة تترقّب معركة وشيكة.. معركة سيكون لها شأن.
اجتاح المسلمون المناطق المشجَّرة ما بين الحصون، وبَدَت الجدران الصخرية لـ « النطاة » و « الصعب » و « ناعم » و « الشقّ » و « القموص » و « سلالم » ثابتة في وجه الهجمات الإسلامية، ودارت معارك ضارية في الشوارع.
سقط خمسون جريحاً من المسلمين واستُشهد محمّد بن سلمة، وأخفقت الحملات الإسلامية في احتلال أيّ من الحصون، وكان اليهود يسخرون من الجيش الإسلامي متباهين بشجاعة أبطالهم.
بان الغضب على وجه النبي فهتف:
ـ لأُعطينَّ الرايةَ غداً رجُلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه.
نشر الظلام ستائره، واشتعلت مواقد في قلب الليل.. والنسائم تداعب سعفات النخيل، ودارت همسات حالمة: تُرى مَن سيَحظى بهذا المجد غداً ؟
طلع الفجر وتنفّس الصباح، واستيقظت الكائنات لتبدأ يوماً جديداً.
تحلّق المسلمون حول النبيّ صلّى الله عليه وآله يتطلّعون إلى رجُل يحبّ اللهَ ورسوله ويحبّه اللهُ ورسوله، ولم يَطُل الانتظار إذ هتف النبيّ:
ـ أين عليّ ؟
وتقدّم فتىً في الثلاثين أو يزيد.. أمسك براية العُقاب وراح يُصغي إلى صوتٍ سماوي.
ـ إنفذ على رَسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعُهم إلى الإسلام، فإن لم يستجيبوا فقاتِلهم.. انطلِقْ، فَتَح اللهُ عليك.
هَرولَ عليّ ليبعث الحماس في جنوده، فبدا بحُلّته الأُرجوانية جمرةً متألقة. وعندما صار قريباً من « القموص » خلع درعه ليكون أكثر قدرة في الحركة، وأمر جنوده أن يفعلوا ذلك.
رفض اليهود ساخرين دعوة الإسلام ونداء السلام، وكان الخيار الوحيد هو إحراق العجل.
كان منظر عليّ بلا درع قد حرّك شهوة الغدر والانتقام في نفوسهم.. فراح أبطالهم يخرجون مُدجَّجين بالسلاح وكانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر عند قدميه.
الذين كانوا يراقبون الصراع أدركوا أنّ هناك سرّاً في انتصار عليّ..
رأوا بأُمّ أعينهم كيف يُهزم الحديد أمام قلب المؤمن.
وهبط مَرْحَب درجات الحصن كتلةً هائلة من الحديد والبأس والغدر، في قبضته حربة ذات ثلاثة رؤوس كأفعى أُسطوريّة.
تقدّم مرحب ينقل خُطاه المُثقَلة. الزَّرد والحديد، ليس هناك في كلّ جسده الفارع ثغرة يمكن للسيف أن ينفذ فيها.
وتوقّع المسلمون واليهود.. توقّعوا جميعاً نهاية عليّ. تقدّمت كتلة الحديد.. وانطلقت الحربة برؤوسها الثلاثة وكادت أن تخترق صدر عليّ وتمزّق قلب الإيمان.
رجع عليّ إلى الوراء ثمّ قفز في الهواء ليهوي بضربة هائلة أودعها غضب السماء. وتحطم الحديد. مرّت لحظةُ صمتٍ قبل أن ترتطم كتلة هائلة بالأرض مُحدِثةً دويّاً تنخلع له القلوب المذعورة.. لقد قَتَلَ داودُ جالوتَ.. واندفع عليّ بعد أن حطّم الغرورَ اليهودي إلى باب الحصن لينتزعه وسط دهشة الجميع، وأصبح جسراً فوق الخندق يتدفّق عبره المهاجمون.. وسرعان ما سقط « القموص » و « الوطيح » و « السلالم ».. وسقطت خيبر كلها.
وفي غمرة الفرح وصل جعفر على رأس عشرات المهاجرين إلى الحبشة، فتضاعفت فرحة النبيّ فقال والبسمة تشرق في وجهه:
ـ ما أدري بأيّهما أشدّ سُروراً: بقُدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟!
ومع سقوط خيبر تقوّض النفوذ السياسي والعسكري، وحتّى الاقتصادي لليهود في شبه الجزيرة العربية.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:36 AM
انهيار الوثنية

أعقب سقوط خيبر استسلام اليهود في فدك، ثمّ وقع حادث له دويّه في شبه الجزيرة العربية، فقد قرّر النبيّ صلّى الله عليه وآله إرسالَ حملة تأديبية إلى الممالك العربية الموالية للرومان، إثر مصرع مبعوثه إلى هِرَقل على يد شُرَحبيل بن عمرو الغسّاني.
بلغ عدد جنود الحملة ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زيد بن حارثة، فإن استُشهد فجعفر بن أبي طالب، فإن استُشهد فعبد الله بن رواحة.
وفي جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة تقدّم الجيش الإسلامي يطوي المسافات باتجاه الشمال، تتألّق في نفوس الجنود وصيّة الرسول الخالدة:
ـ اُوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيراً:
اغزوا باسم الله.
فقاتِلوا عدوَّ الله وعدوَّكم بالشام.
وستجدون فيها رجالاً في الصوامع معتزِلين، فلا تتعرّضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ولا كبيراً فانياً.
ولا تقطعوا شجرةً ولا تهدموا بناء.
ومهما كانت بواعث الزحف الإسلامي فإنّه يجسّد بشكل واضح عالميّة الإسلام؛ خاصّة وقد سبق هذا التحرّكَ العسكري رسائلُ مهمّة إلى ملوك العالم آنذاك.
وفي « مُؤتَة » من أرض البَلقاء في تُخوم الشام تقابلَ الجيشان، لقد تعدّدت الروايات حول ضخامة الجيش الروماني، فأشار بعضها إلى أنّه ناهز المئتي ألف، يؤلّف الرومان نصفه، فيما يشكّل التجمّع العربي النصف الآخر.
وتجدر الإشارة إلى أن تُيودور كان القائد العام للجيش الروماني.
لم تفكّر القيادة الإسلامية بالتراجع أمام التفوّق الساحق للعدوّ، وقررت خوض المعركة ما دامت الشهادة تمثّل إلى جانب النصر هدفاً آخر وهي إحدى الحُسْنيَين.
وقد ذُهِل الرومان أمام استبسال المسلمين واعتدادهم بأنفسهم واندفاعهم إلى الموت، وتساقَطَ قادةُ الحملة شهداء في أرض المعركة، فتولّى القيادة العامة خالد بن الوليد الذي اعتنق الإسلام حديثاً، وقرّر الانسحاب وإنقاذ الجيش الإسلامي من الإبادة.
انتهز القائد الجديد حُلول الظلام وقام بتنظيم عملية انسحاب سريعة عبر الصحراء.
وفي فجر اليوم التالي فوجئ الرومان بالانسحاب وتطلّعوا متهيّبين إلى الصحراء، وقرّر تيودور العودة وعدم المغامرة باختراق الصحراء.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:36 AM
العدوان على السلام

في شهر رمضان خَرَقت قريش وحلفاؤها من بني بكر اتّفاقَ السلام، فقد قامت قبيلة بني بكر بالإغارة على مضارب خزاعة ليلاً وأعملت فيها السيف. وبالرغم من لجوء الأخيرة إلى بيت الله الحرام فقد استمرّ المعتدون بمطاردتها، ومحاولة استئصالها؛ ولا ننسى أن نشير إلى أنّ هذه الغارة تمّت بتحريضٍ من قريش التي تجاوزت التحريض إلى الدعم بالمال والسلاح.
وفي غَمرة الأحداث انطلق عمرو بن سالم صوب المدينة مطلقاً صرخة استغاثة ومُذكِّراً بالتحالف، بل واعتناق أفراد قبيلته للإسلام.
وقد تأثر النبي صلّى الله عليه وآله بشدّة وقال:
ـ والذي نفسي بيده، لأمنعنّهم مِمّا أمنع منه نفسي وأهل بيتي.
أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله الوفد الخزاعي اتّخاذ جانب السرّية في العودة وعدم إبلاغ أحد بسفر الوفد إلى المدينة.
ويبدو أن قريش قد شعرت بالندم جرّاء ما حصل، وأنّها لن تحصد من عملها سوى المرارة، فتوجّه أبو سفيان بنفسه ـ رغم كلّ المخاطر ـ إلى المدينة في محاولة لتأكيد صلح الحديبية.
وقد أخفق أبو سفيان في مهمته وعاد إلى مكّة مذعوراً، خاصّة وأنّه لم يَلْقَ ترحيباً حتّى من لَدُن ابنته أمّ حبيبة زوجة النبيّ صلّى الله عليه وآله، ولعله أُصيب بالدهشة بعد أن طوت فِراش النبيّ عندما أراد الجلوس عليه قائلة:
ـ إنّه فراش رسول الله، وأنت مُشرِك نجس.
وهكذا ظلّت مكّة تعيش هاجس القصاص الإسلامي القادم من الشمال.
وفي المدينة المنورة بدأت الاستعدادات في تعبئة جيش كبير مؤلّف من عشرة آلاف مقاتل، وبالرغم من ضخامة الجيش الإسلامي فإنّ الرسول صلّى الله عليه وآله أكّد على جانب السرّية في التحرك بغية مفاجأة قريش وإرغامها على فتح أبواب مكّة دون قتال.
وخلال هذه الفترة برز في مكّة تياران: معتدل ومتطرف، وكانت هند زوجة أبي سفيان تتزعّم التيار الأخير، فيما كان أبو سفيان نفسه يمثّل التيار المعتدل من خلال قناعته بعجز مكّة عن مواجهة القوّة المتنامية للإسلام، سيّما وأنّ رحلته الفاشلة إلى المدينة قد كرّست في أعماقه شعوراً مريراً بالعجز.
وبالرغم من اتّخاذ جانب السرّية في تحديد أهداف الحملة، تسرّبت الأنباء إلى حاطب بن بلتعة، فسوّلت له نفسه بإطلاع قريش، فسطّر رسالة عاجلة واستأجر امرأة لهذه المهمة.
هبط الوحي يُخبر النبيّ بما فعل الصحابي، فبعث النبيّ صلّى الله عليه وآله علياً والزبير على وجه السرعة لانتزاع الرسالة منها، وفي مكان يُدعى « الحليفة » قريباً من المدينة لحق الفارسان بها.
أنكرت المرأة الرسالة جُملةً وتفصيلاً، وفتّش الزبير الرحل بدقّة فلم يعثر على شيء، وتراجع الزبير أمام إنكارها وبُكائها وهي تذرف دموع التماسيح، فقال لعلي:
ـ ليس معها شيء، إرجع بنا إلى رسول الله نُخبره ببراءتها.
غير أنّ علياً عليه السّلام الذي لا يُساوره الشك فيما أخبره رسول الله، اخترط سيفه وهدّد المرأة إذا لم تُسلّم الرسالة.
وهنا انهارت المرأة واعترفت بحقيقة الأمر، وسلّمت الرسالة بعد أن استخرجتها من جدائل شعرها.
وهكذا أمكن للنبيّ صلّى الله عليه وآله الزحف باتجاه الجنوب في سرّية تامّة، حتّى إذا وصل المرتفعات المطلة على مكّة عسكر بقوّاته، وفوجئت قريش بتوهّج النيران فوق المرتفعات وكان منظراً مهيباً، حدا بأبي سفيان وزعماء آخرين إلى التوّجه نحوها لمعرفة ما وراءها.
وقال أبو سفيان مبهوراً:
ـ ما رأيت كالليلة نيراناً ولا عسكراً.
فردّ بديل بن ورقاء:
ـ هذه نيران خزاعة خمشتها الحرب.
قال أبو سفيان:
ـ خزاعة ألأم من ذلك وأذل.
وفي غمرة الظلام وحينما كان العباس بن عبدالمطلب عمّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يقوم بمهمة وساطية لاستحصال الأمان لبعض أهل مكّة، سمع الحوار فهتف بأبي سفيان:
ـ يا أبا حنظلة!
ـ أبو الفضل ؟!
ـ نعم.
وملأت الغبطة قلب أبي سفيان وهو يرى خشبة النجاة.
ـ لبيّك يا أبا الفضل! ما وراءك ؟
ـ هذا رسول الله قد دلف إليكم بما لا قِبَل لكم به.. عشرة آلاف من المسلمين.
فقال أبو سفيان منهاراً:
ـ فما تأمرني به ؟
ـ تأتي معي فآخذ لك أمانا من رسول الله.
وانطلق أبو سفيان مع العباس إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله الذي أجّل اللقاء إلى غد.
وفي الصباح كانت مقاومة أبي سفيان قد بلغت درجة الصفر، وأعلن استسلامه باعتناق الإسلام.
وأراد النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يحطّم كلّ الأحلام الوثنية التافهة، فأمر العباس أن يأخذ أبا سفيان فوق المرتفعات ليرى بنفسه قدرة الجيش الإسلامي وتنامي قوّته.
وكانت الكتائب الإسلاميّة تمرّ أمام ناظرَيه، وكان أبو سفيان مبهوراً يتضاءل حتّى غدا كذُبابة، وعندما مرّت الكتيبة الخضراء سأل أبو سفيان:
ـ من هؤلاء ؟!
فقال العباس:
ـ هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار.
وهنا أعلن أبو سفيان استسلامه.
ـ ما لأحد بهؤلاء طاقة.
وأردف بشيء من الحقد والضيق:
ـ لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً!
فالتفت العباس إليه وقال بانفعال:
ـ إنّها النبوة يا أبا سفيان.
فردّ أبو سفيان مهزوماً.
ـ نعم.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:37 AM
وجاء الفتح

قال العباس للنبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر في قومه.
فقال النبي:
ـ مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن.
ومَن دخل المسجد فهو آمِن.
ومَن أغلق بابه عليه فهو آمن.
وانطلق أبو سفيان يُحذّر مكّة من مَغبّة العناد، وأن تفتح أبوابها للفاتحين.
وفي المسجد الحرام.. وبينما كان الزعماء يتداولون الرأي حول المواقف، دخل أبو سفيان وهتف:
ـ هذا محمّد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به.. فمَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
اشتعل الحقد في نفس هند وهجمت على زوجها تُنشب أظافرها في وجهه وصاحت:
ـ اقتُلوا الحميت الدسم الأحمس
وتهكّم بعضهم:
ـ وما تُغني عنّا دارُك ؟!!
فردّ أبو سفيان:
ـ ومَن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وعاشت مكّة لحظات مصيرية، وأقفرت الشوارع والأزقة من المارّة والعابرين، وبدت المدينة مهجورة، فيما كان المسجد الحرام يغصّ بالناس، والأصنام تحدّق ببلاهة.
كان منظر قوّات الإسلام مهيباً، فالنبيّ فوق ناقته مطرق الرأس تواضعاً، ولم تَبدُ على وجهه المضيء أيّة إشارة على التشفّي والانتقام، ولعلّ المشركين فُوجئوا بصورة النبيّ وهو يدخل مكّة فاتحاً بعد ثمانية أعوام، منذ أن هاجر منها شريداً.
دخلت القوات الإسلامية من بوّاباتها الأربع، ولم تواجه مقاومة تُذكَر، باستثناء الرتل الذي كان يقوده خالد بن الوليد، حيث تجمع المتطرّفون من قريش بقيادة عِكرمة بن أبي جهل يُساندهم بنو بكر في أحد المنعطفات وأمطروا الرتل الإسلامي بوابل من السهام، ولكنّهم سرعان ما تشتتوا لدى أوّل هجوم، وهكذا تمّ فتح مكّة.
وكان الجميع يراقبون ما يصنع النبيّ بعد كلّ هذه المعاناة، وبعد كلّ هذا الصراع المرير والدماء والتعذيب والاضطهاد الذي واجهه منذ أن التقت السماء بالأرض في جبل حِراء.
تقدّم النبيّ بتواضعه وأدبه العظيم إلى الحجر الأسود فاستلمه وقبّله، وطاف بالبيت العتيق، وكانت الأصنام ما تزال تحدّق ببلاهة.
ومرّ النبي يهشم الأصنام بعصاه، وراحت الأوثان العربية تتهاوى أنقاضاً كما لو أنّ زلزالاً قد ضربها بشدة، وعاش المسلمون لحظات سعيدة وهم يرون حفيد إبراهيم يحطّم الأصنام ويُعلن أن الله واحد لا شريك له.
وتسلّم النبيّ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة وانفتح الباب، ودخل النبيّ جوف الكعبة فرآها مشحونة بالصور. وكانت هناك صورتان: إحداهما لإبراهيم والأُخرى لإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام
واستنكر النبيّ قائلاً:
ـ قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام ؟!
وتلا النبي بخشوع:
ما كانَ إبراهيمُ يهوديّاً ولا نَصرانياً، ولكنْ كانَ حَنيفاً مُسلِماً وما كانَ مِن المُشركين .
وأزال النبيّ تلك الصورة الوثنية وطهّر الكعبة منها.
وبدت الكعبة متألّقة طاهرة، فلا أوثان ولا أصنام، وأضحت رمزاً للتوحيد الخالص.
ووقف النبيّ على باب الكعبة تُحدِق به الجموع وقلوب الذين كفروا تدقّ بعنف.
هتف النبيّ:
ـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صَدَق وعدَه، ونَصَر عبدَه، وهَزَم الأحزابَ وحدَه. يا معشر قريش! إنّ الله قد أذهب نَخوة الجاهلية. الناس مِن آدمَ، وآدمُ من تُراب يا أيّها الناس إنّا خلقناكم مِن ذَكَر وأُنثى وجعلناكم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعارَفوا إنّ أكرَمَكم عِندَ الله أتقاكم .
ومرّت لحظة صمت وهتف النبيّ بالجُموع مرّة أُخرى:
ـ يا معشر قريش! ما تَرَون أنّي فاعلٌ بكم ؟
وجاء الجواب:
ـ خيراً، أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم.
وأصغى التاريخ إلى موقف نبيل لم يشهده لدى أيٍّ من الفاتحين.
ـ إذْهَبوا فأنتم الطُلَقاء.
وأعاد مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وقال:
ـ هذا مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بِرّ ووفاء.
وعاشت مكّة أسعد لحظاتها، فمن المصير الغامض المجهول، ومن أنهار الدم والخرائب والمناحات، ومن القصاص والانتقام، إلى العفو العام، إلى نور الإسلام.
ودارت في الفضاء تمتمات الدعاء، فالقلوب والألسن تلهج:
ـ أشهدُ أن لا إله إلا الله.
ـ أشهد أنّ محمّداً رسول الله.
لم ينسَ النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يستدعي صاحبه عمر بن الخطاب الذي اهتزّ إيمانُه في الحديبية، فقال له:
ـ هذا الذي كنتُ وعدتُكم به.
وأطرق عمر وهو يستذكر موقفه موقفه قبل عامين.
وعمّت الفرحة وانتشرت في الفضاء عطور النصر، واستعاد النبيّ تفاصيل رحلته الطويلة، منذ أن كان وحيداً شريداً حتّى أنزل الله نصره، فهوى إلى الأرض ساجداً لله الخالِق البارِئ المصوِّر، إله إبراهيم وإسماعيل، ربِّ العالمين.
وبتحرير مكة من نير المشركين، انهارت الوَثَنية، ودخلت القبائل العربية في دِين الله أفواجاً.
وهبط جبريل يحمل سورة النصر:

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:38 AM
ويوم حُنَين

أحدث فتح مكّة دويّاً كبيراً في الجزيرة العربية بعد أن شَهِدت القبائل انهيار الأوثان وتحوّل الأصنام إلى أنقاض عند أقدام الموحِّدين.
وقد أثار الانتصار الإسلامي الساحق مخاوف بعض القبائل العربية، وفي طليعتها هوازن وثقيف، وتمكّن مالك بن عوف ـ وكان شابّاً مندفعاً ـ أن يُقنع قبيلة هوازن وأن يكسب مواقف القبائل الأخرى في مقاومة الإسلام عسكرياً في أضخم تجمّع قَبَليّ تشهده الجزيرة العربية، حيث بلغ عدد المقاتلين ثلاثين ألفاً.
وكانت خطّة القائد الشاب تقضي باحتلال مرتفعات وادي حُنين، والمضيق المؤدّي إلى عمق الوادي، لوضع المسلمين بين فكَّي كمّاشة. وتدفّقت القبائل صوب الوادي، واستكملت تمركزها في رؤوس التلال وحنايا المرتفعات، وكان الشاعر المعروف دُرَيد بن الصمّة ضمن الحشود، وكان قد بلغ به الكِبَر عِتّياً وفقد بصره، فأثارته ضجة الأصوات وهي تملأ الوادي من حوله فتساءل:
ـ ما لي أسمع رُغاء البعير، ونَهيق الحمير، وثغاء الشاة وبكاء الصغير.
فأجاب زعيم هوازن بحماس الشباب:
ـ سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
وتساءل دريد:
ـ ولِمَ ؟!
ـ أردتُ أن أجعل خلف كلّ رجل أهلَه ومالَه ليقاتل عنهم.
فردّ دريد بعصبية:
ـ إنّك رجل أحمق.
وأردف قائلاً:
ـ والله لا يردّ المنهزم شيء.
ويبدو أنّ هوازن تعاطفت مع رأي الشاعر، إلاّ أنّ اندفاع الزعيم الشاب ـ الذي أشهر سيفه مهدّداً بالانتحار إذا لم يُذعن الجميع لرأيه ـ قد سيطر على الموقف، حيث اتّهم زعيم هوازن الشيخ الأعمى ( دريد ) بالتخريف، وهكذا دقت طبول الحرب.
وفي مكّة تناهت الأخبار إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله عن حُشود هائلة بقيادة هوازن تتأهب لمواجهة الإسلام، فأرسل على وجه السرعة مَن يأتيه بالتفاصيل.
وراح رسول الله يعبّئ قوّاته من جديد، حيث بلغ تعدادها بعد الفتح اثنَي عشر ألف مقاتل ضمّت بعض زُعماء الشرك من الذين دخلوا دِين أحمدَ مستسلمين.
ومن أجل استكمال التجهيزات الحربية، استعار النبيّ عِتاداً حربياً كان لدى صفوان بن أُميّة.
وفي الثالث من شوّال تحرّكت طلائع الجيش الإسلاميّ تتلوها الكتائب، وكانت « حُنين » نقطة الهدف. وربما شعر بعض المسلمين ولأول مرة بالتفوّق بسبب ضخامة الحشود الإسلامية التي قهرت « قريشاً » أعزّ القبائل العربية على الإطلاق. لقد تحوّل الإسلام إذن إلى قوّة عسكرية هائلة، وعلى هذا فقد ماجت مثل هذه المشاعر في نفوس بعض المسلمين وهم يتذكّرون السنوات الصعبة في مطلع الدعوة الإسلامية، وهمس أحدهم:
ـ لا نُغلب اليومَ مِن قِلّة.
ولعلّ هذا الشعور قد خامر الكثير وجعلهم يفكّرون بأنّ الحرب مع هوازن وثقيف ستغدو مجرّد نزهة عسكرية!
كانت مقدمة الجيش الإسلامي تتألّف من قبائل سُليم يقودها خالد بن الوليد.
وفي فجر الحادي عشر من شوّال دخلت طلائع الجيش الإسلامي وادي حُنين، وهو وادٍ عميق الانحدار يشعر المرء وهو يُوغِل فيه كأنّه يتجه إلى الهاوية.
كان كلّ شيء هادئاً وقد سيطر صمت رهيب؛ وعندما استكملت معظم القوات الإسلاميّة دخولها الوادي، فوجئت بالسهام تنبعث من قلب الظلام كالمطر!
لقد اختار مالك بن عوف المكان واللحظة المناسبة لمباغتة المسلمين.
سيطر الارتباك على مقدمة الجيش الإسلامي وغادرت مواقعها في انسحابٍ فوضوي، وقد جرف انسحاب المقدمة الكتائب الرئيسية معه، وتحول إلى هزيمة. وفي تلك اللحظات الحرجة وبينما ظلمة الفجر ما تزال تغمر الوادي، انحاز النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى يمين الوادي هاتفاً:
ـ أنا رسول الله هَلُمّوا إليّ؛ أنا محمّد بن عبدالله.
غير أنّ الفوضى كانت ما تزال هي الغالبة على الموقف، فلم يلتفت إلى رسول الله أحد سوى نفر يُعدُّون بالأصابع؛ في طليعتهم ابن عمه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وعمّه العباس بن عبدالمطلب، وأُسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن، وعبدالله بن مسعود. وفي تلك اللحظات غادر المشركون مواقعهم لمطاردة المنهزمين يتقدمهم رجل يركب جملاً أحمر ويحمل رمحاً طويلاً وبيده راية سوادء.
وأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله عمّه العباس أن يُطلق هتافات التجمع، فدوّت في الوادي صيحات معبّرة:
ـ يا أصحابَ سُورة البقرة!... يا أهلَ بيعة الشجرة!... إلى أين تفرّون عن رسول الله ؟!
فَعَلَتْ صيحاتُ الاستغاثة فِعلَها في النفوس، فآبوا إلى رُشدهم وطفقوا يعودون، مُيّممين وُجوههم شَطْر مصدر تلك الصيحات الجهورية.
وعندما تجمّع ما يقارب المئة من المقاتلين، مضى رسول الله يقاتل بهم الذين كفروا؛ إنّهم لا إيمان لهم.
ولقد استبسل عليّ بن أبي طالب في القتال، وكان يصدّ هجمات المغيرين الذين أرادوا انتهاز وحدة النبيّ صلّى الله عليه وآله للقضاء على صوت الإسلام إلى الأبد.
واقتحم النبيّ عن بغلته وراح يُباشر القتال، وسطّر في ذلك ملحمة أدهشت المسلمين أنفسهم، فتوهّجت في نفوسهم آيات القرآن وبشارات السماء.
حتّى إذا اتّضحت معالم النهار كانت أرض حُنين تهتزّ لعُنف المعركة، وتناول النبيّ حَفنةً من تراب الوادي وقذفها في وجه المشركين هاتفاً:
ـ شاهت الوجوه.
وأظهر بعض الحاقدين على الإسلام ـ كأبي سفيان ـ شماتتهم، وهتف وهو يفرك يديه مغتبطاً والأزلام في كِنانته:
ـ لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
وتمتم آخر:
ـ الآن بطل السِّحر.
وتحرّك الحقد في آخر، فعضّ على نواجذه قائلاً:
ـ اليوم أُدرك ثأري من محمّد!
وانتقد صفوان بن أمية هذه المواقف الجبانة بالرغم من بقائه على الشِّرك حتى تلك اللحظة، وعبّر عن امتعاضه من انتصار هوازن قائلاً:
ـ لأن يملكني رجلٌ من قريش أحبّ إليّ من أن يملكني رجل من هوازن.
كان الوقت يمضي في صالح المسلمين الذين بدأوا بالتجمع مرّة أخرى بعد أن أفاقوا من هَول الصدمة الأولى.
وشيئاً فشيئاً بدأت كفّة القتال تميل إلى جانبهم.
واندفع عليّ بن أبي طالب نحو حامل الراية في قوّات هوازن فسدّد له ضربة جبّارة صرعته، وكان لسقوط الراية الأثر المدمّر في قوات المشركين، فدبّ الوهن إلى قلوبهم، وفقدوا حماسهم في القتال.
وعندما لاحظ النبيّ القائد صلّى الله عليه وآله فُتور الهجمات المعادية، أطلق صيحته معلناً بدء الهجوم المعاكس:
ـ الآن حَمِي الوَطيس... شُدّوا عليهم.
واندفعت القوات الإسلامية ـ بعد أن أمسكت بزمام المبادرة ـ تمزّق فُلول المشركين الذين فضّلوا الفرار والنجاة بأيّ ثمن.
افترق المنهزمون إلى مِحوَرَين؛ محور فرّ باتجاه « الطائف » ويتألّف من مُعظم قوات ثقيف، فيما اختارت هوازن وبعض القبائل الأخرى « أوطاس » و « نخلة » ملجأً لها.
وتحقّقت مقولة دُريد الشاعر الذي قال قبل احتدام المعركة: « لا يردّ المنهزمَ شيء » وهكذا ترك المشركون نساءهم وأطفالهم وأموالهم تحت رحمة الجيش الإسلامي.
وقد بلغت غنائم الجيش المنتصر أرقاماً مدهشة، فكانت « 000/6 » من السَّبْي، و 000/24 من الإبل، و 000 / 40 شاة، و 000/4 أوقية من الفضة.
وقد أوقف النبي عملية توزيع الغنائم بعد جمعها في وادي الجَعرانة، ريثما يتم تصفية الحساب مع العدوّ المتحصّن وراء أسوار الطائف.
وكانت أسوار الطائف من المتانة بحيث صمدت في وجه الحصار، كما أنّ المواد الغذائية كانت متوفّرة لدى ثقيف بشكل يجعلها تواجه أمد الحصار الطويل.
حاول الجيش الإسلامي تضييق الحصار، وتقدّمت الكتائب باتجاه الأسوار، ولكنّ مقاتلي ثقيف صبّوا عليهم وابلاً من السهام، فأمر النبيّ بالابتعاد عن مرمى السهام.
واستخدم المسلمون لأوّل مرة أسلحة جديدة هي « المجانيق » التي تشبه المدفعية إلى حدٍّ ما، كما استخدموا « الدبّابات » أيضاً وهي آليات من الخشب المصفّحة بالجلود يدخل تحتها الجنود ويتقدمون باتّجاه الأسوار لنقبها، وقد أخفق كلا السلاحين في تحقيق تقدّمٍ ما؛ فقد صمدت الأسوار أمام قصف المجانيق، كما عالج جنود ثقيف الدبابات بإلقاء كتل المعادن بعد صهرها فاحترقت، وانسحب الجنود المحتمون تحتها.
ورأى النبيّ صلّى الله عليه وآله بنظره الثاقب إنهاء الحصار وترك مسألة الطائف للزمن، فأمر بفكّ الحصار والعودة إلى « الجعرانة » ومكّة ثم المدينة

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:39 AM
في الوادي

وفيما كان النبي مشغولاً بتوزيع الغنائم، حضر وفد من « هَوازِن » يطلب من رسول الله العفو، مذكّرين بطفولته يوم كان في مضارب بني سَعد لدى مرضعته حليمة قائلين:
ـ إنّ في الأسر عمّاتك وخالاتك وحواضِنَك اللاتي كُنّ يَكفِلنَك، ولأَنت خيرُ المكفولين.
وتدفّق نبع إنساني فيّاض في قلب النبيّ صلّى الله عليه وآله وقال:
ـ أبناؤكم ونِساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم ؟
ـ بل نساؤنا وأبناؤنا.
ـ ما كان لمحمّد ولبني عبدالمطلب فهو لكم.
ونصح النبيّ صلّى الله عليه وآله الوفد بالانتظار إلى صلاة الظهر والتقدّم بشكل رسمي وأن يقولوا: إنّا نستشفع رسول الله إلى المسلمين، والمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا.
وانتظر الوفد موعد الصلاة؛ وكانت فرصة أخلاقيّة يمكن استثمارها في التخفيف من حدّة الميول المادّية، وهتف الوفد بعبارة النبيّ، فأجاب صلّى الله عليه وآله:
ـ ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم.
وهتف المهاجرون:
ـ ما كان لنا فهو لرسول الله.
وصاح الأنصار:
ـ ما كان لنا فهو لرسول الله.
ولكن الأقرع بن حابس ومعه بنو تميم، وعُيَينة بن حصن ومعه بنو فزارة، وعباس بن مرداس زعيم بني سليم أصرّوا على مواقفهم في الاحتفاظ بغنائمهم البشريّة؛ وفي الأثناء هتف بنو سليم قائلين:
ـ بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله.
وعندما أمر النبيّ بإطلاق سراح جميع الأسرى من هوازن، على أن يُعوَّض المتمسّكون بموقفهم عن كلّ إنسان ستة من الإبل. وراح النبيّ يُغدِق على الذين أسلموا حديثاً من أهل مكّة بالغنائم استمالةً لقلوبهم والقضاء على البقية الباقية من الأحقاد القديمة.
فوهب أبا سفيان ـ عدوَّه اللدود ـ أربعين أُوقيّة من الفضة ومئةً من الإبل، فهتف وقد هزّته الأطماع:
ـ ابني يزيد! يا رسول الله.
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ أعطوه أربعين أُوقية ومئة من الإبل.
فهتف أبو سفيان مرّة أخرى:
ـ ابني معاوية!
ـ أعطوه أربعين أُوقيّة ومئة من الإبل.


لقاء مع الأنصار

وقد تركت هذه الهبات الضخمة في نفوس الأنصار آثاراً سيئة، وعصفت بهم الهواجس من أن يفكّر النبي بالعودة إلى مكّة وإلى قومه الذين شرّدوه بالأمس، فينسى مواقف الأنصار وتضحياتهم في الأيام الصعبة.
وتصاعدت همسات العَتَب بين الأنصار حتّى وصلت إلى مسامع النبيّ، فأمر سعدَ بن عبادة أن يجمع الأنصار في مكان خاص.
وجاء سعد بعد حين قائلاً:
ـ قد اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار.
وهنا وقف النبيّ صلّى الله عليه وآله يُعلن مواقفه الخالدة ويفلسف لهم عقيدته في العطاء:
ـ يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علَيّ في أنفسكم، ألم آتِكم ضُلاّلاً فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألّف بين قلوبكم ؟!
ألا تُجيبوني يا معشر الأنصار ؟
وانطلقت الأصوات تعلن:
ـ بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ورسوله المنّ والفضل.
غير أنّ النبيّ لم يكن لينسى مواقفهم وتضحياتهم فقال:
ـ أما واللهِ لو شِئتم لقُلتُم فلصدقتُم ولصُدِّقتم؛ أتيتَنا مُكَذَّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأسكناك؛ أوَجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعاعةٍ من الدنيا تألّفتُ بها قوماً ليُسلموا ووكلتُكم إلى إسلامكم ؟
ألا ترضَوْن يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟
وأردف النبيّ معلناً عواطفه العميقة:
ـ فوالذي نفسُ محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناسُ شِعباً وسلكتِ الأنصارُ شبعاً لسلكتُ شعب الأنصار.
ثم رفع يديه إلى السماء الصافية هاتفاً:
ـ اللهمّ ارحم الأنصار.. وأبناءَ الأنصار.. وأبناء أبناء الأنصار.
وتأثّر الأنصار لمنظر النبيّ وانفجروا بالبكاء..
البكاء الذي يغسل القلوب فتعود طاهرة نقية كما تغتسل الأشياء تحت رشاش المطر.
ولعلّ أفضل ما نختتم به هذه الصفحات المثيرة من التاريخ هو كلمات القرآن وهي تصوّر بأُسلوب خلاّب تلك اللحظات العاصفة:
ـ ( لقد نَصَرَكم اللهُ في مواطنَ كثيرةٍ ويومَ حُنينٍ إذ أعجبتْكم كَثْرتُكم فلم تُغْنِ عنكم شيئاً وضاقَت عليكمُ الأرضُ بما رَحُبَتْ ثمّ وَلّيتم مُدبِرين. ثُم أنزل اللهُ سَكينَتَه على رَسوله وعلى المؤمنين وأنزل جُنوداً لم تَرَوها وعذّب الّذين كفروا وذلك جَزاءُ الكافرين )

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:40 AM
وقبل أن ينطوي العام

وقبل أن ينطوي العام الثامن للهجرة، وقعت بعض الحوادث، منها ميلاد إبراهيم ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله من زوجته مارية، وتعيين عتاب بن أسيد والياً على مكّة بأمر النبيّ رغم كونه شاباً لم يبلغ العشرين بعد؛ الأمر الذي أثار امتعاض سادة قريش وزعمائها، فأرسلوا إليه قائلين: أليس الأكبر هو الافضل ؟
فردّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بحزم محطماً تقاليد الجاهلية: بل الأفضل هو الأكبر.
وعلى صعيد الأحداث العالمية، تمّ تنصيب أردشير مَلِكاً على الإمبراطورية الفارسية وهو ما يزال في السابعة من عمره خَلَفاً لأبيه.
كما نصح بجير أخاه الشاعر كعب بن زهير الذي سبق وأن هجا النبيّ صلّى الله عليه وآله بالقُدوم عليه وطلب العفو وإنهاء هواجس التشرّد.
وقد استجاب الشاعر، فشدّ رِحاله صوب المدينة ونزل ضيفاً عند أحد أصدقائه طالباً منه التوسّط لدى رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وقد قام كعب بمحاولة ذكيّة، إذ غَدا في اليوم التالي على المسجد وسلّم على النبيّ وصافحه قائلاً:
ـ إنّ كعب بن زهير قد جاء ليستأمن مِنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابلٌ منه إن أنا جئتُك به ؟
فاجاب النبيّ:
ـ نعم.
وفي هذه اللحظة أماط كعب اللثام عن هويته وقال:
ـ أنا كعب بن زهير يا رسول الله.
ثم أندفع ينشده رائعته في مدح النبيّ صلّى الله عليه وآله والتي يقول فيها:



بانَت سُعادُ فقَلبي اليومَ مَـتبـولُ ............. مُتَيَّمٌ إثـرَهـا، لم يُفـْدَ، مَكبـولُ
ومـا سعادُ غَداةَ البَينِ اذ رَحَـلوا ............. إلاّ أغَنُّ غضيضُ الطَّرفِ مَكحولُ
إلى أن يقول:



نُبِّئتُ أنّ رسـولَ اللهِ أوعَدَني ............. والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ
مَهلاً هَداكَ الذي أعطاكَ نافلةَ ............. القرآنِ فيها مَواعيظٌ وتـفصيلُ
لا تَأخُذَنّي بأقوالِ الوُشاةِ، ................ ولم أُذنِبْ ولو كَثُرت فِيَّ الأقاويلُ

واستمرّ كعب يردّد مدائحه على النبيّ وثناءه على المهاجرين، إلى أن أتمّها.
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله تطييباً لخواطر الأنصار:
ـ هلاّ ذكرت الأنصار بخير، فإنّهم لذلك أهل.
فأنشأ كعب على الفور يمجّد تضحيات الأوس والخزرج:



مَن سرّه كَرَمُ الحياة فلا يَزل ............. في مقنب مِن صالح الأنصارِ
وَرِثوا المكارمَ كابراً عن كابرٍ ........... إنّ الخـيـارَ هُمُ بنو الأخيارِ
الـناظـريـنَ بأعيُنٍ مُحمرّةٍ ............. كالجَـمـرِ غيرِ كليلةِ الإبصارِ
والـبـائـعـين نـفـوسَهم للمـوت يـوم تـعانُقٍ وكرارِ

وخلع النبيّ بُردته وألبسها إيّاه تكريماً له

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:41 AM
تبوك

وأطلّ العام التاسع من الهجرة والذي يصادف سنة ( 630 ـ 631 م)، وقد شهد هذا العام انتصارات كُبرى للإسلام، إذ أعلنت معظم القبائل العربية ولاءها للدين الجديد، فلقد أصبح الإسلام حقيقةً واقعة، تُوجّب على الجميع الإقرار بها.
ولعلّ أكبر باعث على هذا الاعتراف الرسمي العام هو ما رافق غزوة تبوك من أحداث وحوادث.
فقد وصلت أنباء إلى المدينة تفيد بحشود ضخمة يقوم بها هرقل إمبراطور الروم، وتردّدت أصداء التحرّكات العسكرية في الجزيرة العربية.
لقد هزم الإسلام الوثنية في معارك حاسمة، كما قَصَم ظَهر اليهودية في هذه البقعة من العالم، وتساءل الناس عن مدى قوّة الإسلام في مواجهة الرومان والقبائل العربية المتنصّرة؛ وهكذا توجّب على المسلمين الاستجابة لهذا التحدّي الجديد.
ولأوّل مرّة استخدم الرسول صلّى الله عليه وآله أُسلوب الحرب الشاملة، فأُعلنت في المناطق الإسلامية حالة النفير العامّ بالتحاق كلّ القادرين على حمل السلاح.
وبالرغم من قسوة الظروف آنذاك، فالفصل كان حارّاً والعام عام جَدْب، إضافةً إلى عجز مالي واضح في إعداد التجهيزات الحربية اللازمة، ومع كلّ هذا فقد تمكّن النبيّ صلّى الله عليه وآله من تعبئة ثلاثين ألف مقاتل، ولم يتخلّف سوى ثلاثة نفر؛ كما استثنى النبيّ صلّى الله عليه وآله المنافقين لعِلمه بنواياهم.
ويظهر من خلال إصرار النبيّ على قبول التحدّي خُطورة الموقف على حُدود شبه الجزيرة الشمالية؛ ذلك أنّ هِرَقل كان يخطّط لضربة جبّارة بعد أن أقلقه ما يجري في الجزيرة العربية وحدود بلاده الجنوبية، وخشية انقلاب القبائل العربية المتنصّرة، ولذا قام بخطوات يُفهَم من ورائها نيّته في القضاء على الدين الإسلامي قبل أن يستفحل أمرُه ويتحوّل إلى قوّة عالمية.
فحشد قوات هائلة في منطقة تبوك، ثمّ قام بإرسال قوّات صغيرة إلى منطقة « البلقاء » في محاولة لتحويل الأنظار عن تبوك، كما قام أيضاً بتوزيع رواتب عام كامل على جنوده، كما أغدق الأموال على القبائل العربية النصرانية لحشدها ضد الإسلام ومساعدة جيوش الإمبراطورية.
وفي ظروف بالغة القسوة تحرّك الجيش الإسلامي الجرّار صوب تبوك، وتجمعت النسوة والأطفال والشيوخ فوق أسطح المنازل، والعيون تومض أملاً، والقلوب تموج بالدعاء لله أن ينصر رسولَه والذين آمنوا.
ولأوّل مرة في تاريخ الإسلام ومعاركه الدامية لم يشارك عليّ بن أبي طالب في التوجّه في هذه الغزوة، وقد كان ذلك بأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد أن تَحسَّبَ لحدوثِ في عملٍ تخريبي قد يقوم به المنافقون.
وقد حاول عليّ بن أبي طالب الالتحاق بعد أن غادر الجيش الإسلامي المدينة، ولكن النبيّ صلّى الله عليه وآله أصرّ على بقائه، فالمدينة يلزمها رجل قويّ يملأ فراغ القائد في الظروف الحرجة، وفي تلك اللحظات طلب النبي من ابن عمه العودة إلى المدينة قائلاً له:
ـ ألا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟!
وعاد عليّ إلى المدينة وعيناه تتألّقان فرحاً بهذا المجد.
كان على الجيش الإسلامي أن يقطع صحراءً مترامية تمتدّ إلى ستمئة كيلومتر، وفي قيظ شديد يجعل من الماء أنفَسَ الأشياء على الإطلاق.
لقد وضعت تبوك المجتمع الإسلامي في أكبر امتحان، وظهرت معادن الرجال كما هي، وفضحت المنافقين بشكل سافر، حتّى باتوا يحترقون تحت أشعّة الحقائق المرّة.
لقد سادت المجتمعَ الإسلامي حركةٌ من التضامن المدهشة، خاصّة في دعم المجهود الحربي، إذ قدّمت النسوة حُليَّهنّ الذهبية لدعم الجيش الإسلامي، فيما راح المنافقون يطلقون الشائعات، ويهوّلون من خطر الرومان، وفي أحسن الأحوال كانوا يطلبون الانتظار لحين جني الثمار، خاصّة وقد أطل موسم القِطاف

المجد للإسلام

وصل الجيش الإسلامي منطقة تَبوك، وكانت المفاجأة الكبرى أنّها كانت مُقفِرة، لقد فضّل هرقل إمبراطورُ الرومان الانسحابَ، مُؤثِراً السلامة ومتهيّباً ضخامة الجيش الإسلامي وروحه المعنوية ولياقته العالية وقدرته على قطع الصحاري الشاسعة في فترةٍ وجيزة نسبياً.
وأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله بالمرابطة في تبوك مدّة عشرين يوماً متحدّياً أكبر إمبراطورية في العالم آنذاك، وبذلك تم سحق الغرور الروماني وزعزعة ما تبقّى من هيبتهم في النفوس.
وخلال تلك الفترة كانت السرايا الإسلامية تجوب المناطق والتخوم لبسط النفوذ الإسلامي، وإرغام بعض الممالك الصغيرة على الاعتراف بالدولة الإسلامية ومجد الإسلام.
فقد تمّ إبرام معاهدة سلام مع « أيلة »، حيث حضر زعيمها يوحنا بنفسه لتوقيع المعاهدة التي جاء فيها:
« بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة مِن الله ومحمّد النبيّ رسول الله ليوحنّا بن رؤبا وأهل أيلة سفنهم وسيّارتهم في البرّ والبحر ومَن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر... ».
كما أبرم النبيّ صلّى الله عليه وآله معاهدة سلام أُخرى مع بلدتين في البلقاء هما: أذرح والجرباء.
وقد أسفرت عملية تبوك عن نتيجة واحدة كبرى، هي قيام كيان إسلاميّ وميلاد حضارة إنسانية جديدة في العالم.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:42 AM
الوفود

وفَور عودة الجيش الإسلامي الظافر إلى المدينة، تهافتت القبائل العربية إلى الأرض الطيبة في يثرب لتُعلن انضواءها تحت لِواء الإسلام، وقد بلغ زخم الوفود العربية أن سُمّي العام التاسع للهجرة بعام الوفود؛ ويبقى وفد نجران الاستثناء الوحيد لوفود القبائل العربية التي أعلنت انتهاء عهد الوثنية، والإيمان بالله الواحد الأحد.
أمّا وفد نجران فقد جاء يجادل النبيّ في مسائل فكريّة عميقة خاصّة في طبيعة المسيح، وقد أوضح النبيّ حقائق السماء عبر آيات القرآن الحكيم في قوله تعالى:
ـ ما المسيحُ ابنُ مريم إلاّ رسولٌ قد خَلَتْ مِن قَبلهِ الرُّسُلُ وأُمُّه صِدّيقةٌ كانا يأكُلان الطعام .
وعندما استنكر الوفد ذلك محتجّاً بعدم وجود أب للمسيح، تلا النبيّ صلّى الله عليه وآله الآية الكريمة:
ـ إنّ مَثَلَ عيسى عند الله كمَثَل آدمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمّ قالَ له كُن فيكون.
ويبدو أنّ الوفد لم يكن مستعدّاً للإذعان للحقائق، فهبط الوحي بالآية الكريمة:
ـ فمَن حاجَّك فيه مِن بَعدِ ما جاءك من العِلم فقُل تَعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءكم ونِساءَنا ونِساءكم وأنفُسَنا وأنفُسَكم ثُمّ نَبتَهِلْ فنَجْعَلْ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبين » .
وانسحب الوفد في اللحظة الأخيرة عندما شاهد موكباً عجيباً، حيث خرج النبيّ يمسك بسِبطَيه الحسن والحسين ومن خلفه فاطمة الزهراء عليها السّلام ابنته، ومِن خلفها عليّ عليه السّلام صهره، وقد بدا الفضاء مشحوناً بالخطر، والسماء على وشك أن تُنزِل لعنتَها على الكاذبين.
وشهد هذا العام انتصارات الإسلام دون حروب، فقد أعلن باذان بن ساسان اعتناقه لدين الله الحقّ بالرغم من التهديدات الفارسية، فأمّره النبيّ على مملكته وأضاف إليها مقاطعات يمنيّة أُخرى كانت قد انضوت تحت لواء الإسلام.
كما شهد العام فرض الزكاة على الأموال وتعيين الجُباة لهذه الضريبة الإسلامية، لخلق حالةٍ من التوازن في الثروة بين أفراد المجتمع الإسلامي ومكافحة الفقر.
ومن حوادث هذا العام قيام النبيّ بإحراق مسجد « ضرار » الذي بناه المنافقون للتغطية على اجتماعاتهم وتآمرهم ضد الإسلام.
وأخيراً نزول سورة « براءة » التي أعلنت وبشكل رسمي زوال الوثنيّة، وحدّدت للمشركين مدّة أربعة أشهر لإعلان موقفهم من الإسلام.
وعلى صعيد الأحداث العالمية شهد العام التاسع الهجري مصرع أردشير الملك الصبي لامبراطورية فارس، حيث تمّ اغتياله في انقلاب عسكري نفذه القائد «شهربراز


الحج الاكبر

في شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة أعلن النبيّ صلّى الله عليه وآله عزمه على حجّ بيت الله الحرام، وحملت نسائم الصحراء أنباء الفرح، فراحت القبائل العربية تنثال إلى المدينة لتنضوي تحت لواء آخر الأنبياء في التاريخ.
فتدفق عشرات الآلاف تاركين قُراهم ومُدُنهم ومَضارِب قبائلهم.
وفي الخامس والعشرين من الشهر نفسه تحرّكت القوافل باتجاه مكّة مهوى الأفئدة، وشهدت الصحراء لأوّل مرة تجمّعات بشرية ضخمة بلغت المئة ألف إنسان تطوي المسافات، وهي تسير الهُوينى صوب بيتٍ بناه إبراهيم وإسماعيل.
وفي الخامس من ذي الحجّة الحرام دخل النبي مكّة من باب السلام، وطاف حول البيت العتيق سبعة أشواط، ثمّ انطلق إلى جبلَي الصَّفا والمَرْوَة، وهو يتمتم بآي القرآن الكريم:
(إنّ الصَّفا والمَروةَ مِن شعائر الله )، فسعى بين الجبلَين، في حركةٍ تُذكّر بأُم إسماعيل يومَ كانت تبحث عن قطرة ماءٍ لوليدها إسماعيل.
وتسلّق جبلَ الصفا، فأطل على الكعبة العظمى، وهتف معلناً انتهاء الوثنية:
ـ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له المُلك وله الحَمد، وهو على كلّ شيء قدير... لا إله إلا الله أنجز وَعدَه، ونَصَر عبدَه، وهزم الأحزابَ وحدَه.
وفي عرفات وقف النبي خطيباً، وراح يبيّن للمسلمين ثقافة الإسلام ومبشّراً بعهد السّلام:
ـ أيّها الناس اسمَعوا مِنّي أُبيّن لكم، فإني لا أدري لَعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
إنّ دماكم وأموالَكم حرامٌ عليكم أن تَلقَوا ربّكم كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
ثمّ أعلن إلغاء النظرة العنصرية وتكريم الإنسان.
ـ أيّها الناس! إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، كلُّكم لآدمَ، وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربيٍّ على أعجميّ فضل إلاّ بالتقوى.
ثمّ راح يؤسّس لعهد جديد يسوده السلام والمحبة والوئام:
ـ مَن كانت عنده أمانة فليُؤدّها إلى مَن ائتمنه عليها.
ـ وإنّ رِبا الجاهلية موضوع، وإنّ أوّل ربا أبدأ به هو ربا عمّيَ العباس بن عبدالمطلب، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون.
ـ وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم أبدأ به دمُ عامر بن ربيعة بن الحرث بن عبدالمطلب.
وكان يختم بياناته قائلاً:
ـ ألا هل بَلَّغتُ ؟ اللهمَّ فاشْهَدْ.
ولم ينس النبيّ أن يوضّح ـ ولو بشكل عام ـ حقيقةً كبرى هي الطريق الذي يتعيّن على المسلمين سلوكه بعد غياب آخر النبوّات في التاريخ:
ـ أيّها الناس! إنّما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامرئٍ مالُ أخيه إلا عن طيب نفسه، فلا ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرب بعضُكم أعناقَ بعض، فإنّي قد تركتُ فيكم ما إن أخذتُم به لن تَضِلّوا بعدي أبداً: كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:42 AM
البلاغ المبين

انطوت أيّام الحج الأكبر وآنَ لقوافل الحجيج أن ترجع إلى ديارها، وراح أهل مكة يرقبون ـ بإعجاب وأمل ـ الجموعَ تغادر الأرض المقدّسة حيث هبط جبريل يحمل آخر رسالات السماء.
وغادر رسول الله صلّى الله عليه وآله مكّة ونفسُه مطمئنة لانتشار الإسلام الذي أضحى في مدّة وجيزة الدينَ الأوّل في منطقة واسعة من العالم.
وصلت القوافل منطقة الجُحْفة حيث مفترق الطرق، كانت الشمس تتوسّط السماء وتصبّ لهيبَها على رمال الصحراء فتتوقّد ذرّاتُ الرمال.
وفي تلك البقعة الملتهبة من دنيا الله.. هبط جبريل يحمل البلاغ الأخير:
ـ ( يا أيّها الرسولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إليكَ مِن ربِّكَ وإنْ لم تَفعَلْ فما بَلَّغتَ رسالَتَهُ واللهُ يَعصِمُكَ مِن الناس ).
ويبدو من خلال لهجة الخطاب القرآنيّ التي اتّخذت شكل الإنذار أنّ هناك أمراً خطيراً يتوجّب على النبيّ إبلاغه إلى الأمة التي وُلِدت قبل أعوام.
فُوجئت قوافل الحجيج بدعوة النبي بالتوقف في أرضٍ جرداءَ قاحلة، فلا شجرة يستظلّ بها المسافر، ولا نبع يرتوي منه الظامئ؛ وطافت علامات تعجب واستفهام عن بواعث الأمر النبوي.
لا يستطيعه المرء أن ينفي هواجس الرسول صلّى الله عليه وآله في مصير الرسالة الإسلامية بعد رحيله، خاصة وأنّه بات يشعر بأنّ ساعة الرحيل قد أزفت، ولم يبقَ له في الدنيا سوى مِشوار قصير، وقد آنَ لآخر الأنبياء أن يغمض عينيه ويغفو بسلام.
تطلّع المسلمون إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو يرتقي دَوحات أعدّها له بعضُ أصحابه، ووقف يتطلّع إلى عشرات الألوف مِن الذين آمنوا به واعتنقوا رسالته، وعيناه تحدّقان في الآفاق البعيدة، إلى حيث الغدُ الذي ينطوي على أسرار وحوادث لا يعلمها إلا الله.
وانسابت كلمات الرسول هادئةً مؤثرة:
ـ كأنّي قد دُعِيتُ فأجَبتُ.. وإني تاركٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، فانظُروا كيف تَخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا علَيّ الحوض.
وكان عليّ بن أبي طالب قريباً منه، فاستدعاه وأمسك بيده وقدّمه إلى العالم بأسره، قائلاً:
ـ ألسَتُ أولى بالمؤمنين مِن أنفُسهم، وأزواجي أُمهاتهم.
فانطلقت الصيحات مؤيّدة من هنا وهناك:
ـ بلى يا رسول الله.
فهتف النبيّ وقد رفع يدَ عليّ عالياً كأنه يخاطب التاريخ والأجيال:
ـ مَن كنتُ مَولاهُ فهذا عليٌّ مَولاه، اللهمّ والِ مَن ولاه، وعادِ مَن عاداه.
وأدّى الرسول رسالته، وهبط جبريل يعلن بشارة السماء:
ـ (اليومَ أكملتُ لكم دِينَكُم وأتمَمتُ علَيكُم نِعمتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِيناً ).
وتفجر نبعٌ من الفرح في تلك الصحراء الملتهبة، واهتزّ حسّان بن ثابت طرباً، وانطلق يردّد مُمجِّداً تلك اللحظات السماوية:



يـُناديـهمُ يـومَ الغديرِ نَبيُّهُم ........... بخُمٍّ، وأسمِعْ بـالنـبيِّ مُناديا
وقـالَ: فـمَن مولاكمُ ووليُّكم ؟ ....... فقالوا ولم يُبدوا هناك التَّعاميا
إـلهـُك مـولانا وأنتَ وليُّنا ....... ولن تجدنْ منّا لك اليوم عاصيا
فـقال له: قـُم يا عليُّ فانني ........ رَضِيتكَ مِن بعدي إماماً وهاديا
فـمَـن كنتُ مولاهُ فهذا وليُّهُ ....... فكونوا له أنصارَ صِدقٍ مَواليا
هـنـاك دعا: اللهمَّ والِ وليَّهُ ...... وكـن للذي عادى علياً مُعاديا

وتمتم النبيّ وعيناه تتألقان فرحاً:
ـ لا تزال يا حسّان مؤيَّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.
ونهض الصحابة يحيّيون عليّاً ويهنئونه قائلين:
ـ بَخٍ بَخٍ لك يا عليُّ! أصبحتَ مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وكان يوم الثامن عشر من ذي الحجّة يومَ عيدٍ وفرح؛ فقد كَمُل الدِّين وتَمّت النعمة.

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:44 AM
عاد النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى المدينة وقد اطمأنت نفسه العظيمة لانتشار الإسلام في شِبه الجزيرة العربية، وراح يتطلّع إلى الآفاق البعيدة، إلى حيث ترزح الأُمم تحت نِير الظُلم والقَهر والعبودية. وإذا كان هناك مصدر للقلق فهو في حدود الجزيرة الشمالية حيث جيوش هِرَقل، لا تنفكّ تنظر إلى الجنوب وتنتظر الفرص؛ أمّا فارس فقد بدأت تضمحلّ من الداخل حيث الصراع من أجل الكرسيّ على أشُدّه(57).
وفي تلك الأيّام ظهر الأسود العنسي وهو كاهن مشعوذ في اليمن، فانتهز وفاة الوالي الفارسي المسلم باذان فأعلن النبوّة، ولم يُولهِ النبيّ صلّى الله عليه وآله اهتماماً يُذكَر؛ لعلمه بتفاهته. ومضى النبيّ يعبئ قواته تحت قيادة أُسامة بن زيد الشهيد، ومن بواعث إصرار النبي على إنفاذ جيش أُسامة ـ رغم تدهور صحته واضطراره إلى ملازمة الفراش ـ أنّ الدولة الرومانية قد بدأت حملةً واسعة لمطاردة رعاياها مِن الذين اعتنقوا الإسلام، وفي طليعتهم والي معان في الشام فروة بن عمرو الجذامي الذي سبق أن بعث برسالة إلى النبيّ يعلن فيها اعتناقه الإسلام؛ فقد شعر الرومان بالغضب، وجنّدوا حملة عسكرية فأُلقي القبض عليه وأُلقي في أحد سجونهم بفلسطين، وسرعان ما حُوكم بالإعدام ونُفّذ الحُكم صَلباً.
وكانت أكبر مشكلة واجهها النبيّ صلّى الله عليه وآله في إنفاذ هذا الجيش هو تذمّر بعض الصحابة من تحمّل قيادة أُسامة الذي كان شاباً لم يتجاوز العشرين بعد، ومن المؤسف جداً أنّ عقدة الجاهلية ما تزال فاعلة في بعض النفوس التي ترى الأكبر هو الأفضل دائماً، وقد طفت هذه العقد فوق السطح منذ تعيين عتاب بن أسيد والياً على مكّة بعد تحريرها من براثن الوثنية.
وتدهورت صحة الرسول صلّى الله عليه وآله حتّى بات يُخشى عليه، وبالرغم من كل ذلك ازداد إصراره على تجنيد الحملة العسكرية بقيادة أُسامة، وهكذا تحرّك الجيش الإسلامي وغادر المدينة، وكلمات النبيّ ما تزال تدوّي في ذهن القائد الشاب، فمهمته أن يوطّئ الخيل تُخوم البَلقاء وأرض روم من أرض فلسطين على مقربة من مؤتة، حيث استُشهد والده زيد، وأن يتمّ كلّ ذلك بسرعة وعلى طريقة الحرب الخاطفة.
وواجه أُسامة صعوبةً شديدة في تذليل العقبات التي واجهته، خاصّة وقد أعلن بعض وجوه الصحابة استياءهم، وهكذا عسكر الجيش في منطقة الجرف قريباً من المدينة المنورة؛ ريثما ينجلي الموقف.
ومن المؤكّد أنّ إصرار النبيّ على الحملة العسكرية مع عِلمه بدُنوّ أجله، وحشد جلّة كبار الصحابة تحت لواء أُسامة واستثناء عليّ بن أبي طالب يشير إلى شعور النبيّ صلّى الله عليه وآله بأنّ هناك ما يدور في الخفاء؛ ومن هنا حاول النبيّ إفراغ المدينة من التيّارات والتكتّلات التي باتت تعمل بخفاء من أجل الاستيلاء على الخلافة بعد غياب النبيّ صلّى الله عليه وآله.
لهذا أراد الرسول صلّى الله عليه وآله تمهيد الأُمور إلى الوصيّ من بعده، الذي تم تنصيبه من قِبَل السماء في آخر البلاغات الإلهية في منطقة « غدير خُمّ » في طريق العودة من حِجّة الوداع.
وفي ضوء هذه الحقيقة يمكن تقديم تفسيرات مقنعة لكلّ الحوادث التي رافقت تدهور صحّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وما أعقب ذلك حوادث بعد وفاته صلّى الله عليه وآله

هــــــــــادي
06-06-2008, 02:45 AM
الشمس كُوِّرت

أشرقت شمس يوم الاثنين حزينةً كعينٍ تنتحب. لقد اقتربت الساعة. وآنَ لأخرِ الأنبياء أن يرحل.. أن يودّع الدنيا الفانية إلى عوالم مفعمة بالسّلام.
هَبّت فاطمة الزهراء عليها السّلام من نومها مذعورة.. لقد أفزعتها الرؤيا... كانت قد رأت مُصحفاً يُفلِت من بَين يديها ويطير في السماء، ورأت فاطمة نفسها تطير وراءه.. وكان القرآن ينادي:
ـ هَلُمّي إليّ.... هلمي إلى السماء. ونظرت فاطمة وراءها فرأت الأرض زيتونة مشحونة بالبرق والرعود.
وجاءت إلى أبيها تسعى؛ قالت:
ـ يا أبتي! إنّي رأيت قرآناً يسقط من يدي.
ـ قال الذي عنده عِلمُ الكتاب:
ـ يا فاطمة يُوشَك أن أُدعى فأُجيب.. وقد عَرَض علَيّ جبريلُ القرآن هذا العام مرّتَين.
تجمعت في عينيها الدموع.. ضرب الحزن أطنابه في القلب الكسير.. ودقّ أوتاد خيامه.
قال الأب ليُسرّي عن ابنته.. عن ذكراه من خديجة:
ـ لا تحزني.. أنتِ أوّل أهل بيتي لُحوقاً بي.
أشرقت شمس الأمل.. وجدت لها طريقاً خلال الغيوم، فعادت البسمة تموج فوق وجه أزهر.
آه منك « يا يوم الاثنين »(58)، لقد رحل زمن السلام، كان عليّ يعتنق الرجل الذي ربّاه صغيراً وعلّمه كبيراً وفتح له أبواب الملكوت.. والنبيّ يشدّ على يد فتىً شرى روحَه لله والرسول.. والله وحده الذي يراقب الأعماق.
بدا عليّ كالمذهول، ودّ لو يقيه بروحه، فالحياة مريرة دون محمّد، وما أحلى الموت معه أو دونه.
ومرّت اللحظات متسارعة عنيفة كدقات قلب أوهنتْه الحمّى..
النبيّ ينوء بنفسه، يُصغي إلى ملائكة الرحمة، ولكنّ أهل الأرض عن السمع لَمحجوبون.. لم يسمعوا شيئاً سوى كلماتٍ هي آخر ما حفظته الأرض من ميراث السماء:
ـ بل الرفيق الأعلى.
وانطلق محمّد نحو الله.. يعبر السماوات مخلِّفاً جسده بين ذراعَي حبيبه عليّ.. وقد هبّت العاصفة.




انتهى الكتاب بحمد الله .

الافق
06-06-2008, 05:55 PM
أخي المبدع والحريص هــــــــــادي

مع أجمل تحية وأزكى إحترام
أقدم شكري وإمتناني اليكَ من القلب
وأبارك لكَ جهودك الرائعة

كما أتمنى من الله العلي القدير أن يوفقكَ في جميع مجالات حياتك على هذا الإنجاز الكبير

مع خالص الود ووافر الإحترام
الافق

طيف العراق
07-06-2008, 12:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
إدارة منتديات أطياف عراقية
تقدم الشكر والإمتنان لكَ على الجهود المبذولة لأرتقاء هذا الصرح الغالي
وبالاخص قسم القصص والروايات
نسال الله لكَ التوفيق
مع خالص التقديرلحرصكم وإبداعكم
تم تثبيت الموضوع

المشرف العام
طيف العراق

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:39 AM
أخي المبدع والحريص هــــــــــادي

مع أجمل تحية وأزكى إحترام
أقدم شكري وإمتناني اليكَ من القلب
وأبارك لكَ جهودك الرائعة

كما أتمنى من الله العلي القدير أن يوفقكَ في جميع مجالات حياتك على هذا الإنجاز الكبير

مع خالص الود ووافر الإحترام
الافق



الفاضله الافق

شكرا لاهتمامك الكبير بالموضوع
وحبك الكبير للادب وتشجيعه
وفقك الله ودمت بالف خير .

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
إدارة منتديات أطياف عراقية
تقدم الشكر والإمتنان لكَ على الجهود المبذولة لأرتقاء هذا الصرح الغالي
وبالاخص قسم القصص والروايات
نسال الله لكَ التوفيق
مع خالص التقديرلحرصكم وإبداعكم
تم تثبيت الموضوع

المشرف العام
طيف العراق



اخي الكريم طيف العراق

شكرا على كرمك الباذخ
و اهتمامك الكبير .. وماهذا
الا بذره صغيره مقارنه بجهودكم
من اجل منبر عراقي حر للجميع
وفقكم الله ودمتم لنا .

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:50 AM
الروايه الثانيه هي اصلب من الايام للاديب كمال السيد

ويحب الكاتب دائما تسميتها إالا علي

بسبب اعجابي بهذا الكتاب ساقدم مقدمه وقراءه للكتاب باسلوبي
المتواضع وحسب فهمي لما ورد في الكتاب .


إلاّ علي أو أصلب من الأيام

كتاب احتوى البلاغه كلها وكانما كان بليغا في الحديث
عن سيد البلغاء و المتكلمين , جرئ بمعنى الكلمه احتوى
حياة الامام منذ ساعات الولاده وانشقاق جدار الكعبه حتى
ساعات الشهاده و تهدم اركان الهدى , ايثاره بنفسه
و وقوفه مع اخيه وابن عمه سيد الخلق صلى الله عليه
واله وسلم في مكه وبدر واحد والخندق صبره في وجه
سراق الخلافه و صبره في مصيبة الزهراء عليها السلام
باسلوب قل مثيله يقدم لنا كمال السيد كنزا لا يقارن
بثمن , كما تعودنا من الكاتب فقد اعتمد اسلوب الاثاره
الفكريه واللغويه ليجعلنا نتابع حتى النهايه بطولات
وانتصارات واحزان رجل كان علما لاهل السماء في
الارض وعلما لاهل الارض في السماء .
ادب بلاغه ابداع قوه في الاسلوب قوه في الحجه
و افحام اي مخالف هذا اقل مايقال عن رواية اصلب
من الايام .

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:51 AM
((إلاّ علي أو أصلب من الأيام))






كنتُ أتّبعه اتّباعَ الفَصيل أَثَرَ أُمّه...

البدايات...

مضت على عام الفيل ثلاثون سنة، وقد أضحت قصة أصحاب الفيل مجرّد ذكريات يحكيها الأجداد للأحفاد، حتّى إذا أطلّ عام 600 للميلاد كانت الكعبة على موعد مع حادث جديد.
بدا أبو طالب سيّد مكّة وشيخ البطحاء حزيناً، كان آخذاً سَمْتَه صوب الكعبة يتضرع إلى إله إبراهيم وإسماعيل، فلقد اشتدّ بزوجه الطَّلق وتعسّرت الولادة.
كانت غيمة حزن تطوف وجهه المضيء، وضع ابن عبدالمطلب كفّه على جبينه، وقد طغت على وجهه الكآبة، قالت نسوة من العرب:
ـ ما شأنك يا أبا طالب ؟!
أجاب ابن راعي البيت:
ـ إنّ فاطمة بنت أسد في شدّة المخاض.
وضع يديه على وجهه ليحجب حزنه؛ ربّما ليُغمض بصره لتنفتح بصيرته على عوالم سماويّة.
وأقبل « محمّد » رجل في الثلاثين فألفى عمّه وكافله وحامي طفولته غارقاً في حزن مرير. ومدّ الشاب يده إلى عمّه يساعده على النهوض، ووجد الشيخ نفسه ينقاد مع ابن اخيه، فطالما رأى بركات هذا الفتى الهاشميّ ذكرى شقيقه « عبدالله ».
وجاءت ابنة أسد تحفّها النسوة إلى بيت الله. قالت وهي تتمسّح بجدران البيت العتيق:
ـ ياربّ.. إنّي مؤمنة بك وبما جاء به رُسُلُك، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، فبحقّ من بنى البيت العتيق يسِّرْ علَيّ ولادتي.
واشتدّ المخاض؛ وفي تلك اللحظات عندما يتّحد الإنسان مع السماء انشق الجدار لتلج فاطمة إلى جوف الكعبة.. إلى الاحضان الدافئة المفعمة بالسلام لتترك أهل مكّة في حيرة وذهول.
وتمرّ أيام ثلاثة، حتّى إذا أشرق اليوم الرابع خرجت فاطمة من أعماق الكعبة وهي تحمل صبيّاً في منظر ملائكيّ لا يقلّ بريقاً عن مشهد مريم ابنة عمران يوم جاءت تحمل عيسى بعد أن اشتدّ بها المخاض عند جذع النخلة.
وانطلق البشير إلى أبي طالب، فأقبل وأهل بيته مسرعين وقد غمرت الفرحة قلوبهم، وكان أكثرهم فرحة محمّد الذي ضمّ الصبيّ إلى صدره الدافئ وحمله إلى بيت أبي طالب.
وكما يومض البرق في السماء ومض اسم « عليّ » في ذهن أبي طالب؛ لقد كان عليّ هديّة السماء إلى الأرض؛ صبيٌّ خرج من أعماق الكعبة المعظمة كما تخرج اللؤلؤة من صدفتها الجميلة.
ونما علي يتخطّى الأيام والشهور، يتأمّل وجوهاً نَضِرة تحنو عليه وتبتسم له وتناغيه، وكان أحبّها إليه وجه يحمل اسماً جميلاً هو « محمّد »؛ وهكذا تدفّق نبع من الحبّ السماويّ بين محمّد وعليّ.
وتعصف أزمة اقتصاديّة بمكّة، ويعاني أبو طالب من وطأتها فقد كان كثير العيال؛ وهنا يتقدّم محمّد إلى عمّه الثريّ العباس ويقترح عليه التخفيف من أعباء سيّد مكّة وزعيم بني هاشم، ويرحّب العباس بذلك فيأخذ جعفراً ويأخذ محمّد وليد الكعبة عليّاً. وانتقل الصبي إلى ظلال وارفة لينشأ في بيت خديجة المُفعم بالمحبّة والسلام.
ومن ذلك التاريخ لم يفارق عليّ كافله ومعلّمه العظيم، وهكذا قُدّر لعلي أن يكون صورة مصغّرة لمحمّد المثال الأسمى للإنسانية عبر تاريخها الطويل.
هل رأيت الفصيل وهو يتبع أمّه، إنّه لا يشعر بالطمأنينة والأمن إلاّ في أحضانها أو بالقرب منها، وهكذا كان الصبي يتبع ابن عمّه يُلازمه كظلّ، يرافقه في طوافه حول الكعبة بيت إبراهيم، وينطلق معه صوب جبل حِراء موعده في كلّ عام، ولم يكن حراء قريباً بل كان يبعد عنها ثمانية أميال، وكان محمّد قد اختار في تلك السفوح غاراً لا يكاد يسع إلاّ لثلاثة أشخاص.
وكان محمّد يستغرق في تأمّلاته التي تأخذه بعيداً عن ويلات الأرض وأدرانها؛ وكان علي يراقب معلّمه يتعلّم من حركاته وسكناته وتأمّلاته ما يجعله يرى بوضوح حقائق العالم؛ لقد وعى عليّ كلّ التحوّلات الروحيّة لابن عمّه العظيم، فكان له كالمرآة الصافية تنعكس فيها شخصيّة محمّد، وتتجلّى فيها اخلاقه الرفيعة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:51 AM
وهبط جبريل

وعندما بلغ الصبي العاشرة من عمره شهد بكلّ جوارحه أعظم حدث في تاريخ الأرض يوم هبط الملاك يحمل البُشرى لمحمّد هاتفاً:
ـ يا محمّد! أنت رسول الله.. وأنا جبريل.
ولقد أفزع هذا الحادث الشيطانَ، فأطلق رنّة يأس وهو يرى النور يغمر حراء وسيغمر العالم كلّه؛ وتساءل الفتى:
ـ يا رسول الله ما هذه الرّنة ؟!
وأجاب آخر الأنبياء:
ـ هذا الشيطان قد أيس من عبادته.
وألقى النبيّ نظرة حبّ على أخيه الصغير:
ـ إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى..
ومنذ ذلك التاريخ ـ أي في عام 610 للميلاد ـ وعلي يتشرّب آيات السماء وكلمات القرآن، وفي مجتمع غارق في الوثنيّة حتى أذُنيه. كان عليّ الفتى الوحيد الذي أضاءت في قلبه حقيقة التوحيد التي جعلته ينظر إلى مئات الاصنام والأوثان المحيطة بالكعبة نظرة ازدراء ويتّجه بقلبه إلى السماء... إلى الآفاق اللانهائيّة حيث تتجلّى عظمة الإله الأوحد.
وكان رسول الله ينظر نظر حبّ إلى مثالٍ إنسانيّ رفيع اختارته السماء ليكون عَوناً في إبلاغ آخر الرسالات، فلقد حمل علي كلّ ملامح محمد إلاّ النبوّة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:52 AM
الإنذار

وانتقلت دعوة الإسلام إلى اطار أوسع عندما هبط جبريل بالآية الكريمة: (( وأنذِرْ عشيرتَك الأقربين * واخفِضْ جَناحَك لمنِ اتّبعك من المؤمنين * فإن عَصَوك فقُل إنّي بريء مِمّا تعملون)) .
ورأٍى النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يدعو بني عبدالمطلب إلى وليمة في منزله، فأمر علياً أن يُهيّأ لذلك؛ لقد كان طعاماً مباركاً شبع المدعوون منه لحماً وارتووا لبناً؛ فعلّق أبو لهب دون أدب قائلاً:
ـ ما أشدّ سحر محمّد.
وبذلك فوّت الفرصة على النبيّ الذي اعتصم بالصمت، ونهض أبو طالب وهو ينظر إلى أخيه من أبيه نظرة غضب، ونهض الجميع.
وأدرك عليّ أن الجوّ لم يكن مناسباً للحديث في أمر هامّ، بعد الذي تفوّه به أبو لهب.
وتمرّ الأيام ورأى رسول الله أن يدعو قومه مرّة أُخرى فقال لربيبه عليّ:
ـ يا عليّ قد رأيتَ كيف سبقني هذا الرجل إلى الكلام، فاصنع لنا غداً كما صنعت بالأمس واجمعهم لعلّي أكلّمهم بما أمرني الله. وتمّت الدعوة عندما احتشد أربعون رجلاً من بني عبدالمطّلب، وكان أبو لهب ينظر إلى محمّد ولكنّه لم ينبس ببنت شَفة فقد هيمن شخص أبي طالب على المكان، وكانوا يعرفون مدى حب سيّد مكة لابن أخيه محمّد، وتحدّث النبيّ بأدب يبهر كلّ من أصغى إلى منطقه، قائلاً:
ـ ما أعلمُ إنساناً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتُكم به.. لقد جئتُكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربّي أن ادعوكم إليه.. فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر فيكون أخي ووصيّي وخليفتي مِن بعدي ؟
وهيمن الصمت؛ كان عليّ يُصغي إلى النبي وعيناه تتألقان بحماس الشباب؛ فنهض يعلن استعداده المطلق في نصرة النبيّ قائلاً:
ـ أنا يا نبيَّ الله.
وطلب الرسول من فتاه أن يجلس؛ وكرّر عرضه مرّة ومرّة ولكن دون جدوى، وفي كل مرّة كان عليّ ينهض، وتأثّر النبيّ لمنظره فاتّجه إليه يُعانقه ويبكي وتمتم بكلمات تخترق الزمن: أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي.
وانتفض أبو لهب ساخراً كعادته، والتفت إلى أخيه شيخ مكّة:
ـ قد أمركَ محمّد أن تسمع لابنك وتطيع!
وفي تلك اللحظات وُلِد الميثاق بين رجلَين تفصلهما ثلاثون سنة، وبرز عليّ لتحمّل مسؤولية لا ينهض بها إلاّ الأوصياء.

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:53 AM
فوق جبل الصفا

الحقائق الكبرى تضطرم في قلب محمد، تسطع بنور يكاد سنا برقه يُضيء العالم؛ ويأوي محمد إلى فراشه وهو ينوء بثقل الرسالات؛ وجاءت خديجة زوجته المؤمنة الصدّيقة فدثّرته بالغطاء وغادرت الحجرة تاركة رسول الله في استراحة هانئة؛ وفجأة دوّى الصوت الذي سمعه في حراء من قبل:
ـ ((يا أيها المُدّثِّر * قُم فأنذِر * وربّك فكبِّر)) .
ودخلت خديجة لترى زوجها العظيم غارقاً في تأمّلاته وجبينه ينضح عرقاً.. فقالت بإشفاق:
ـ لِمَ لا تنام يا أبا القاسم!
فاجاب آخر الأنبياء في التاريخ:
ـ انتهى يا خديجة عهد النوم والراحة.. أمرني جبريل أن أُنذر الناس.
وانطلق رسول الله إلى جبل الصفا، حتّى إذا استوى على قمّته نادى بصوت عال:
ـ يا معشر قريش!
وهبّ الرجال إلى الجبل، ونفوسهم تتطلّع إلى ما سيقوله محمّد.. حتّى إذا اجتمع الناس هتف النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ أرأيتم لو أُخبرتُكم أنّ خيلاً بسفح هذا الجبل، أكنتم تصدّقون ؟ وانطلقت صيحات التصديق من هنا وهناك:
ـ نعم.. فأنت عندنا الصادق المصدَّق.. ما جرّبنا عليك كذباً قَطّ؛ وعندها أعلن النبيُّ رسالة السماء:
ـ إنّي نذيرٌ لكم بين يدَي عذابٍ شديد.. لا إله إلاّ الله وأنا رسول الله!
وانتفض أبو لهب وجسمه البدين يكاد يتشظى حقداً قائلاً:
ـ تبّاً لك سائر اليوم.
وتأثّر النبيّ بشدّة لموقف أبي لهب، وما لبث جبريل أن هبط يحمل سورة تتشظّى لهباً:
(( تَبّتْ يدا أبي لهب وتَبّ * ما أغنى عنه مالُه وما كَسَب * سيصلى ناراً ذاتَ لَهَب * وامرأتُه حمّالةَ الحطب * في جِيدها حبلٌ مِن مَسَد )).
وفي هذا المقطع الزمني دخلت دعوة الإسلام أدقّ مراحلها وأكثرها حساسيّة؛ فقد انتشرت كلمات الله، وراحت تطوف بيوت مكّة، واستنشق شذاها المحرومون والمقهورون كما يستنشقون نسمات « الصبا » وهي تحمل لهم بشارة الربيع القادم.
ما أن ينشر المساء ستائره، وتتألّق النجوم في صفحة السماء الصافية حتّى يشهد منزلُ النبيّ حركة غير عادية، حيث يهفو الظامئون في غمرة الظلام إلى نبع النور كما الفراشات تبحث عن الشموع.




لقاء في الكعبة

عبرت كلماتُ السماء حدودَ مكّة؛ انتشر شذاها في ربوع الجزيرة؛ وشهدت جلسات السَّمَر في مضارب القبائل أحاديث عن رجل مكّيّ اسمه محمّد، من بني هاشم، وخفقت القلوب لكلمة التوحيد، فجاءت تقطع المسافات تتنسّم أخبار النبيّ؛ وذات يوم شدّ جُندَب من قبيلة غِفار الرِّحالَ إلى مكّة، فدخلها على حذر، واتّجه إلى الكعبة بيت الله الحرام عَلّه يعثر على ضالته؛ وراح يراقب عن كَثَب الوجوه، فقد يرى محمّداً، ويُصغي إلى الأحاديث المتناثرة فلعلّه يمسك بخيط فيها يدلّه على النبيّ.. ولكن دون جدوى.
توارت الشمس خلف تلال مكّة، ودبّ المساء، وأقفرت الكعبة من الوافدين، والرجل الغِفاري ما يزال جالساً ينتظر، وقد اعتصر اليأس قلبه.. مرّت لحظات فدخل شابٌ حرم المسجد وراح يطوف حول البيت العتيق؛ ودار حوار مقتضب بينه وبين القادم الغريب:
ـ من الرجل ؟
ـ من غِفار.
ـ قُم إلى منزلك.
وأكبر الرجل الغفاريّ سماحة الفتى المكّي فنهض معه إلى منزله.
أمضى الغفاري ليلته في بيت أبي طالب، فوجد من الكرم العربي والسَّماحة ما بعث في قلبه الأمل، ولم يكن الغفاري ليعلم من يكون هذا الفتى ؟
وفي الصباح عاد الرجل الغريب أدراجه إلى الكعبة وراح كعادته يتصفّح الوجوه ويُصغي إلى الأحاديث؛ وحلّ المساء، ومرّ الفتى وألقى كلمته بودّ:
ـ أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟!
ونهض الرجل الغِفاري ملبّياً دعوة الفتى، ومضى معه إلى منزل كريم.
ويتكرّر ذات المشهد في اليوم الثالث، وقد ارتاح جندب إلى ذلك الفتى الطيب، وإن لم يعرف هويّته بعد. والتزم الرجل الغريب كعادته الصمت وإن بدت الحيرة على وجهه، فسأل الفتى ضيفه:
ـ أراك مفكّراً، ففيم تفكّر ؟
ووجد الغريب نفسه يُصارح الفتى بشيء من الاحتياط:
ـ إن كتمتَ عليّ أخبرتُك.
ـ أكتم عليك إن شاء الله.
وارتاح الغريب لكلمة حبيبة إلى قلبه؛ فأفصح عن مهمّته التي جاء من أجلها مكّة:
ـ بَلَغَنا أنّه قد خرج هنا رجل يزعم أنّه نبي، فأردتُ أن ألقاه.
ـ أما إنّك قد رشدت، إتّبِعْني حيث أذهب، فان رأيتُ أحداً أخافُه عليك قمتُ إلى الحائط كأنّي أُصلح نعلي فامضِ في طريقك.
وهكذا سار الفتى وسار خلفه الرجل الغفاري، حتّى وصلا منزل النبيّ، وأسفر اللقاء عن إسلام جندب الذي اصبح اسمُه « أبا ذر »، ولم ينسَ المسلم الجديد أن يسأل رسول الله عن الفتى الذي دلّه عليه، فأجاب النبيّ صلّى الله عليه وآله باعتزاز:
ـ هو ابنُ عمّي وأخي عليّ بن أبي طالب.
وتحوّل أبو ذر منذ تلك الليلة الحاسمة في حياته إلى بُركان، بعد أن اضطرمت في أعماقه حقيقة الإيمان، فهتف بعزم:
ـ والذي بعثَكَ بالحقّ نبياً، لأصرخنّ بها في المسجد الحرام.
ما أن أشرقت شمس اليوم التالي حتّى كان أبو ذر في وسط المسجد يتحدّى جبروت قريش وهو يهتف بصوت جَهوري:
ـ يا معشر قريش، إنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمّداً رسول الله.
ولقد هزّت الصرخة الوضعَ السائد، ليبدأ فصل جديد في تاريخ الإسلام.

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:54 AM
هزيمة الشعر الجاهلي

ورأى زعماء مكّة مواجهة خطر الدين الجديد باستخدام أمضى الأسلحة وهو الشعر الذي بلغ العرب فيه الذروة آنذاك، وهكذا انبرى أبو سفيان بن الحارث وعمرو بن العاص وابن الزِّبَعْرى وغيرهم إلى مُقارعة النبيّ، ولكنّهم وجدوا أنفسهم خاسرين لدى أول منازلة، ولم يصمد الشعر الجاهلي برُمّته أمام بلاغة آيات القرآن التي فتنت العربي بحلاوتها وطلاوتها وانسيابها وتأثيرها العميق.
ووقف العربي مشدوهاً أمام ظاهرة بلاغيّة لم تكن لتخطر على باله؛ وقد نصح الوليد بن المغيرة قريشاً بعد أن اعترف قائلاً: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه ليحطم ما تحته، وإنّه ليعلو لا يُعلى عليه؛ نصحهم أن يقولوا: (( ما هو إلاّ سحرٌ يُؤثَر)) أما رأيتموه يُفرّق بين الرجل وأهله وولده.
وقد لجّ كفار قريش في صراعهم مع النبيّ وقالوا أنّ ما يردّده محمّد لا يعدو أن يكون أساطير الأولين اكْتَتَبَها فهي تُملى عليه بُكرةً وأصيلا؛ وينبري النضر بن الحارث إلى ترديد أساطير قديمة من قبيل حكايات « اسفنديار ورستم » الفارسية الأصل، واتّخذ مكانه في المسجد الحرام حيث يجلس النبيّ لتلاوة القرآن، ولم تُجدِ كلُّ المحاولات في صرف المأخوذين برَوعة البيان السماويّ عن الاصغاء لمحمّد، ولم يجدوا سبيلاً سوى إبداء النصائح قائلين:(( لا تَسمعوا لهذا القرآنِ والغَوا فيه لعلّكم تَغلِبون)) !
إنّنا نذكر ذلك لأنّنا سنجد الفتى عليّ بن أبي طالب سوف يبهر العرب ببلاغته بعد عقود من السنين، فلقد تشرّب آيات السماء منذ اعتناقه الإسلام يوم الثلاثاء


سنوات الرماد

تفتّق ذهن أبي جهل عن فكرة شيطانيّة تقضي بمقاطعة بني هاشم اقتصادياً واجتماعياً، وقد تحمّس لها زعماء قريش فحرّروا بذلك صحيفة قاسية وقّعها أربعون رجلاً منهم يمثّلون طوائف قريش؛ وعُلِّقت الصحيفة في جوف الكعبة لكي تكتسب صفة مقدّسة.
جدير بالذكر أنّ فكرة المقاطعة هذه قد تمّ تداولها في « دار الندوة » وهو المكان الذي تجتمع فيه قريش لمناقشة القضايا المصيرية.
وكان أبو طالب عم النبيّ صلّى الله عليه وآله في مستوى التحدّي الجديد، فنصح قبيلته بالنزوح إلى أحد أودية مكّة لأن روح المقاطعة يتضمّن شكلاً من أشكال إعلان الحرب، وبات من المتعذّر على المحاصَرين مغادرة الوادي إلاّ في موسمَي الحجّ والعُمرة؛ وقد تفقّد أبو طالب الثغرات الموجودة في الوادي وبنى فيها تحصينات منيعة للحؤول دون تسلّل من يهمّه الاعتداء على حياة النبيّ الذي أضحى رمزاً لأكبر تحدٍّ يواجهه بنو هاشم وبنو عبدالمطلب).
ولقد كانت تجربة الحصار تجربة مريرة عانى فيها المحاصرون من الجوع والظمأ، ولكنّهم صمدوا حتّى النهاية، وكان أكبر همّ أبي طالب حماية النبيّ بأيّ ثمن، وأصبح من المَشاهد المتكرّرة أنّه كان يطلب من ابن اخيه العظيم أن يأوى إلى فراشه في ساعة الغروب حتّى يراه الجميع، فإذا غمر الظلام الوادي طلب من ابنه علي أن ينام في فراش ابن عمّه، فإذا كان هناك من يراقب النبيّ ويترصّده ليعيّن مكانه قبل أن يتسلّل لتنفيذ جريمته، فإنّه سوف يطعن قلب عليّ وبذلك ينجو محمّد صلّى الله عليه وآله وتستمرّ رسالة السماء.
وليس هناك ما يفسّر هذا الموقف سوى الإيمان.. الإيمان العميق لذلك الشيخ الوقور والسيّد المهاب.
ولنتصوّر مشاعر ذلك الفتى الشجاع وهو يتقدّم كلّ ليلة طائعاً لينام في فراش رجل تترصّده عيونُ الحقد تتربّص به خناجر الغدر، إنّه يعانق الموت كلّ ليلة فداءً للحبيب محمّد صلّى الله عليه وآله.
ولقد استمرّت أيام الحصار ثلاث سنين، وكانت الأُرضة تقضم خلالها البُنود الظالمة فلم تترك في الصحيفة سوى كلمة مقدّسة هي « باسمك اللهمّ ».
ولقد بلغت النذالة لدى زعماء قريش أنّهم كانوا يشتسرون ما يُعرَض من طعام في مكّة لتخلوا الأسواق منه في الأيام التي يخرج فيها المحاصَرون في موسم الحجّ، حتّى إذا جاءوا ليشتروا طعاماً لم يجدوا شيئاً، فيعودوا لمواصلة رحلة الجوع المُضنية.
واستكملت الارضة التهام الصحيفة الظالمة ما خلا « باسمك اللهمّ » واتصلت السماء بالأرض، وجاء محمّد يبشّر عمّه أبا طالب، ووقف زعماء مكّة مذهولين أمام معجزة السماء، لقد قهرت هذه الحشرة الصغيرة كبرياء قريش، مرّغت غُرورهم بالوحل.
ولنتخيّل فرحة الصغار وهم يعودون إلى أحضان مدينتهم بعد معاناة طويلة في الوادي

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:55 AM
العام الحزين

مضت شهور على انتهاء الحصار وكان أبو طالب الذي تخطى الثمانين يخطو صوب النهاية.. نهاية كلّ الحيوات، لقد هدّته السنون والحوادث.
وقف عليّ يتأمّل أباه بعينَين غارقتَين بالدموع، لقد توقّف القلب الكبير.. وسكنت تلك الأنفاس الدافئة، ووقف النبيّ صلّى الله عليه وآله يبكي بمرارة وهو يُؤبّن الراحل الكبير:
ـ رحمك الله يا عمّ.. ربّيتَني صغيراً وكفلتَني يتيماً ونصرتني كبيراً..
ولم يجد أحداً يواسيه سوى أخيه وربيبه فعانقه وقد أجهش بالبكاء.
ويسدّد القدر سَهماً آخر، وإذا بخديجة تلك الزوجة المؤمنة الوفية تسقط هي الأُخرى فريسة المرض، ولم تلبث أن ودّعت زوجها العظيم.
يا لعذاب الأنبياء! يا لصبر محمّد! الزمان يتخطّف أحبَّته مُذ كان جنيناً في بطن أُمّه، وعندما بلغ ستّ سنين ويوم بلغ الثامنة؛ غير أن أبا طالب لم يغادر الدنيا حتّى خلّف فتى يفدي أخاه بروحه، ولم ترحل خديجة حتى قدّمت لزوجها فتاةً تذوب حناناً ورحمة لأبيها.
بدأ زمن الزمهرير والذئاب التي كانت تهاب أبا طالب ذات يوم، هي الآن تعوي، عيونها تبرق حقداً وقد ذرّ الشيطان قرنَيه
الحياة في موتكم قاهرين

سوف يبقى الموت والحياة لغزاً في حياة البشر، فالضباب الذي يهيمن على العيون سوف يحجب الرؤية بوضوح لمن يريد الخلود، فأيّ الطريقَين يسلك: طريق الموت أم طريق الحياة؛ دعنا نراقب منزلاً كريماً في مكّة وقد مضت ثلاثة عشر عاماً على هبوط جبريل في غار حراء.
شعر المشركون بالخطر وهم يرون أبناء مكّة يفرّون بدينهم متّجهين شمالاً إلى مدينة يثرب، لقد قيّض الله لهم قوماً لنصرة رسالة السماء، وقد تتابعت هجرة المسلمين حتّى أقفرت أحياء بكاملها).
وأدركت قريش أنّ وقوفها مكتوفة الأيدي يعني تنامي الخطر يوماً بعد آخر؛ وانبرى أبو جهل ليضع خطّة جهنمية لتصفية محمّد إلى الأبد.
وهبط جبريل يفضح خطّة الشيطان لإطفاء النور الذي أضاء جبل حراء وسوف يضيء العالم بأسره:
(( وإذ يمكرُ بك الذين كفروا لِيُثْبِتوك أو يَقتلوك أو يُخرجوك، ويمكرون ويمكرُ اللهُ واللهُ خير الماكرين )).
وفي تلك اللحظات التاريخية بدأت واحدة من أعظم قصص الفداء في تاريخ الإنسان.
ولا يمكن للمرء مهما أُوتي من سَعة الخيال أن يتصوّر مشاعر شاب في الثالثة والعشرين من عمره وهو يتقدّم إلى معانقة الموت.
تسارعت الأحداث بشكل مثير، ونسجت قريش أخطر مؤامراتها كما تنسج العنكبوت بيتاً هو أوهن البيوت، ودعا النبيّ ابن عمّه الحبيب وأطلعه على فصول المؤامرة؛ وكان المطلوب من علي أن يرقد في فراش النبيّ، وكان همّ ابن أبي طالب الوحيد هو أن يسأل:
ـ أوَ تَسلم يا رسول الله إنْ فديتُك بنفسي ؟)
ـ نعم... بذلك وعدني ربّي.
وارتسمت مشاعر فرحٍ على وجه علي، وتقدّم إلى فراش النبي ليرقد بسلام آمناً مطمئناً، فيما كانت عيون أربعين ذئب تبرق في الظلام، وتمرّ اللحظات مثيرة وانسلّ رسول الله خارجاً من المنزل متّجهاً صوب الجنوب إلى غار في جبل ثور.
واقتحم المتآمرون منزل رسول الله والسيوف تبرق في غبش الفجر، وكانت المفاجأة أن هبّ عليّ من الفراش، وأسقط في أيديهم.
وشهدت مكّة في الساعات الأولى من الصباح حركة غير عادية، لقد رحل الإنسان الذي أرسلته السماء ليغمر الأرض بنور ربّها.
فُرسان الدوريات تبحث في كلّ مكان، وقد رصدت قريش الجوائز المغرية لمن يأتيها بمحمّد حيّاً أو ميتاً أو يُدلي بمعلومات تساعد في محاصرته.
ومكث علي في مكّة أياماً كان خلالها يتّجه إلى الأبطح في الغدوّ والآصال فينادي:
ـ ألا من كانت له قِبلَ محمّد أمانة فليأتِ لُتؤدّى له أمانتُه

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:55 AM
رسالة من قُبا

وصل سيّدنا محمّد « قبا » وحطّ رحله في تلك البقعة من أرض الله؛ ومن قبا بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله رسالة إلى ابن عمّه يأمره فيها بالقدوم، وانطلق أبو واقد الليثي إلى مكّة وسلّم الرسالة عليّاً.
ترى لماذا هذا الاصرار على انتظار عليّ ؟ لماذا ظلّ النبيّ على أبواب المدينة حتّى يقدم ابن عمه وأخوه ؟ لقد وقف التاريخ الهجري ينتظر تلك اللحظات الدافئة في لقاء محمّد وعليّ، هناك في أعماق عليّ سرّ عجيب، عندما تضطرم الحقيقة الكبرى في الذات الإنسانيّة فتُحيل كلّ ما حولها أشياءً متألّقة بضوء لا يستمدّ شعاعه من شمس ولا قمر، إنه الضوء القادم من قلب السماوات.. وهكذا كان إيمان ذلك الفتى أنّه لا يعرف في الوجود سيّداً غير محمّد.. محمّد الذي فتح عينيه على ينابيع النور في سفوح حراء.
لا شيء في الأُفق سوى الرمال وذلك الخط الأزرق الذي يعانق سُمرة الرمال، ولاحت قافلة تسير على هون.. قافلة فيها أربع فواطم.. فاطمة بنت أسد وفاطمة بنت محمّد، وفاطمة بنت حمزة وفاطمة بنت الزبير. وفي « ذي طوى » كان المقهورون ينتظرون عليّاً لينقذهم من القرية الظالم أهلها، وسارت القافلة تشقّ طريقها في بطون الأودية، ولا شيءَ سوى السماء الزرقاء والرمال السمراء.
عليّ يعرف أشياء كثيرة... منذ عشرين سنة وهو يرافق رجلاً اختارته السماء، إنّه لا يرافقه فحَسْب بل يذوب فيه ويندمج معه.. لهذا فهو يعرف سرّ العالم.
شيء واحد كان يجهله تماماً ولا يعرف له معنى هو الخوف، لقد وقف الإنسان عاجزاً أمام لغز الموت نهاية كل الحيوات، هل هو نهاية أم بداية ؟ ولكنّ علياً الذي اكتشف نبع الخلود قَهَرَ الموت أكثر من مرّة، وكان الموت يهرب منه، يفرّ من بين يديه كلّما أراد عِناقه.
لقد التحف قبل أيام ببُردة النبيّ وأغمضَ عينيه في فراش تغمره رائحة الفردوس، إنّه يقدّم نفسه قرباناً لآخر الأنبياء في تاريخ الإنسان؛ وإذا كان إسماعيل قد أسلم وجهه لله، فإنّه كان يدرك أن أباه سيذبحه على هون، ولكنّ عليّاً أغمض عينيه ليفتحهما على عشرات الخناجر المسمومة التي ستبضّعه، وسوف تتدفّق دماؤه من خلال مئات الجراح.
لقد تنافست الملائكة من أجل الحياة، لم يَفْدِ جبريلُ ميكال، واختار كلاهما الحياة، ولكنّ الإنسان الذي صاغته السماء حطّم حاجز الموت، كسّر قضبان الزمن الصدئة واختار الفداء
القافلة تطوي المسافات.. حتّى إذا وصلت قريباً من « ضَجنان » أدركها « الطلب »، وإذا بثمانية فرسان يعترضون القافلة يريدون إعادة التاريخ إلى الوراء، وفي ذلك المكان فُوجئت جزيرة العرب بـ « ذي الفقار » يتألّق في دنيا الفروسية؛ كانوا ثمانية فرسان يريدون إعادة القافلة إلى مكّة.. إلى القرية الظالم أهلها.. العيون تبرق حقداً؛ هتف فارس لم يكتشف علياً بعد:
ـ أظننت يا غدّار أنّك ناجٍ بالنسوة.. ارجِع لا أباً لك.
أجاب علي بثبات جبل حراء:
ـ فإن لم أفعل ؟
ـ لترجعنّ راغماً.
وأغار « جناح » على النوق لإثارتها فاعترضه عليّ، فأهوى عليه جناح بضربةٍ تفاداها علي وسدّد له ضربة جبّارة فقضى عليه؛ تسمّر الباقون وقد أذهلتهم المفاجأة.. إنّهم لم يَرَوا في حياتهم ضربة كهذه؛ صاح أحدُهم وقد رأى الفتى يستعدّ لشنّ هجوم معاكس:
ـ احبِس نفسَك عنّا يا ابن أبي طالب.
وهتف عليّ كأنّما يتحدّى العالم الوَثنَيّ بأسره:
ـ إنّي منطلق إلى أخي وابن عمّي رسول الله.
وانطلقت القافلة صوب يثرب، وكان رسول الله ما يزال ينتظر في قبا؛ ووقف التاريخ الإنساني ينتظر قبل أن يلج عهداً جديداً من فصوله المثيرة في المنعطفات التي تُغيّر فيها المدن أسماءها.
وفي السادس عشر من ربيع الأول الموافق 20 أيلول عام 622 للميلاد وصلت قافلة التاريخ الهجري مدينة يثرب، وكانت الحُشود المسلمة تحدّق في « ثنيّات الوداع » تترقّب وصول آخر الأنبياء في تاريخ البشرية.
وكانت « القصوى » تشق طريقها إلى بقعة اختارتها السماء لتكون منزلاً ومسجداً وطهوراً؛ وتوقفت الناقة في « مربد » لغلامَين يتيمَين من بني النجّار.
وبُوشِر العمل في بناء مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله وكان ذلك إيذاناً بميلاد أُمّة جديدة؛ وانسابت كلمات الأذان معبّرة أخّاذة كلحنٍ قادم من السماء
ومرّ عام

استقبلت المدينة المنوّرة عامها الثاني بالأمل، فالحياة الجديدة تتدفّق والمسلمون أُمّة واحدة؛ وفي الخامس عشر من شعبان هبط جبريل يعلن تحوّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ وفي غمرة هذا العام المبارك تقدّم عليّ الذي بلغ من العمر خمساً وعشرين سنة إلى خِطبة فاطمة بنت رسول الله، وتمّ الزواج المبارك في مراسم غاية في البساطة رعاها النبيُّ بنفسه، وقد بلغ من البساطة والشفّافية أن ترك بصماته واضحة في التاريخ الإسلامي؛ وانتقل الزوجان إلى بيت دافئ مفعم بالمحبة والسلام.
وتمضي الحياة هادئةً كنهر تنثال مياهه على الشطآن، والمجتمع الوليد ينمو، يتفتّح للعطاء كشجرة أصلُها ثابت وفَرعها في السماء؛ ولكنّ الذين تآمروا في مكّة لإطفاء النور كَبُر عليهم نجاح محمد، لهذا فكّروا ودبّروا فلم يجدوا سوى الحصار التجاري سلاحاً لتجويع شعبٍ آمن بالله وكفر بالأوثان.
وهكذا شحّت الموادّ الغذائية في المدينة وارتفعت الأسعار وتلاعب اليهود بالسوق؛ ولم يقف سيّدنا محمّد مكتوف الأيدي، فردّ كيد مكّة إلى نحرها وجرّد حملة عسكرية وقد (( أُذن للذين يُقاتَلون بأنّهم ظُلِموا وإنّ الله على نَصْرِهم لَقَدير )) .
وكان هدف الحملة العسكريّة اعتراض قافلة تجاريّة مؤلّفة من ألف بعير وتضمّ رؤوس أموال ضخمة؛ وفي مصادرة هذه القافلة يكون المسلمون المهاجرون الذين صودرت ممتلكاتهم قد استرجعوا جزءً من حقوقهم المُغتصَبة.
وتسارعت الأحداث بشكل مثير، وإذا بالأنباء تفيد عن تحرّك عسكريّ خطير في مكّة، وتَقدّمَ جيش مؤلّف من ألف مقاتل؛ وكان أمام جيش النبيّ المؤلّف من ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتل من المشاة باستثناء فارس واحد أن يحسم موقفه بين الانسحاب أو المواجهة؛ وأراد سيدنا محمّد معرفة مدى الاستعداد القتاليّ لأصحابه، فوجد لدى المهاجرين عزماً على القتال حتّى النهاية، ولدى الأنصار حماساً في الطاعة يصل إلى اجتياز البحر الأحمر، وفي فجر السابع عشر من شهر رمضان وقرب آبار بدر التحم الجيشان في معركة ضارية أسفرت عن انتصارٍ ساحق للجيش الإسلاميّ وسقوط سبعين قتيلاً من المشركين؛ وفي ذلك اليوم الخالد ارتفع اسم عليٍّ عالياً في سماء الشجاعة والفروسيّة

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:56 AM
إلاّ ذو الفقار

نجم عن هزيمة المشركين الساحقة في بدر أن غيّرت قريش طرقها التجارية من الشام إلى العراق، وبالرغم من صعوبة ذلك وجهل قريش بالطرق الجديدة، إلاّ أنها فضّلت ذلك مُرغَمة بعد أن أصبحت قوافلها التجارية على طريق الشام مُهدَّدة.
وفي مكّة كانت هند زوجة أبي سفيان تتحرّق حقداً وتترقّب ساعة الانتقام والثأر، وكان حقدها ينصبّ على ثلاثة نفر هم محمّد صلّى الله عليه وآله وعليّ والحمزة؛ وقد رفضت تلك المرأة البكاء والنوح على أبيها عتبة وأبنَيه لتحتفظ بأكبر مخزون من الحقد وروح الانتقام. ويمكن القول أنّ معركة أحد، إنّما جاءت استجابةً عمياء لروح الثأر التي ينطوي عليها عرب الجاهلية، وتقف هند وراء حماس أبي سفيان في صراعه مع الإسلام، مع أنّ البيت السفيانيّ لم يكن أقلّ حقداً من غيره على سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله
وفي شوّال وقد مرّت الذكرى الأولى لأكبر وأوّل انتصار إسلامي قرب عيون بدر.. بدأ المشركون بقيادة أبي سفيان زحفهم باتّجاه المدينة، وقد خرجت هند ومعها بعض النسوة يحملن الدفوف وينشدن أشعار الثأر، التي تخرج عن دائرة الحياء.
تلقّت المدينة الأنباء وبدأت الاستعدادات للمواجهة بعد جَدَل في المسجد، ولكن النبيّ صلّى الله عليه وآله وقد رأى حماس الشباب في القتال خارج المدينة لبس لامة حربه وحسم الأمر، وتحرّك الجيش الإسلامي؛ المؤلّف من ألف مقاتل، ولكنّ رأس النفاق ابن أبي سلول قرّر العودة ومعه ثلاثمئة مقاتل مُحدِثاً بذلك شرخاً واسعاً في صفوف القوات الإسلامية وهي على وشك الاشتباك، وقد رأى بعض الصحابة مواجهتهم ولكنّ النبيّ رفض ذلك.. وفي جبل أُحد التقى الجمعان، وضع النبيّ صلّى الله عليه وآله خطة المواجهة مؤكّداً على احتلال مرتفعات جبل « عينين » وتمركز قوّة من أمهر الرماة مؤلّفة من خمسين جنديّاً مهمّتها الدفاع وحماية مؤخّرة الجيش الإسلاميّ من حركة التفافٍ قد يقوم بها العدو.
رتّب المشركون قواتهم في صفوف مستفيدين من تجربتهم المريرة في بدر، مقلّدين بذلك الجيش الإسلاميّ، فهي استراتيجيّة إسلاميّة في القتال.
اشتعلت المعركة وكانت الجولة الأولى للمسلمين، وقد استبسل علي في القتال فكان ينقضّ على أصحاب اللواء من بني عبدالدار فتساقطوا تسعةً الواحد بعد الآخر، وعندما سقط اللواء للمرّة الأخيرة دبّت الهزيمة في قوّات الشرك، وأطلقت هند ساقَيها للريح وهي ترى أحلامها تذروها رياحُ الغضب الإسلامي.
وفي تلك اللحظات المثيرة تناسى الرماة وصايا النبيّ صلّى الله عليه وآله وغادروا مواقعهم من أجل الغنائم رغم صيحات قائدهم.
وهنا انتهز خالد بن الوليد الفرصة فقاد فرسانه في حركة التفافٍ سريعة مفاجئاً مؤخّرة جيش المسلمين، فحدثت الفوضى وعمّ الارتباك صفوف المقاتلين، ومن ثم جاءت الهزيمة، وانتشرت شائعة حول مصرع النبيّ، وفي غمرة هذه الفوضى كان سيّدنا محمّد ومعه بعض أصحابه وفي طليعتهم عليّ بن أبي طالب يسطرون أكبر ملحمة في المقاومة، وكانت كتائب الشرك تهاجم بعنف مركز القيادة، وكان علي والزبير وطلحة وأبو دجانة والحمزة وحُذيفة ومصعب بن عمير وغيرهم يقاتلون ببسالة، وسقط مصعب شهيداً فأخذ علي اللواء، وسقط حمزة سيّد الشهداء، والملحمة مستمرة، والكتائب تندفع نحو رسول الله، وهو يهتف بعليّ: دونك الكتيبة، وأُغمي على النبيّ من شدّة الجراح، وأفاق النبيّ صلّى الله عليه وآله، وقال لعليّ: ما فعل الناس ؟ فأجاب: لقد نقضوا العهد ووَلَّوا الدُّبُر؛ وفي تلك الأثناء انقضّت كتيبة مؤلّفة من خمسين فارساً، فهتف النبيّ بابن عمه:
ـ اكفني هولاء.
فانبرى عليّ وتصدّى لها بمفرده وأجبرها على التراجع؛ وفي تلك اللحظات وفي غمرة الغبار والقتال هبط جبريل قائلاً:
ـ يا محمّد، إنّ هذه لَهي المواساة!
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ وما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه.
فقال جبريل:
ـ وأنا منكما.
وسمعت الأذن البشريّة في تلك البقعة الملتهبة من دنيا الله صيحةً سماوية تملأ الفضاء:
ـ لا سيفَ إلاّ ذو الفقار.. ولا فتى إلاّ عليّ!


ويوم زاغت الأبصار

أسفرت معركة أحد عن زعزعة هيبة المسلمين في الجزيرة العربية إلى حدٍّ ما، ولكنّ سيّدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله اتّخذ ما من شأنه استرداد مجد الإسلام، إذ عبّأ النبيّ صلّى الله عليه وآله جيشه بعد يومٍ واحد فقط من المعركة وقاد حملة لمطاردة جيش المشركين الذين فضّلوا الانسحاب مكتفين بما حقّقوه من نجاح مؤقّت؛ وقد رابط النبيّ صلّى الله عليه وآله في « حمراء الأسد » مدّة ثلاثة أيام والجيش الإسلامي يشعل النيران ليلاً إمعاناً في تحدّي المشركين الذين عسكروا في وادي الروحاء لاتخاذ قرار حول مهاجمة المدينة المنورة، ولقد كان أبو سفيان يُدرك قبل غيره أنّ النصر الذي أحرزه جيشه في أُحد كان بسبب مغادرة رماة الجيش الإسلاميّ مواقعهم، لهذا قرّر العودة إلى مكّة منحنياً للعاصفة.
وما يؤكّد هذا الرأي أنّ قوافل قريش التجاريّة ظلّت تسلك طرق العراق الأكثر صعوبة، ومع كلّ هذا فقد بدأ المسلمون يهدّدون هذه الطرق أيضاً مما جعل المشركين يشعرون بالذُعر، فالتجارة كانت عَصَب الحياة في قريش.
وفي السنة الرابعة للهجرة وقع حادث خطير عندما حاول يهود « بني النَّضير » اغتيال النبيّ صلّى الله عليه وآله، وقد أخفقت المحاولة في اللحظات الأخيرة.. فقد تدخّلت السماء وأنذرت النبيّ صلّى الله عليه وآله بما دُبّر له. ونتيجة لهذا الانتهاك السافر لمعاهدةٍ بينهم وبين المسلمين قرّر الرسول صلّى الله عليه وآله تأديبهم، فحُوصرت قِلاعهم، وانبرى « عزّوك » لصبّ سهامه على خيمة النبيّ فأُبعدت قليلاً عن مرمى السهام، وقد سقط عزوك في كمينٍ نصبه عليّ بن أبي طالب فقُتل هو وعشرة من أفراده، واخيراً استسلم يهود بني النضير فتمّ ترحيلهم من المدينة، ويبدو أنّ حُيَيّ بن أخطَب زعيم بني النضير قد اختار خيبر وفي رأسه فكرةٌ رهيبة للقضاء على الإسلام.

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:58 AM
العدوان

يمكن القول أنّ فكرة غزو المدينة على النحو الذي وقع في شوّال من العام الخامس الهجري هي فكرة يهوديّة، وبالتحديد فكرة حُيَيّ بن أخطب، الذي وظّف ثلاثة عناصر هامّة: المال اليهوديّ، والحقد القُريشيّ الوَثَنيّ، والأطماع الغَطفانيّة بكلّ عمقها البشريّ الهائل.
وهكذا فوجئت المدينة المنوّرة بأنباء مثيرة حول تجمّع قَبليّ ضخم يربو على العشرة آلاف مقاتل.
وثار جدل واسع حول أسلوب مواجهة هذا الزحف الكبير، وفي غمرة النقاش طرح الصحابي الجليل سلمان الفارسيّ فكرة الخندق، وهي فكرة لم يألفها العقل العربي في تلك الحقبة من الزمن، وقد حَظِيت الفكرة بحماس الجميع، وتحوّل سلمان في نظر المسلمين إلى بطل.
وفي ظروف بالغة القسوة بوشر العمل بحفر الخندق في الجهة الشمالية من المدينة، وهي المنطقة المكشوفة التي تشكّل نقطة الضعف في دفاعات المدينة.
كان الفصل شتاءً والرياح القارسة تعصف بعنف، والعام عام مجاعة، وكان المسلمون لا يجدون في بعض الأحيان ما يسدّ رمقهم، على أننا لا ننسى أنّ شهر رمضان المبارك الذي استوعب مدّة الحفر قد منح المؤمنين إرادة جبّارة جعلت من كلّ تلك المعاناة عبادة وتقرّباً إلى الله. كما لا ننسى مدى الألم الذي يستشعره المؤمنون وهم يسمعون الشائعات التي يبثّها اليهود والمنافقون، والتي اتّخذت في بعض الأحيان طابع السخرية اللاذعة.
وبالرغم من كلّ الظروف المريرة فقد استكمل المسلمون حفر الخندق قبل ثلاثة أيام من وصول جيوش الغزو، وفُوجئ أبو سفيان بخندقٍ هائل يحول بينه وبين كلّ أحلامه المريضة في القضاء على الإسلام.
عسكرت القوات الزاحفة، وهيّأت نفسها لضرب الحصار، ومرّت الأيام قلقة مثيرة للأعصاب؛ رابطت القوات الإسلاميّة قريباً من الخندق، وحدثت مناوشات بالسهام، وفي غمرة الحصار تناهت إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله أنباء حول تحرّكات مشبوهة لبني قُريظة ونقضهم معاهدة الدفاع المشترك، بل ونيّتهم في الانضمام إلى قوات الغزو، وكانت قلاعهم داخل المدينة ممّا يُتيح لهم طعن الجيش الإسلامي في خاصرته، سيّما وأنهم يُشكّلون قوّة عسكرية ضاربة مجهّزة بأحسن الأسلحة ومؤلّفة من ألف مقاتل.
وتفاقمت الأخطار، وراح المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتسلّلون من المعسكر الإسلامي ليلاً، فلم يبق مع النبيّ صلّى الله عليه وآله سوى ألف مقاتل فقط.
وفجأة.. حدث تطوّر عسكري خطير عندما نفّذ عدّة فرسان من المشركين مغامرة جريئة في اقتحام الخندق والعبور إلى الجهة الأخرى، وليس هناك أفضل من هذه الآيات في رسم الحالة الخطيرة التي عاشها المسلمون في واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية: (( يا أيّها الذين آمنوا اذكُروا نِعمةَ الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تَرَوها وكان اللهُ بما تعملون بصيراً * إذ جاءوكم مِن فوقكم ومِن أسفلَ منكم وإذ زاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ وتظنّون بالله الظُّنونا * هنالك ابتُلِيَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً )) .
راح الفارس المغامر يخطر في مِشيته ويقوم باستعراضات استفزازيّة متحدّياً الإسلام والمسلمين، وقد وصل به الاستهتار أن هتف ساخراً:
ـ ألا مِن مشتاق إلى جَنّته ؟!
وللأسف فقد سجّلت معنويات المسلمين أدنى مستوىً لها باستثناء فتى الإسلام عليّ بن أبي طالب الذي نهض منذ اللحظات الأولى للمواجهة، فأنقذ بذلك الكرامة الإسلاميّة، وسوف ينقذ المصير الإسلاميّ من أكبر كارثة.
نهض عليٌّ بثباته المعروف وشجاعته، وتقدّم نحو سيّدنا محمّد الذي أشرف شخصيّاً على تجهيزه للصراع.
وعندما انطلق عليّ إلى ميدان المواجهة الخالدة رفع النبيّ صلّى الله عليه وآله يديه إلى السماء لتخترق دعواتُه الغيوم المتراكمة:
ـ اللهمّ إنّك قد أخذتَ منّي عُبيدةَ يوم بَدر، وحمزةَ يوم أُحد.. وهذا عليّ أخي وابن عمي، فلا تَذَرْني فرداً وأنت خير الوارثين.
وكان من تقاليد القتال الفرديّ أن يعرّف كلّ طرف نفسه إلى الآخر، سأل الفارس المعلَّم خصمه:
ـ من أنت ؟
ـ عليّ بن أبي طالب.
وهنا تغيرت نَبرة الخِطاب لدى عمرو بن عبد ودّ العامري، فتظاهر بالاشفاق قائلاً:
ـ ليبرز إليّ غيرُك يابن أخي.. إنني أكره أن أقتُلك لأنّ أباك كان صديقاً لي.
ودار حوار قصير.. فقد عرض عليّ ثلاث نقاط على خصمه قائلاً: إنّ قريشاً تتحدّث عنك أنّك تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث خِلال إلاّ أجبتُه ولو إلى واحدة.
ـ أجل.
ـ فإنّي أدعوك إلى الإسلام.
قال ابن عبد ودّ:
ـ دَع منك هذه.
ـ أدعوك أن ترجع بمَن يتبعك من قريش إلى مكّة.
قال الفارس بكبرياء:
ـ إذن تتحدّث عني نساء مكّة بالجُبن.
وهنا قال علي متحدّياً الوثنية كلّها:
ـ إذن أدعوك إلى المبارزة.
وغلت عروق الفارس المعلّم، فقفز من فوق فرسه وسدّد ضربة إلى حصانه فعقره، وهذا يعني أنّه سيقاتل حتّى النهاية.
كان عمرو ما يزال في فورة الغيظ فهجم على خصمه وسدّد له ضربةً جبّارة عليّ اتّقاها بدرقته ونشب السيف في الحديد، وهنا ردّ عليّ بالمِثل فأنشب ذا الفقار في عاتق الرجل الوثنيّ فسقط على الأرض.. وانطلقت صيحة نصر من قلب الغبار:
ـ الله أكبر.
وأدرك الجيش الإسلامي أنّ عليّاً قد قتل خصمه العنيد فانطلقت صيحات التكبير، وفي غمرة الذهول فرّ رفاق الفارس القتيل متجهين إلى الثغرة التي عبروا منها وسقط أحدهم في أعماق الخندق، وراح المسلمون يمطرونه بالحجارة، فهتف وهو يتقّي الحجارة بيده:
ـ يا معشر المسلمين قتلة أكرم من هذه.
وقد أسفرت المواجهة عن نتائج هائلة، إذ تغيّر ميزان القوى لصالح المسلمين سيّما وأنّ عليّاً قد رابط ومعه مفرزة من المقاتلين عند الثغرة التي عبر منها المشركون، وبهذا يكون قد فوّت آخر فرصة للعدوّ في اقتحام الخندق واجتياح المدينة ومن ثمّ القضاء على رسالة الإسلام إلى الأبد. وعاد بطل الإسلام إلى معسكره يبشّر رسول السماء بالنصر، واستقبله عمر بن الخطاب قائلاً:
ـ هلاّ سلبته درعَه فإنّه ليس في العرب درعٌ مثلهاّ. فقال عليّ مجسّداً أسمى مُثل الفروسيّة والإنسانية:
ـ استحييتُ أن أكشف سَوءته.

هــــــــــادي
07-06-2008, 12:59 AM
راية الحبّ الخالدة

ظلّت خيبر تمثّل تهديداً خطيراً للوجود الإسلامي، وكان سيّدنا محمد يراقب عن كَثَب التحرّكات اليهوديّة المشبوهة لتحريض القبائل العربية ضد الإسلام، سيما قبائل غطفان التي تحركها الأطماع في السلب والنهب.
وتنامى الخطر اليهودي بعد توقيع معاهدة سلام بين المسلمين ومشركي قريش، التي فُسّرت على أنّها تراجع للإسلام وضعف.
وفي شهر صفر من السنة السابعة للهجرة تحرّك الجيش الإسلاميّ المؤلّف من ألف وأربعمئة مقاتل صوب الحصون اليهوديّة المنيعة؛ وانتخب سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله الطريق المؤدية من خيبر إلى مضارب غطفان للحؤول دون أي تنسيق بينهما أو وصول إمدادات عسكرية.
وبالرغم من عنصر المفاجأة الذي وفّره النبيّ صلّى الله عليه وآله بجيشه إلاّ أنّ مناعة الحصون والقلاع اليهودية حالت دون سقوطها رغم تشديد الحصار.
كانت الجزيرة العربية تراقب باهتمام الصراع المصيريّ، خاصّة قريش التي كانت تتمنى أن تدور الدائرة على المسلمين.
أخفقت الحملات الإسلامية المتكررة في تحقيق تقدّم يذكر؛ وطالت مدّة الحصار وقاربت المُؤن على النفاد، وراح اليهود يسخرون من المسلمين.
وفي تلك اللحظات التاريخية المثيرة هتف النبيّ:
ـ لأُعطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحبّ اللهَ ورسولهَ، ويحبّه اللهُ ورسولُه.
وبات الجميع وهم يحلمون براية الحب الأزليّة.
أشرقت شمس اليوم التالي.. وتطلّع المسلمون إلى مَن سيمسك بالراية، ولم يطل الوقت حتّى ظهر عليّ بن أبي طالب والراية تخفق فوق هامته.
قال النبيّ وهو يوصيه:
ـ انطلق يفتح الله عليك.
وجسّد عليّ المَثَل الأعلى للجنديّ المسلم: تقدّم باتّجاه الهدف، ثمّ توقّف وسأل دون أن يلتفت إلى ورائه:
ـ على ماذا أُقاتلهم يا رسولَ الله ؟
ـ قاتِلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله.
وتقدّم عليّ والحماس يملأ صدره، حتّى إذا أصبح قريباً من الحصن رمى بدرعه ليتخفّف من وزنه ويكون أكثر قُدرة على المناورة والحركة، وأمر جنوده أن يفعلوا مثله.
ورأى اليهود في عليّ بلا درع لُقمة سائغة، فهبط إليه الحارث وهو غارق في الحديد وراح يتهادى بغرور، ولم يمهله علي إذ قفز عالياً ثم أهوى عليه بضربة مدمّرة فسقط إلى الأرض، وراح أبطال اليهود يبرزون إليه الواحد بعد الآخر فيلاقون ذات المصير، وانقلب الموقف وعمّ الحماس المسلمين الذين راحوا يسخرون من أبطال اليهود وهم يتساقطون عند قدمَي بطل الإسلام.
وهنا يقرّر مرحب خوض المعركة المصيرية وإعادة روح الثقة بالنفس لدى اليهود.
تقدّم مرحب وهو مُثقَل بالحديد والزرد، وفي يده رمح طويل ذي ثلاث رؤوس؛ وليس في جسده الفارع ثغرة يمكن للسيف أن ينفذ فيها.
سدّد البطل اليهودي رمحَه باتجاه صدر عليّ، وأيقن اليهود والمسلمون بأنّها ستكون نهاية لعليّ، ولكن البطل الإسلامي تحاشى الضربة وقفز في الهواء عالياً ليهوي بضربة أودعها غضب السماء. مرّت لحظات مثيرة ثمّ هوت كتلة الحديد فوق الأرض مُحدثة دويّاً رهيباً، وشعر اليهود بالرعب وانكفأوا داخل حصونهم، وهنا أعلن عليّ شارة الهجوم العام.
وفي لحظات سقط القموس وتساقط بعد ذلك سائر الحصون.
وظهرت علائم الارتياح على وجه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله، وفي غمرة هذا الفرح وصل جعفر بن أبي طالب من الحبشة على رأس المهاجرين، وتضاعفت فرحة النبيّ صلّى الله عليه وآله حتّى سُمِع يقول:
ـ واللهِ ما أدري بأيِّهما أنا أشدّ سروراً: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟!
وعانق عليّ أخاه بعد فراق طويل.
إنّ أعظم ما في عليّ بن أبي طالب هو توازنه العجيب، فلقد ظلّ كما هو رغم كلّ هذه الأمجاد الحربيّة، وكان سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله لا يفتأ يذكر فضله واخلاصه، وكان عليّ يزداد حبّاً وولاءً لمعلّمه ومربّيه وأخيه العظيم

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:00 AM
في الطهر

رزق الله عليّاً صبيَّين هما ريحانتَي رسول الله، وتبلور مفهوم أهل البيت عليهم السّلام ؛ وها هو سيّدنا محمد صلّى الله عليه وآله ينثر كلمات سماويّة ليجعل لهم مكاناً في قلوب المؤمنين. ليكونوا نجوماً في الأرض يهتدي بها الحائرون، وسفينةَ إنقاذٍ تشقّ عباب الأمواج الثائرة فينجو بها الراكبون، وباباً للرحمة والمغفرة.
وفي بيت أم سلمة هبط الملاك بآية الطهر، فالسماء تريد أن تطهّر أهل البيت، وتجعل من ذويه أمثلة للناس جميعاً، وتصفّد جبين محمّد صلّى الله عليه وآله وهو يتلقى كلمات من ربّه:
(( إنّما يُريد اللهُ لِيذُهِبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكُم تطهيراً )) .
واستدعى سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله أخاه وابنته وسِبطَيه، ليضمّهم إليه قائلاً: اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهِبْ عنهم الرجس وطَهّرْهم تطهيرا



آل محمد صلّى الله عليه وآله

ستبقى سورة ال عمران شاهداً على مكانة أهل البيت، فهذه الأُسرة الكريمة التي طهّرتها السماء من أدران الأرض وباركها آخر النبوّات.. ستبقى وإلى الأبد معالمَ الطريق إلى الله.
في حدود السنة السابعة للهجرة، والجدل اليهودي الإسلامي في ذروته.. جاء وفد نجران، فالنصارى يريدون أن يُدْلوا بدَلْوهم ويقولوا كلمتهم في غمرة الجدل الدينيّ.
جاءوا يجادلون في طبيعة المسيح.. إنّه ابن الله، إنّه لا ينتمي إلى عناصر الأرض.
واستقبل النبيّ صلّى الله عليه وآله الوفد المؤلف من ستّين مسيحيّاً يتقدّمهم « العاقب » و « الأسقف ».
استقبل النبيّ ضيوفه بودّ وخاطبهم بأدبه العظيم:
ـ ((يا أهلَ الكتاب تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بينَنا وبينَكُم ألاّ نَعبُدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئاً ولا يتّخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً من دون الله )) .
وشرح لهم آخر الأنبياء توحّد المسار النبويّ عبر التاريخ:
ـ (( آمنَ الرسولُ بما أُنزِل إليه من ربّهِ والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكتِه وكُتُبهِ ورُسُلهِ لا نُفرِّق بين أحدٍ من رُسُله وقالوا سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المصير)) .
وتساءل الوفد عن طبيعة المسيح ولم يكن له أب، فهو ابن الله.
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله بلغة السماء:
ـ (( ما المسيحُ ابنُ مريمَ إلاّ رسولٌ قد خَلَت مِن قَبْلِه الرُّسُلُ وأُمُّه صِدّيقةٌ كانا يأكُلانِ الطعام )) .
وتساءل الأسقف عن طبيعة المسيح وقد وُلد من غير أب، ولدته العذراء البتول ؟!
وكان جواب السماء:
ـ (( إنّ مَثَلَ عيسى عند الله كمَثَل آدمَ خَلقَه مِن ترابٍ ثمّ قال له كُن فيكون )) .
واستاء الوفد ورفض أن يكون « يسوع » منتمياً إلى الطين، وهكذا وصل الجدل إلى طريق مسدود فـ (( لن ترضى عنكَ اليهودُ ولا النصارى حتّى تتّبعَ مِلَّتَهم )) وعندما وصل الجدل ذروته هبط جبريل يحمل بلاغ السماء:
ـ (( فمَن حاجَّكَ فيه مِن بعدِ ما جاءَك مِن العِلمِ فقُل تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأَنفُسَنا وأنفسكم ثمّ نَبْتَهِلْ فنجْعَلْ لعنةَ الله على الكاذبين )) .
وفوجئ الوفد المسيحي بدعوة النبيّ صلّى الله عليه وآله للمباهلة وتحكيم السماء، فأرجأوا الأمر إلى غد.
وأشرقت الشمس وخرج النبيّ في موكب عجيب.. كان يحمل سِبطَه « الحُسَين » وقد أخذ بيد سبطه الآخر « الحسن »، وكانت فتاة نحيلة القوام تمشي خلف أبيها العظيم لم تكن سوى البتول « فاطمة »، وكان زوجها يمشي خلفها.
وقف الأسقف مشدوهاً وهو يتأمّل وجوهاً مضيئة وفي فلاة تمتدّ بامتداد الأُفق.. جثا آخر الأنبياء في التاريخ، وجثا خلفه أهل بيته، والتفت النبيّ إليهم قائلاً:
ـ إذا أنا دعوتُ فأمِّنوا.
تمتم الأسقف.
ـ جثا واللهِ كما يجثو الأنبياء.
وخاطب الأسقف النصارى ناصحاً:
ـ إنّي لأرى وُجوهاً لو سألوا الله أن يُزيل جَبَلاُ لأزاله! وهتف محذِّراً:
ـ انظُروا إلى الشمس قد تغيّر لونها، والأُفق تنجع فيه السحب الداكنة.
وتقدم الأسقف إلى سيدنا محمّد وخاطبه متودّداً:
ـ يا أبا القاسم، إنّا لا نُباهلك، ولكن نصالحك.
وهكذا انسحب الوفد المسيحيّ في آخر لحظة، وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد أن عاد الوفد إلى دياره
ـ والذي نفسي بيده، إنّ العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِردةً وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ».
لقد كشفت السماء المدى الذي وصل إليه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام من السموّ حتّى أصبح نَفْسَ النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وقد أكّد النبيّ صلّى الله عليه وآله نفسُه هذه الحقيقة في الحديث النبوّي الشريف؛ وهو يخاطب عليّاً عليه السّلام قائلاً: أنت مِنّي بمنزلة هارون من موسى، ولكنْ لا نبيّ بعدي.
ومن يستكشف حياة هارون وعليّ عليهما السّلام سوف يجد نقاط لقاء عديدةً في حياة الرجُلَين، وأنّ عذابات عليّ هي امتداد لعذابات الأنبياء

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:01 AM
مشاهد وآيات

المشهد الأول: جلس العباس بن عبدالمطلب وطلحة بن شيبة يتفاخران.
العباس: أُوتيتُ من الفضل ما لم يُؤتَ أحد.. سقاية الحاجّ.
طلحة: وأنا أُوتيت عِمارةَ المسجد الحرام.
ومرّ عليّ بن أبي طالب ليُذكّر بالقيم الجديدة:
ـ وأنا أُوتيت على صغري ما لم تُؤتَيا..
ـ وما الذي أُوتيت يا عليّ ؟!
ـ ضربتُ خراطيمكما بالسيف حتّى آمنتما بالله ورسوله.
نهض العباس غاضباً ودخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله:
ــ أما ترى ما استقبلني به عليّ ؟!
ـ أُدعُوا لي عليَّاً.
وجاء عليّ:
ـ يا رسول الله، أصْدَقْتُه الحقّ، فإن شاء فليغضب، وإن شاء فَلْيرضَ.
ومرّت لحظات صمت، وتألقت حبّات عرق على جبين النبيّ صلّى الله عليه وآله.. لقد هبط جبريل يحمل آية:
ـ (( أجعلتُم سِقايةَ الحاجّ وعِمارةَ المسجدِ الحرام كمَن آمن باللهِ واليومِ الآخِر وجاهدَ في سبيلِ اللهِ لا يَستوون عند الله)) .

المشهد الثاني: في بيت فاطمة، وقد جلس عليّ وزوجه وجارية اسمها فضّة، وكان الحسنان مريضَين.
وجاء سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله يعودهما ومعه صحابيان، قال أحدهما:
ـ يا أبا الحسن، لو نذرتَ في ابنَيك نَذراً إن عافاهما الله.
قال عليّ عليه السّلام:
ـ أصوم ثلاثة أيام شكراً لله.
قالت فاطمة:
ـ وأنا كذلك.
وقالت فضّة:
ـ وأنا أيضاً.
وقال الحسنان:
ـ ونحن نصوم.
وبعد أيام ألبس اللهُ المريضَين ثوب العافية، حان وقت الوفاء بالنَّذْر، فلقد نهض الحسنان من فراش المرض.. وعادت إلى وجهَيهما دماءُ العافية، والسماء تنتظر نذراً نذره الإنسان، نذراً يقدّمه إلى نفسه ليكون قريباً من عوالم مغمورة بالنور..
لا شيء في منزل فاطمة.
انطلق عليّ إلى شمعون رجل من خيبر؛ رجل شهد انهيار حصون مليئة بالسلاح.. بالذهب.. بالذكاء أمام رجل لا يملك سوى سيف وقلب تنطوي في حناياه النجوم. وها هو اليوم يأتي يطلب شيئاً عجيباً.. إنّه يطلب قرضاً ثلاثة أصواع من شعير.. الرجل الذي اقتلع باب « القموص » وقهر خيبر... جاء يطلب حفنة من شعير.. وامرأته بنت محمّد.. تملك أرض « فَدَك ».
تمتم شمعون وقد هزّته المفاجأة:
ـ هذا هو الزُّهد الذي أَخبرنا به موسى بن عِمران في التوراة.
طحنت فاطمة صاعاً.. الرحى تدور و « فضّة » فتاة تعيش في منزل فاطمة.. تجمع الدقيق.. صار الدقيق عجيناً.. ثمّ خمسة أقراص: لكلّ صائم قُرص شعير!
النجم المهيب يهوي باتّجاه المغيب.. يُرسل أشعّة الوداع، يعلن نهاية يوم من حياة الإنسان والأرض.. الأُسرة الصائمة تتهيّأ للإفطار.. لقمة خبز تقيم أَود الجسد الآدميّ ليُكمل رحلته باتّجاه النور.
هتف إنسانٌ جائع:
ـ مسكين! أطعِموني أطعمكم الله.
وحده الصائم في لحظة الافطار يُدرك آلام الجياع عندما تتلوى المعدة خاوية تبحث عن شيء تمضغه وإلاّ مضغت نفسها.
قدّم الصائمون خبزَهم.. وأفطروا على الماء.. واستأنفوا رحلة الجوع.. الجوع زاد المسافر في ملكوت السماء.. حيث تِلال النور وبُحيرات تزخر بالنجوم.. الجوع يُلجم الشيطان القابع في الظلمات.. يسحقه فإذا هو خائر كثور محطّم القرون.
ومرّ يوم آخر والصائمون في رحلة اكتشاف ينابيع الحبّ الأزليّ.. وكلّ شيء آيل إلى الزوال إلاّ الحبّ.. والحبّ نداء الله إلى النفوس البيضاء.
ومرّ يتيم.. يا لوعة اليُتْم في ساعة الغروب.. الكائنات تعود إلى أوكارها، والطيور إلى أعشاشها، والأطفال إلى أحضان زاخرة بالدفء، وفي ساعة الغروب تتجمّع الدموع في عُيون اليتامى كسماوات مشحونة بالمطر.. يتجمّع البكاء في القلب.. والمرارة في النفس، فكيف إذا اجتمعت مع الجوع.. وهل تتحمّل نفوس الأطفال البرد والجوع!!
نادى اليتيم في لحظة الغروب الحزين:
ـ أطعموني.. ممّا أطعمكم الله.
هناك في أعماق النفوس البيضاء كنوز من اللذّة، أين منها لذائذ البطن.. فكيف مع نفوس براها الجوع والنذر حتّى عادت شفّافة كالضياء، ساطعة كالنور..
لبّى الصائمون نداء اليتيم.. فباتوا ليلتهم يطوون رحلة مضنية تكاد تمزّق الجسد وتُحيله إلى حطام.. حيث يشهد عالَمُ الإنسان اللانهائيّ انتصار الملائكة وهزيمة الشيطان.. إلى الأبد.
السماء تراقب نفوساً في الأرض تطوي مسافات الجوع وفاءً بنذرها؛ وفي اليوم الثالث مرّ أسير ينشد لقمة خبز أو تُميرات.
الأجساد ترتعش أمام أمواج الجوع.. العيون غائمة.. والوجود يغمره ضباب ودخان.. ورياحين النبوّات تهتزّ.. تذبل أو تكاد.. والنفوس تشتدّ نصوعاً والورود تضوّعاً..
فاطمة تزداد نحولاً.. غارت عيناها.. وصوتها زاد وَهناً على وَهَن وهي قائمة تصلّي في المحراب..
وفي منزل آخر الأنبياء هبط جبريل يحمل هدية السماء.. سورة الإنسان، وإنها:


بسم الله الرحمن الرحيم

(( هَل أتى على الإنسان حِينٌ من الدهرِ لم يكن شيئاً مذكوراً. إنّا خَلَقنا الإنسانَ من نُطفةٍ أمشاجٍ نَبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً * إنّا هَدَيناه السبيلَ إمّا شاكراً وإمّا كفوراً * إنّا أعتَدْنا للكافرينَ سَلاسلَ وأغلالاً وسعيراً * إنّ الأبرارَ يشربونَ من كأسٍ كان مِزاجُها كافوراً * عَيناً يشربُ بها عِبادُ الله يُفجّرونها تفجيراً * يُوفُون بالنَّذرِ ويخافونَ يوماً كان شرُّهُ مُستطيراً * ويُطعِمونَ الطعامَ على حُبّهِ مِسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنّما نُطعِمُكم لِوَجْهِ الله لا نُريدُ منكم جَزاءً ولا شُكوراً * إنّا نخافُ مِن ربِّنا يوماً عَبوساً قَمطَريراً * فوَقَاهمُ اللهُ شرَّ ذلك اليومِ ولَقّاهُم نَضْرةً وسُروراً * وجَزاهُم بما صَبروا جنّةً وحريراً... إنّ هذا كان لكم جَزاءً وكان سعيُكم مشكوراً...)) .
ورأت فاطمة في تلك الليلة ما لا عينٌ رأت، وسمعت ما لا أذن سمعت ولم يخطر على قلب بشر » .

المشهد الثالث: الشمس تغمر مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله بالضوء، والرسول صلّى الله عيله وآله والذين آمنوا يُصلّون خلفه صفوفاً؛ الصمت يغمر المكان ما خلا تمتمات الصلاة.
ولما انفتل النبيّ صلّى الله عليه وآله من الصلاة دخل أعرابيّ.. يحكي في هيئته عناء الصحراء وقسوتها، الثياب مُهلهَلة ممزّقة خرّقتها ريحُ السَّموم، والعينان غائرتان منطفئتان ذهبت ببريقهما مرارة الأيّام.
لم يجد الأعرابي سوى اللجوء إلى رسول السماء.. إلى ظِلالٍ وارفة، واحة مُضمّخة بشذى جنّات الفردوس. وأطلق السائل صيحة استغاثة، فخلف جدران المسجد صِبية وبنات.. أجساد عارية تنشد الستر، وبطون خاوية تبحث عن رغيف الخبز.
وظلّت نداءات الأعرابي دون جواب، ورمق الأعرابيّ السماء بعينَين غارقتَين في حزن مرير:
ـ اللهمّ اشهَدْ أنّي سألتُ في مسجد رسول الله فلم يُعطِني أحد شيئاً.
وفيما كان الأعرابي يهمّ بالانصراف رأى رجلاً يومى إليه.. خفّ إليه الأعرابي بلهفة، كان الرجل يصلّي، كان راكعاً لله ويده ممدودة، لم تكن الكفّ خالية ففي الخنصر خاتم فضّيّ.
نزع الأعرابي الخاتم، وعادت كفّ الرجل خالية.
ومضى الأعرابي فَرِحاً فيما ظلّ الرجل يصلّي لله. وتأثرّ النبيّ صلّى الله عليه وآله فرفع يديه إلى السماء قائلاً: اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال: (( ربِّ اشْرَحْ لي صدري * ويَسِّر لي أمري * واحلُلْ عُقدة من لساني يفقهوا قَولي * واجعَلْ لي وزيراً من أهلي * هارونَ أخي * اشدُدْ به أَزْري * وأشرِكْه في أمري )) فأنزلتَ عليه قرآناً ناطقاً: (( سَنَشُدّ عَضُدَك بأخيكَ ونَجعَلُ لكما سُلطاناً فلا يَصِلون إليكمُا بآياتِنا )) (، اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ اشرَحْ لي صدري، ويسِّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدُد به أزري.
وعَرَجت الكلماتُ تطوي المسافاتِ وتخترق مداراتِ الزمن، وهبط جبريل..
تفصّد جبين النبيّ صلّى الله عليه وآله عَرَقاً، تألقت فوق جبينه الأزهر حبّات العرق كقطرات الندى، وفاحت في فضاء المسجد عطور الفردوس وأفاق النبيّ صلّى الله عليه وآله، وانسابت كلمات السماء كنهر هادئ:
ـ (( إنّما وليُّكمُ اللهُ ورسولُهُ والذين آمَنوا الذينَ يُقيمونَ الصلاةَ ويُؤتونَ الزكاةَ وهم راكعون * ومَن يتَوَلَّ اللهَ ورسولَهُ والذينَ آمنوا فإنّ حزبَ اللهِ هُمُ الغالبون )) .
إنّ السماء ولا شكّ تأخذ بيد عليّ وترفعه عالياً، تمنحه ما منحت سيّد الخليقة محمّداً صلّى الله عليه وآله إلاّ النبوّة.


محطّات الجهاد

دخلت السنة السابعة من الهجرة، وكلمة الإسلام تطوف ربوع الجزيرة العربية كفَراشة تُبشّر بالربيع القادم.
وتهيّأ سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله ومعه ألفان من الذين آمنوا إلى قضاء عُمرة الحجّ، وأُخليت مكّة للزائرين؛ وكان زعماء قريش يراقبون عن كَثَب أفواج المسلمين وهي تنحدر من شمال مكّة إلى بطن الوادي؛ كان عبدالله بن رواحة آخذاً بخطام ناقة النبيّ، وعندما انكشف البيتُ للوافدين تصاعدت هتافات التوحيد من أعماق القلوب المؤمنة:
ـ لَبيّك اللهمّ لبيك.. لبيّك لا شريك لك لبيّك.. إنّ الحمد والنعمةَ لك والمُلك، لا شريك لك... ودخل النبيّ المسجد والتفت إلى اصحابه قائلاً:
ـ رَحِم الله امرءً أراهم اليوم من نفسه قوّة.
واستلم الرُّكن ثم بدأ يهرول حول البيت، وهرول المسلمون خلف النبيّ صلّى الله عليه وآله سبعة أشواط وكان منظراً أدهش الوثنييّن.. وربّما تساءل بعضهم: كيف أمكن لهذا الطريد الذي خرج قبل سبع سنوات فارّاً بدينه أن يعود الآن ومعه ألفان من انصاره فيدخل مكّة دخول الفاتحين...
وفي تلك اللحظات دوّت نداءات لها مغزاها الخالد، وتجاوبت جنبات الوادي لهتافات المسلمين:
ـ لا إله إلاّ الله وحده.. نَصَر عَبْدَه.. وأعز جُنده.. وهزم الأحزاب وحده..
وشعر الوثنيّون بالغيظ والحقد وتذكّروا تلك الأيام المريرة في ذلك الشتاء القارس، واستعادوا تفاصيل ذلك المشهد الخالد يوم سقط بطل الوثنيّة عمرو بن عبد ودّ عند قدمَي فتى الإسلام عليّ بن أبي طالب.
وكان همّ سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله أن يرسم صورة مشرقة لثقافة الإسلام الجديدة، ولا شك أنّ بعض أولئك الوثنيّين قد تأثّر لمنظر المسلمين وهم يطوفون حول الكعبة؛ وهم يصطفّون للصلاة فتنساب آيات السماء معبّرة بليغة جميلة.
ومرّت ثلاثة أيّام، وأرسلت قريش وفداً يُذكِّر النبيّ بانتهاء الأجل الذي نصّت عليه معاهدة « الحديبية » . وعرض النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يقيم مأدبة طعام لأهل مكّة، فرفضت قريش اقتراح النبيّ وطلبت من المسلمين مغادرة مكّة.


جعفر الطيّار

في جُمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة الشريفة وقعت ( معركة مُؤْتة ) في شمال الجزيرة العربية، عندما اصطدم الجيش الإسلامي بحشود الرومان والتي قدّر بعضُ المؤرخين أنّها ناهزت المئتي ألف جندي، حيث هوى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رَواحة شهداء، فيما قاد خالد بن الوليد الذي أسلم حديثاً عملية انسحاب ناجحة!

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:02 AM
وجاء نصر الله

خرقت قريش صلح الحديبية بتحريضها « بني بكر » على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين، وحاول بعض سادة قريش تدارك الموقف وفي طليعتهم أبو سفيان، الذي شدّ الرحال إلى المدينة لاستباق الزمن وتجديد معاهدة الحُديبية مع سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله.
غير أنّه قد فات الأوان، فقد سبقه وفد خزاعة الذي أطلق صيحة استغاثةٍ بالنبيّ صلّى الله عليه وآله مذكّراً إيّاه بالتحالف.
والتقى أبو سفيان سيدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله.
قال أبو سفيان:
ـ جئتُ أُجدّد العهد وأزيد في أَمده.
سأل النبيّ:
ـ إلهذا جئتَ يا أبا سفيان ؟!
أجاب أبو سفيان بخبث:
ـ نعم.
فسأل النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ فهل حدث عندكم ما يوجب ذلك ؟
أجاب أبو سفيان وهو يخفي الحقائق الدامية:
ـ كلاّ.. نحن على صلحنا في الحديبية لا نغيّر ولا نبدّل.
وشعر أبو سفيان أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يعرف ما حصل، فانطلق إلى ابنته رملة زوجة النبيّ صلّى الله عليه وآله وفوجئ بموقفٍ لم يكن يتوقّعه ابداً، فقد طوت أم حبيبة فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله وقالت بشجاعة:
ـ إنّه فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنت امرؤٌ مشرك نجس.
فقال الوثنيّ متظاهراً بالأسى:
ـ لقد أصابكِ بعدي شرّ.
فأجابت المرأة المؤمنة:
ـ بل هداني الله إلى الإسلام.
وأردفت تدعوه إلى النور:
ـ واعجباً لك وأنت سيّد قريش وكبيرها تعبد حجراً لا يسمع ولا يُبصر ولا يُغني عنك شيئاً.
فقال أبو سفيان وهو يتشظّى حقداً:
ـ بل الأعجب أنّكِ تريدين أن أترك دين آبائي واتّبع دين محمّد!!
أخفق أبو سفيان في مهمّته، ولكنّه أضحى كالغريق الذي يتشبّث بأيّ شيء من أجل النجاة؛ فراح يستنجد بهذا وذاك دون جدوى؛ وانطلق الزعيم الوثنيّ إلى عليّ بن أبي طالب فلم يجد لديه استعداداً للوساطة، فاستشاره فيما يتوجّب عليه أن يفعل في هذه الظروف السيئة، فقال عليّ:
ـ إنّك من سادة كنانة.. ولا أرى لك إلاّ أن تقوم فتُجير بين الناس.. ولا أظنّ أن ذلك يُجديك شيئاً.
وهكذا عاد أبو سفيان إلى مكّة صفر اليدين؛ واعتبرته قريش فاشلاً في رحلته، وراح بعضهم يتهكم منه قائلاً:
ـ لقد لعب فيك عليّ بن أبي طالب!
وفي ظروفٍ بالغة السرّية كان النبيّ يُعدّ العدّة للزحف باتّجاه مكّة وكان أكبر همّه أن يفاجئ قريشاً بحشود هائلة فيضطرّها إلى الاستسلام دون إراقة للدماء؛ وبالرغم من كلّ الاجراءات فقد تسرّب النبأ إلى أحد الصحابة، فسطّر أخباره المثيرة في رسالة وبعث بها إلى مكّة، وكان قد استأجر امرأة لهذا الغرض.
وهبط الوحي يفضح هذه المؤامرة، فبعث سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله عليّاً والزبير على وجه السرعة لتدارك الموقف، وفي منطقة الحليفة أوقف الفارسان المرأة، واستجوبها الزبير بن العوّام، فأقسمت أنّها لا تحمل أيّة رسالة وانخرطت في البكاء، فقال الزبير لعليّ بعد أن فّتش الرحل تفتيشاً دقيقاً:
ـ ليس معها شيء، ارجِع بنا إلى رسول الله نُخبره.
فقال عليّ بلهجة تتدفّق ايماناً بصدق النبوّات:
ـ يُخبرني رسول الله أنّ معها كتاباً ويأمرني بأخذه، فتقول لا شيء معها!!
وأقبل عليّ على المرأة مهدّداً:
ـ واللهِ لئن لم تُخرجي الكتاب لأكشفنّك.
وانهارت المرأة وهي ترى سيف عليّ فقالت:
ـ أعرِضْ عني.
واستخرجت المرأة الكتاب من جدائلها.
واجتمع المسلمون في المسجد وقد بان الغضب على وجه النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ أيّها الناس، لقد كنتُ سألتُ الله أن يُخفي أخبارنا عن قريش، وإنّ رجلاً منكم كتب إليهم يُخبرهم.. فليَقُم صاحب الكتاب قبل أن يفضحه الوحي.
وساد صمت رهيب، وكرّر النبيّ دعوته، وأخيراً نهض حاطب وهو يرتجف كسعفة في ريح باردة:
ـ أنا صاحبه يا رسول الله.
ودمعت عيناه وهو يقول:
ـ واللهِ إنّي لمسلم مؤمن بالله ورسوله ما غيّرتُ وما بدّلت، ولكنّي امرؤٌ ليس لي في مكّة عشيرة، ولي فيها أهل وولْد، فأردت أن أصانعهم.
وأمر النبيّ بإخراجه من المسجد، وراحت الجماهير تدفعه إلى خارج المسجد وهو ينظر إلى سيدنا محمّد بعينَين فيهما ذلّة الانكسار؛ وتدفّق نبع الإنسانيّة في قلب رسول السماء فأمر باعادته وأوصاه ألاّ يعود إلى مثلها ابداً.
واستكمل المسلمون استعداداتهم العسكرية وبلغت الحشود عشرة آلاف مقاتل، وغادر الجيش الإسلاميّ المدينة المنوّرة في شهر رمضان المبارك سنة 8 هـ.
وصلت القوات الزاحفة مرتفعات « مرّ الظهران » المطلّة على مكّة، وأراد النبيّ التهويل من ضخامة الزحف الإسلامي، فأمر جنوده بايقاد النار فوق المرتفعات، وشعر أبو سفيان بالانهيار وهو يراقب النار وهي تضيء الصحراء المترامية.
ولم يجد الوثنيّون سوى الاستسلام وفتح أبواب مكّة للفاتحين.
وفوجئ أهل مكّة بمنظر سيدنا محمد وهو يدخل مكّة على ناقته مطرقاً برأسه تواضعاً، ولم تبدُ عليه أية ملامح تدلّ على نشوة النصر ولا شهوة الانتقام، لقد اتّسع قلبه الكبير لكلّ الناس حتّى لأولئك الذين آذوه وعذبوه وشرّدوه عن مرابع صباه؛ ولقد كان بإمكانه أن يُحيل مكّة إلى خرائب، ولكن محمّداً صلّى الله عليه وآله لم يكن يفكّر بافتتاح المدائن أبداً، فهمّه الوحيد أن يفتح القلوب ويقود الإنسان الحائر إلى ينابيع النور والأمل والحرّية.



الزلزال

لقد كانت لحظات مثيرة تلك التي شهدت انهيار الأوثان العربية، وسط هُتافات ( الله أكبر ) التي ملأت فضاء مكّة؛ وراح سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله يطوف حول البيت على ناقته « القصوى » ومئات الأصنام تتهاوى بين يديه لتتحول إلى أنقاض.
ها هو حفيد إبراهيم عليه السّلام يدخل المعبد وبيده فأس يهشم بها وجوه الآلهة المزيّفة، وكان « هُبَل » ما يزال جاثماً فوق الكعبة يحدّق ببلاهة، والتفت النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى عليّ عليه السّلام، وتسلّق وليدُ الكعبة البيت الذي شهد ميلاده قبل ثلاثين سنة.
وتهشّم هبل تحت وقع ضربات عليّ، كان أبو سفيان يراقب تحطّم الآلهة بمرارة، ولعلّ تلك اللحظات كانت من أصعب ما واجهه أبو سفيان في حياته.
التفت الزبير إليه قائلاً:
ـ يا أبا سفيان، لقد كُسِر هبل...
وأردف وهو يستعيد هتافات أبي سفيان في أحد: أُعلُ هُبل!:
ـ أما إنّك قد كنتَ منه يوم أُحد في غرور.
قال أبو سفيان بضيق:
ـ دع عنك هذا يا ابن العوّام.. لو كان مع إله محمّد إله غيره لكان غير ما كان.
وارتقى بلال سطح الكعبة في مشهد مثير، فهذا العبد المملوك قد جعل منه الإسلامُ بطلاً من أبطال الإنسانيّة، ولم يكن هناك من اسم أحبّ إليه من اسم محمّد صلّى الله عليه وآله.
ودَوَّت هتافات الأذان الخالد معلناً أن: لا إله إلاّ الله.. الله أكبر..
حتّى إذا وصل بلال إلى اسم حبيبه رفع صوته كأشدّ ما يكون قائلاً: أشهد أن محمّداً رسول الله.
وسيئت وجوه الذين في قلوبهم مرض.
لقد دمّر الزلزال أوثانهم، ومرّغ كبرياءهم بالوحل، وأحال مصالحهم وأمجادهم إلى مجرّد أنقاض، وبدّد أحلامهم المريضة فإذا هي هشيم تذروه الرياح.
لنراقب عن كثب هذا المشهد المضيء لنرى كيف يحاول رسول السماء إنقاذ الإنسان من براثن النفوس الجاهلية، ها هو سُهيل بن عمرو يحثّ الخطى مذعوراً إلى منزله، لقد دخل جيش محمّد مكة فاتحاً وقد حانت لحظة القصاص، أغلق سهيل باب المنزل بإحكام وجلس يترقّب، قال لولده وكان قد أسلم من قبل :
ـ اذهب يا عبدالله وخُذ لي أماناً من محمّد.. إنّي لا آمن على نفسي..
وأضاف وهو يستعيد تفاصيل الماضي البعيد:
ـ لأنّني لم أجد أحداً أساء إليه إلاّ واشتركتُ معه.. وقد حضرتُ مع قريش بدراً وأُحداً.
وتناسى الابن البارّ كلّ إساءات والده، وانطلق إلى ينابيع النور والرحمة إلى حبيب القلوب محمّد صلّى الله عليه وآله، قال النبيّ:
ـ هو آمن.
والتفت إلى اصحابه يوصيهم بتناسي الماضي وفتح صفحة جديدة وبدء حياة جديدة:
ـ مَن لقيَ منكم سُهَيلاً فلا يشدّنّ النظر إليه.. إنّ سهيلاً له عقل وشرف.
وأكبر المسلمون موقف النبيّ صلّى الله عليه وآله ازاء سُهيل.. سهيل الذي آلم قلب النبيّ في مفاوضات الحديبية.. وتذكّروا كلماته وهو يطالب بمحو عبارة رسول الله من نصّ المعاهدة قائلاً: لو كنتُ أعلم أنّك رسول الله ما قاتلتُك.. بل اكتُب اسمك واسم أبيك!
وردّ النبيّ بحزن: واللهِ إنّي رسول الله وإن كذبتموني!!
وجاء عبدالله يبشّر أباه بالطمأنينة والأمن والسلام.
واهتزّ سهيل للموقف النبيل، وحطّم الإنسان في أعماقه السلاسل وهتف:
ـ كان واللهِ بَرّاً.. صغيراً وكبيراً.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:03 AM
حادثان

مكث سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله والمسلمون في مكّة خمسة عشر يوماً، ولعلّ عليّ بن أبي طالب الذي تخطّى الثلاثين قد تجوّل في ربوعها الزاخرة بالذكريات، وربّما ذهب إلى حراء جبل النور، إلى الغار الذي كان يأوي إليه مع أخيه وسيّده العظيم؛ غير أنّ « الشيخ » الغارق في السنين والحوادث لم يتذكّر سوى حادثتين فقط.. فرك جبينه بيده المعروقة وقال:
ذهب عليّ وهو بكامل زيّه الحربي.. يجتاز الأزقّة إلى منزل أخته أم هانئ، وعندما دخل فوجئت المرأة وكانت قد أجارت رجلَين من مكّة خائفين فأجارتهما.
قالت أم هانئ وهي تخاطب الجندي المسلم المدجج بالسلاح:
ـ أنا أم هانئ بنت عمّ رسول الله!
وأماط عليّ اللثام، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه شقيقته التي خفّت إليه تعانقه. وفي تلك اللحظة وقعت عيناه على المشركين فاخترط سيفه، هتفت أم هاني:
ـ أنت أخي وتصنع معي ذلك.. لقد أجرتُهما.
قال عليّ:
ـ أتُجيرين المشركين ؟!
ألقت أم هانئ عليهما ثوباً واعترضت أخاها:
ـ إذا اردتَ قتلهما فاقتُلني معهما.
ولم يجد عليّ سوى مغادرة المنزل.
وانطلقت أم هانئ ـ بعد أن هدّأت من خوف الرجلَين ـ إلى خيمة النبيّ.. لم تجده هناك ووجدت فيه ابنته فاطمة..
وجلست أم هانئ تشكو ما فعله أخوها وزوج ابنة النبيّ:
ـ ما لقيتُ من ابن أُمّي! لقد أجرتُ حموَين لي.. فتفلّت عليهما ليقتلهما!
قالت فاطمة:
ـ لأنّهما يستحقان ذلك.. وما يجدر بكِ أن تجيري المشركين.
وجاء النبيّ صلّى الله عليه وآله، ولمّا رأى أُمَّ هانئ هتف مستبشراً:
ـ مرحباً بأم هانئ.
وشكت له أم هانئ ما حصل، فقال رسول الإنسانية:
ـ قد أجرنا مَن أجرتِ، وآمنّا من آمنتِ.
وعادت أُم هانئ إلى منزلها تحمل البشرى للرجلَين الخائفَين.
كانت القبائل العربية تترقّب ما سيسفر عنه الصراع بين محمّد وقومه من قريش، وكانت مكّة بكل ثقلها الدينيّ والقَبَليّ تمثّل أم القرى، فهي مركز الوثنيّة وحصنها الحصين
بنو جذيمة

ومن هنا جاء فتح مكّة ليسجل النصر الحاسم والنهائيّ للإسلام في مواجهة العقيدة الوثنيّة، وهكذا جاء اعتناق قريش للإسلام إيذاناً ببداية عهد جديد، ولكن ذلك لم يكن يمنع من وجود بعض الجيوب المشركة هنا وهناك في طوايا جزيرة العرب.
وفي خطوة لنشر الإسلام على نطاق أوسع جهز النبيّ صلّى الله عليه وآله قوّة مقاتلة مؤلفة من ثلاثمئة وخمسين جنديّاً ضمّت الأنصار والمهاجرين لدعوة « بني جذيمة » إلى الإسلام؛ وكان على رأس القوّة الإسلامية « خالد بن الوليد ».
وللأسف.. فقد استيقظت في نفس القائد ذكريات الجاهلية، وتحرّكت في أعماقه روح الثأر من الذين قتلوا عمّه في غابر الأيام.
وهرع بنو جذيمة إلى السلاح؛ فقال خالد وقد بيّت لهم الغدر:
ـ ضعوا السلاح؛ فإنّ الناس قد أسلموا.
وصاح جحدم وهو رجل من بني جذيمة:
ـ ويلكم يا بني جذيمة إنّه خالد بن الوليد، واللهِ ما بعد وضع السلاح إلاّ الأسر، وما بعد الأسر إلاّ ضَرْبُ الاعناق، ولكنّ بني جذيمة مالوا إلى السلام وقال بعضهم:
ـ يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا!! فإنّ الناس قد أسلموا ووُضِعت الحرب وآمن الناس.
وألقى جحدم سلاحه، وهنا أمر خالد بأسرهم، وقتل جماعة منهم؛ واعترض عبدالرحمن بن عوف بشدّة قائلاً:
ـ إنّك عملتَ بأمر الجاهلية في الإسلام.
قال خالد مخادعاً:
ـ لقد أخذتَ بثأر أبيك.
أجاب عبدالرحمن مستنكراً:
ـ كذبتَ.. لقد قتلتُ قاتل أبي يومذاك.. ولكنّك ثأرت لعمك « الفاكه »، واخترط خالد سيفه وشهر عبدالرحمن هو الآخر سيفه، وتدخّل بعض المسلمين فأصلحوا بينهما.
وصلت الأنباء المثيرة إلى مكّة وتألّم النبيّ بشدّة لهذا الانتهاك والغدر.. ورفع يديه إلى السماء قائلاً:
ـ اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد.
واستدعى النبيّ أخاه عليّاً وسلّمه مالاً وقال:
ـ يا عليّ اخرُج إلى هؤلاء القوم وانظُر في أمرهم واجعَلْ أمر الجاهليّة تحت قدمَيك.
وانطلق عليّ إلى مضارب بني جذيمة في خطوة إصلاحيّة، ودفع تعويضات عن ضحايا الحادث وبعض الخسائر الأخرى.
قال عليّ:
ـ هل بقي لكم بقيّة من دمٍ أو مال.
أجاب المنكوبون وقد طابت خواطرهم:
ـ لا.
ـ نظر عليّ فوجد لديه بقية من المال قد زاد، فقدّمها إليهم احتياطاً ممّا لا يعلم ولا يعلمون، وعاد إلى رسول الله يشرح له تفاصيل مهمّته، فقال النبيّ:
ـ أصبتَ وأحسنتَ.
ورفع يديه إلى السماء مرّة أخرى تعبيراً عن استنكاره الشديد لما حصل:
ـ اللهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد.
قالها ثلاث مرات

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:04 AM
الطريق إلى حُنَين

يعدُّ ما حدث في وادي حُنَين آخر المواجهات العنيفة بين الإسلام والوثنيّة.
كانت قبائل هوازن وثقيف التي تقطن الطائف قد وقفت موقفاً سلبيّاً حيال الإسلام في مراحل الدعوة الأولى.
وعندما غادر سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله المدينة المنوّرة زاحفاً باتجاه مكّة ظنّت تلك القبائل أنّها ستكون الهدف من تلك الحملة العسكرية؛ وهكذا تدفّقت القبائل الوثنيّة إلى وادي حُنين وتمركزت في المرتفعات المشرفة على الوادي في خطّة ذكيّة لمباغتة الجيش الإسلامي؛ وقد ضمّ التجمّع الوثنيّ قبائل هَوازن وثَقيف ونصر وجشم، وبلغت الحشود العسكرية اثني عشر ألف مقاتل؛ وكان الجيش الإسلامي يتألّف من اثني عشر ألف جندي هو الآخر.
وقد بلغ من تهوّر الزعيم الوثنيّ الشابّ أن هدد بالانتحار إذا لم تنفّذ القبائل المتحشدة تفاصيل خطّته دون قيد أو شرط، وكانت خطّته تستند إلى رُكنَين. الأوّل: ضمان عنصر المفاجأة في احتلال المرتفعات ومباغتة الحشود الإسلاميّة بهجوم عنيف، والثاني زجّه الأطفال والنسوة وما يمكن نقله من الأموال في المعركة وخلق حالة من الاصرار لدى القبائل ودفعها إلى القتال حتّى النهاية.
وقد علّق الشاعر دُرَيد بن الصمّة بمرارة قائلاً: إنّ المنهزم لا يردّه شيء؛ وانتقد مالكاً بن عوف لذلك.
كان على الجيش الإسلامي الزاحف أن يسلك المنعطفات الجبلية في منطقة حنين؛ وعندما بدأت الكتائب الإسلاميّة في غبش الفجر الانسياب في بطن الوادي العميق، فوجئت بوابلٍ من السهام وهي تنبعث من قلب الظلمات، وسادت الفوضى الكتيبة التي يقودها خالد بن الوليد فارتدّت إلى الوراء في انسحاب فوضويّ جرف معه الكتلة الرئيسية من الجيش الإسلاميّ، وتحوّل الانسحاب إلى هزيمة، ولم يُعِر المنهزمون أُذناً إلى صيحات النبيّ وهي تدعوهم إلى الثبات والمقاومة، وبهذا سجّلوا موقفاً أسوأ بكثير ممّا حصل في معركة أُحد.
لم يَثْبُت مع النبيّ صلّى الله عليه وآله إلاّ ثلّة مؤمنة، وقد تضاربت الروايات فيمن ثبت.. ولكنّها أجمعت على ثلاثة في طليعتهم عليّ بن أبي طالب والعبّاس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن الذي هوى شهيداً في أرض المعركة.
وأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله عمّه العباس أن يطلق هتافاته الجَهوريّة ليتذكر المسلمون بيعةً في ظلال الشجرة.
ودوّت في الوادي صيحات العباس:
ـ يا أهلَ بيعة الرضوان!.. يا أصحاب سورة البقرة.. يا أهل بيعة الشجرة.. إلى أين تفرّون ؟!
وكان ذو الفقار يسطع في غمرة الغبار كصاعقة مدّمرة، وقد سجّل القرآن الكريم تلك اللحظات الحساسة من تاريخ الإسلام في قوله تعالى:
(( ويومَ حُنينٍ إذ أعجَبَتْكم كَثرتُكم فلم تُغْنِ عنكم شيئاً وضاقَت عليكُم الأرضُ بما رَحُبَت ثمّ ولَّيتُم مُدبِرين * ثمّ أنزلَ اللهُ سَكينتَه على رسولهِ وعلى المؤمنينَ وأنزل جُنوداً لم تَرَوها )).
إن قلب المؤمن أقوى من الجبل.. وسيذكر التاريخ الإسلامي بإجلال تلك اللحظات المصيريّة؛ فيوم هبّت العاصفة الوثنيّة صفراء مدمّرة، لم يثبت سوى محمّد وعليّ ورجال صدقوا.. وأنزل الله جنوده.. وتحوّلت الهزيمة إلى نصر، وشيئاً فشيئاً عاد المنهزمون إلى الوادي الأيمن، وكانت راية الإسلام تخفق في قبضة عليّ؛ واقتحم النبيّ عن بغلته وراح يباشر القتال ببسالة أدهشت المسلمين أنفسهم، واندفع عليّ إلى حامل الراية الوثنيّة فقضى عليه، وسقطت راية الشرك، وكان لهذا الموقف البطوليّ أثره في ارتفاع معنويّات المسلمين.
وما أن أشرقت الشمس حتّى كانت أرض الوادي تهتزّ لضرواة المعركة، وعندما شاهد النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّ كفّة القتال تميل لصالح الجيش الإسلاميّ هتف مُعلناً بدء الهجوم المعاكس:
ـ الآن حَمِي الوَطيس، شُدّوا عليهم!
واندفع المسلمون في هجوم مدمّر، وراحوا يمزّقون الفُلول الوثنية التي فضّلت الفرار والنجاة بأي ثمن.
لقد سقطت راية الشرك إلى الأبد، فيما ظلّت راية الإسلام تخفق في قبضة بطل الإسلام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
انظر كيف يتألّق اسم عليّ في منعطفات التاريخ الإسلامي.. في اللحظات المصيرية.. في « بدر » و « أُحد » والأحزاب وفي يوم حُنين؛ ثمّ يختفي فجأة عندما يصبح الحديث عن الغنائم والأسلاب، والأطماع الرخيصة..
لقد حصل أبو سفيان وصفوان ومعاوية ويزيد على ثروات طائلة لم يكونوا ليحلموا بها.. وعاد عليّ ولا شيء في يديه سوى البيرق الإسلاميّ، و « السَكينة » التي أنزلها الله على رسوله تملأ قلبه.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:05 AM
تسارعت الحوادث بشكل مثير ولم تسمع قبائل هوازن وثقيف بانتهاك قريش لصلح الحيبية، ثم سيطرت مشاعر الغرور على حشودهم العسكرية الضخمة وحماس زعيمهم الشاب مالك بن عوف في مواجهة الجيش الأسلامي.
دريد بن معاوية، والصمة لقب أبيه معاوية سيد بني جشم، فقد بصره في أخريات عمره، وكانت هوازن تستشيره في الأزمات.
أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، ابن عم النبيّ صلّى الله عليه وآله وأخوه من الرضاعة، كان يهجو سيدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله؛ وفيما كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يتّجه صوب مكّة في عام الفتح غادر أبو سفيان مكّة مصطحِباً ابنه وقد مال قلبه للإسلام، فالتقى النبيّ صلّى الله عليه وآله في الطريق، ورفض النبي استقباله، وتوسّطت أم المؤمنين أم سلمة له ولأخيها من أبيها قائلة:
لا يكن ابن عمّك أشقى الناس بك يا رسول الله!
وقال أبو سفيان بمرارة: والله ليأذنّن لي أو لآخذنّ بيد ابني ثمّ لنذهبنّ في الأرض حتّى نموت عطشاً؛ وعلّمه عليّ كيف يقابل النبيّ صلّى الله عليه وآله قائلاً له:
ـ إئتِ رسول الله من قِبَل وجهه، وقُل له ما قاله إخوة يوسف: تاللهِ لقد آثركَ الله علينا. وعندها قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: لا تثريبَ عليكم اليوم يغفر الله لكم.
بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان وفيها بايع المسلمون سيدنا محمد صلى الله عليه وآله على الموت وذلك سنة 6 هـ ، وهي البيعة التي سبقت بأيام صلح الحديبية .
انحاز النبي صلى الله عليه وآله إلى يمين الوادي .








هارون

في السنة التاسعة من الهجرة المباركة وصلت إلى المدينة أنباء مثيرة حول حشود عسكريّة هائلة في تَبوك؛ واستعدّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لمواجهة أكبر امبراطوريّة في العالم آنذاك. كان الفصل صيفاً شديد الحرارة، والعام عام جَدب مما جعل هذه المهمّة العسكرية شاقّة، وأعلن النبيّ صلّى الله عليه وآله حالة النفير العام، ولأول مرّة استخدم سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله أُسلوب الحرب الشاملة بالتحاق جميع القادرين على حمل السلاح.
وسجل المجتمع الإسلامي حالة رائعة من التضامن مقابل تيار المنافقين الذين بذلوا جهوداً قذرة في تثبيط الهمم.
وبالرغم من قسوة الظروف فقد حشد النبيّ صلّى الله عليه وآله ثلاثين الف مقاتل، وغادر المدينة واستخلف عليها وصيّه عليّ بن أبي طالب وهي المرّة الأولى التي لم يشترك فيها عليّ في حروب الإسلام.
كان المنافقون ينتهزون هذه الفرصة ولكنّهم أُصيبوا بخيبة أمل لدى اكتشافهم أن خليفة النبيّ هو ابن عمه عليّ.
وجاء وفد من المنافقين وعرضوا على النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يصلّي في مسجدٍ لهم بَنَوه في قرية « قبا » في ضواحي المدينة؛ ولم يذهب النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى قبا؛ وأرجأ ذلك لحين عودته من تبوك.
وقف الأطفال والنساء والشيوخ فوق سطوح المنازل يودّعون الجيش الإسلامي والشفاه تتمتم بالدعاء أن ينصر الله رسوله والذين آمنوا.
واستيقظت في نفوس المنافقين كوامن الخيانة والغدر، ووجدوا في عليّ عقبة كَأْداء في الوصول إلى أهدافهم الرخيصة.
أطلق المنافقون الشائعات حول استخلاف النبيّ صلّى الله عليه وآله لعليّ بن أبي طالب قائلين: إنّما خلّفه استثقالاً له. ولم يجد عليّ وهو الذي لم يفارق النبيّ صلّى الله عليه وآله طيلة حياته إلاّ أن يأخذ سلاحه ويلتحق بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وكان النبيّ قد عسكر في « الجرف » قريباً من المدينة عندما وصل عليّ وقال مخاطباً رسول الله:
ـ يا نبيّ الله، زعم المنافقون بأنّك إنّما خلّفتَني استثقالاً لي!
أجاب النبيّ مستنكراً:
ـ كذبوا.. إنّما خلّفتُك لما ورائي.. إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك.. فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي..
وأردف قائلاً كلمته الخالدة:
ـ أما ترضى يا عليّ أن تكون مِنّي بمنزلة هارون من موسى، ولكن لا نبيّ بعدي؟
وعاد « هارون » إلى المدينة وهو يحمل أوسمة المجد؛ وشعر المنافقون بالاحباط وهم يرون عليّاً يعود إلى المدينة، فانطلقوا إلى مسجدهم خارج المدينة.

في الشمال من شبه الجزيرة العربية.
شهد ذلك العام نشاطاً محموماً من قبل المنافقين، وكانت لهم اتصالات مشبوهة مع (أبي عامر الراهب) الذي لجأ إلى القسطنطينية لتحريض الرومان.
تعود فكرة بناء مسجد « ضرار » إلى « أبي عامر الراهب » وهو من أهل المدينة ومن قبيلة الخزرج، اعتنق النصرانيّة في الجاهلية، وأظهر العداوة للنبيّ صلّى الله عليه وآله بعد قدومه إلى المدينة وفرّ إلى مكّة بعد معركة بدر، وراح يحرّض قريشاً على حرب الإسلام، اشترك في معركة أُحد، وظل في مكّة حتّى الفتح؛ لجأ إلى الطائف ثمّ فرّ منها إلى بلاد الروم، والتقى هرقل وحرّضه على قتال الدولة الإسلاميّة، ومن هناك كتب إلى جماعة من المنافقين ودعاهم إلى بناء مسجد يكون لهم مقرّاً ومعقلاً له إذا فكّر بالعودة إلى المدينة؛ وقد استجاب المنافقون لفكرته وشرعوا في بناء مسجد مقابل مسجد « قبا ».
مسجد ضرار الذي أحرق فيما بعد بأمر من السماء .

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:06 AM
مشاهد ونبوءات

المشهد الأول: حلّ ذو الحجّة الحرام من السنة التاسعة للهجرة، وهبط جبريل يحمل آيات « البراءة »، إيذاناً سماوياً بانتهاء الوثنيّة في شبه الجزيرة العربية، استدعى النبيّ صلّى الله عليه وآله أبا بكر وسلّمه البلاغ السماوي، ومضى أبو بكر أميراً على الحجّ ذلك العام؛ حتّى إذا وصل « ذي الحَليفة » .. هبط الوحي في المدينة المنوّرة، يأمر النبيَّ ألاّ يبلّغ تلك الآيات إلاّ نبيٌّ أو وصيّ نبيّ. واستدعى رسول الله علياً وأمره أن يركب « القُصوى » وأن يدرك أبا بكر ويأخذها منه.
وعاد أبو بكر إلى المدينة وهو يشعر بالقلق، وخاطب النبيَّ بلهجة يشوبها خوف:
ـ يا رسول الله، أنزَلَ فيّ شيء ؟!
أجاب النبيّ صلّى الله عليه وآله مُطمْئِناً:
ـ لا.. ولكن قال لي جبريل: لا يُؤدّيها عنكَ إلاّ أنت أو رجلٌ منك.
عليٌّ يطوي المسافات يقود قوافل الحجّ الأكبر. وشهد البيت العتيق للمرّة الثالثة نداءات التوحيد؛ وكان الوثنيّون يبحثون عن اللات والعُزّى وهُبَل وعن عشرات الآلهة التي دكّها الزلزال الإسلامي.
وها هو عليّ بن أبي طالب ابن عمّ محمّد وزوج ابنته فاطمة يُعلِن موت الوثنية وزوالها إلى الأبد.
تألّقت شمس العاشر من ذي الحجة الحرام، ووقف عليّ يتلو بلاغ السماء:
(إنّما المشركون نَجَسٌ فلا يَقربَوا المسجدَ الحرامَ بعد عامِهم هذا )
ودوّت نداءاته في فضاء مكّة وهو يهتف عالياً:
ـ « لا يحجّن بعد هذا العام مشركٌ، ولا يطوفنّ في البيت عريان، ولا تدخل الجنّةَ إلاّ نفس مسلمة؛ ومَن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجلُه إلى مُدّته.. ».

المهشد الثاني: دخل الناس في دين الله أفواجاً، ما خلا بعض القبائل هنا وهناك، وفي شهر رمضان المبارك من السنة العاشرة للهجرة بعث سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله علياً على رأس ثلاثمئة من المقاتلين إلى قبيلة مذحج في اليمن، (وكانت مشاهد التوديع مؤثّرة، فقد عمّم سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله علياً بنفسه وسلّمه اللواء، وقال له:
ـ أُدعُهم إلى قول لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فإن أجابوك فَأْمُرْهم بالصلاة ولا تَبْغِ منهم غير ذلك.
وأردف قائلاً:
ـ واللهِ لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعتْ عليه الشمس.
وحفظ عليّ وصيّة النبيّ، فعاش حياته كلها يجاهد من أجل الإيمان.
قال عليّ وقد هّم في مهمّته:
ـ يا رسول الله، تبعثني إلى قوم وأنا حديث السنّ لا أُبصر القضاء.
تقدّم النبيّ صلّى الله عليه وآله ووضع يده على صدر عليّ ونظر إلى السماء بخشوع وقال:
ـ اللهمّ ثبِّت لسانه واهْدِ قلبه.
وأردف وهو ينظر إلى فتاه وصِهره:
ـ إذا جاءك الخصمان فلا تقضِ بينهما حتّى تسمع من الآخر، فإنّك إذا فعلت تبيّن لك القضاء.
وانطلقت خيول الإسلام إلى اليمن، وكان همّ عليّ الأول أن تدخل القبائل القاطنة هناك في دين الله؛ وقد نجح في مهمّته، ثم غادر اليمن بعد أن ترك فيها مُعاذ بن جبل يعلّم أهلها أحكام الشريعة؛ أما عليّ فقد توجه من هناك إلى مكة، فقد أطلّ موسم الحجّ، وها هو رسول الله ومعه عشرات الألوف من المسلمين يقطعون الصحراء وهم يلبّون نداء أبيهم إبراهيم، وقد سمّاهم المسلمين من قَبْل؛ وأسرع عليّ يحثّ خُطاه وفي قلبه شوق للقاء نبي الله صلّى الله عليه وآله، والتقى الأخوان على مشارف مكّة.
وزفّ عليّ بشائر النصر إلى رسول الله.
قال النبيّ وقد اشرقت الفرحة في وجهه:
ـ بِمَ أهلَلْت يا عليّ ؟
قال عليّ:
ـ يا رسول الله، إنّك لم تكتب إليّ بإهلالك ولا عرفتُه، فعقدت نيّتي بنيّتك، وقلتُ: اللهمّ إهلالاً كإهلال نبيّك، وقد سُقتُ معي من البُدن أربعاً وثلاثين بدنة.
وعندها قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ الله أكبر، وأنا سقتُ ستاً وستين.. وأنت شريكي في حجّي ومناسكي وهَديْي، فأقِم على إحرامك وعُد إلى جيشك فعجّل بهم حتّى نجتمع بمكّة.

المشهد الثالث: وقف رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم النحر من حِجّة الوداع خطيباً:
ـ « أمّا بعد، أيّها الناس اسمعوا مني ما أُبيّن لكم فإنّي لا أدري لَعلَيّ لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحُرمة يومكم هذا في شهركم وبلدكم هذا.. ».
« أيّها الناس إنّما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لأمرئٍ مالُ أخيه إلاّ عن طيب نفسه، فلا ترجعوا كفّاراً بعدي يضرب بعضكم أعناق بعض، فإنّي قد تركتُ فيكم ما إن أخذتُم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وعِترتي أهل بيتي.. ».
انطوى موسم الحجّ، وغادر سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله مكّة ومعه مئة ألف أو يزيدون؛ التاريخ يشير إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام من السنة العاشرة للهجرة.
قوافل الحجيج تهوي في بطون الأودية؛ الشمس في كبد السماء وقد بدت وكأنها تتشظّى لهباً، القوافل تصل مكاناً( قريباً من الجُحفة، حيث مفترق الطرق.
وغمرت النبيَّ صلّى الله عليه وآله وهو على ناقته « القصوى » خشوع الرسالات، لقد هبط جبريل يحمل بلاغ السماء، وتوقف النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو يتشرّب إنذاراً سماوياً:
(يا أيّها الرسولُ بلِّغْ ما أُنزِل إليكَ مِن ربِّك وإن لم تفعلْ فما بَلَّغْتَ رسالتَه واللهُ يَعصِمُك مِن الناس )
وتوقّفت عشرات الألوف وهي تتساءل عن السرّ في توقّف النبيّ في هذه البقعة الملتهبة من دنيا الله.
وانبرى بعض الصحابة يصنعون للنبيّ مرتفعاً، فلديه كلمات تامّات يريد إبلاغها لعشرات الآلاف من الصحابة.. والأجيال القادمة.. والتاريخ:
كلمات الحمد والثناء لله تنساب من بين شِفاه آخر الأنبياء، قال النبيّ وعشرات الأُلوف تتطلع إليه:
ـ ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟
وجاء الجواب من عشرات الحناجر:
ـ بلى يا رسول الله.
وأخذ النبيّ بيد عليّ ورفعها عالياً:
ـ مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه..
ورفع آخرُ الأنبياء يدَيه إلى السماء:
ـ اللهمّ والِ مَن والاه.. وعادِ مَن عاداه.. وانصُر مَن نصره.. واخذُل مَن خذله.
وهبط جبريل يبشر محمّداً صلّى الله عليه وآله أنه قد أدّى رسالته وقد آن له أن يستريح؛ لقد اكتمل الدِّين وتمّت النعمة وقِيل الحمد لله رب العالمين.
تصفّد الجبين الأزهر عرقاً؛ تألقت حبّات العرق كقطرات الندى وقد انطبعت كلمات السماء فوق شغاف قلبٍ وَسِع الدنيا والتاريخ:
(اليومَ أكملتُ لَكُم دِينَكم وأتمَمتُ علَيكُم نِعمتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِيناً

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:06 AM
ارهاصات الرحيل

عاد رسول الله إلى المدينة ينوء بثقل السنين، تؤرّقه هواجس المصير؛ جبريل يعرض عليه القرآن مرّتين، إنّه يقترب من النهاية.. نهاية كلّ الحيوات، وقد ظهرت في الأفق غيوم وغيوم.
انتصف الليل وبدت النجوم في صفحة السماء قلوباً تنبض بوهن، استدعى النبيّ صلّى الله عليه وآله مولاه « أبا مويهبة ».
قال النبيّ بشيء من الحزن:
ـ إنّي قد أُمرتُ أن أستغفر لأهل البقيع.. فاخرُج معي.
ـ لبّيك يا رسول الله.
الصمت يهيمن على المكان ما خلا خطوات واهنة في طريقها إلى أُناس عاشوا ثم ماتوا؛ وقف آخر الأنبياء يُحيّي أولئك الذين رحلوا بعيداً بالرغم من تلك الأشبار القليلة التي تفصلهم عمّا يجري فوق الأرض:
ـ السلام عليكم يا أهل المقابر، لِيَهْنَ لكم ما أصبحتُم فيه مما أصبح الناس فيه، لو تعلمون ما نجّاكم الله منه..
أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أُخراها أُولاها، والآخرة شرّ من الأولى.
التفت رسول الله إلى مولاه:
ـ يا أبا مُوَيهبة، إنّي قد أُوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخُلد فيها ثمّ الجنّة؛ وخُيِّرت بين ذلك ولقاء ربّي والجنّة، فاخترتُ لقاء ربّي والجنّة.
قال أبو مويهبة بحزن:
ـ بأبي أنت وأمّي، فخُذ مفاتيح خزائن الدنيا والخُلد فيها ثمّ الجنّة.
أجاب النبيّ وقد هزّه لقاء الحبيب:
ـ لا واللهِ يا أبا مويهبة، لقد اخترتُ لِقاء ربّي..
وسمع أبو مويهبة تمتمات الاستغفار.. ها هو النبيّ الأمّيّ يتذكّر أصحابه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
الأيام تمرّ حزينة والرسول يخطو إلى النهاية.. وقد أزفت ساعة الرحيل.
لزم النبيّ فراش المرض، جسده يغلي من وقع الحمّى.
المسلمون رجالاً ونساءً يعودون آخر الأنبياء.. القلوب تذوب حزناً، وجاءت أم بُشر تعوده؛ قال النبيّ وقد ومضت في ذهنه حوادث خيبر:
ـ يا أم بشر.. وجدتُ انقطاع أبهري مع الأكلة التي أكلتُ مع ابنك بخيبر.
الخميس 24 / صفر / 11 هـ

اليوم هو يوم الخميس، ارتدت الاشياء ثوب الحزن والقلق؛ أو هكذا خُيّل للمؤمنين، فالقلب الكبير يخفق بشدّة، تتسارع دقّاته تحت لهيب الحمّى.. والنبيّ يقطع الخطوات الأخيرة من حياته في كوكب الحوادث؛ عيناه مشدودتان إلى الأفق البعيد.. الأفق المغمور بالطمأنينة والسلام، والقلب يخفق لآخر الأمم وقد ذرّ الشيطان قرنَيه.
الحجرة الطينيّة المتواضعة تكتظّ برجال رافقوا النبيّ وها هم يجتمعون حوله، وآلاف الأفكار تصطرع في الرؤوس، وقد « أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ».
نظر النبيّ إلى اصحابه.. دمعت عيناه.. ها هي لحظة الوداع قادمة من بعيد، إنّها تقترب، وها هي الفتن مقبلة.
تمتم النبيّ بصوت واهن:
ـ ائتوني بصحيفةٍ ودواة لأكتُبَ لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً.
ونهض صحابيّ.. فاعترضه رجل فيه غلظة:
ـ ارجع.. لقد غلب رسولَ الله الوجع.. إنّه يهجر.. حَسْبُنا كتاب الله.
الجسد يغلي تحت وطأه الحمّى.. غامت المرئيّات وولج النبيّ عالماً آخر، أغضبته كلمات الرجل الفظّ.
ولمّا أفاق وجد أصحابه يتنازعون، قال رجل:
ـ ألا نأتي لك بدواةٍ يا رسول الله!
أجاب النبيّ بحزن:
ـ أَبَعْدَ الذي قلتم!
أدار آخر الأنبياء وجهه إلى الحائط.. ونهض الرجال وكان ابن عمّ له يبكي.. يبكي بمرارة؛ لقد أضاع المسلمون مجدهم.. ولسوف يبكون.. يذرفون الدموع غِزاراً قبل أن يعثروا عليه

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:07 AM
يعثروا عليه
الجمعة 25 / صفر / 11 هـ

جاءت فاطمة.. فتاة تحمل ملامح مريم.. النبع الدافق رحمة وحناناً.. جاءت « أم أبيها ».. تعود أباها.. أراد آخر الأنبياء أن ينهض إجلالاً للمرأة المِثال.. لسيّدة كلّ امرأة في التاريخ.. ولكنّ الجسد الواهن لم يستجب للارادة.. هتف وقد شاعت الفرحة في وجهه:
ـ مرحباً يا بنتي..
أخذ النبيّ بيدها وأجلسها إلى يمينه؛ همس في أُذنها بكلمات.. شهقت الفتاة بعبرات واخضلّت الأجفان بالدمع.. كسماء تمطر بحزن..
وهمس الأب بكلمات.. انقشعت الغيوم.. وأشرقت شمس الأمل تبعث النور والدفء.. أشرقت ابتسامة في الوجه المضيء.. تعجّبت عائشة. حفصة.. أم سلمة.. وكلّ النسوة.. نهضت فاطمة.. لحقتها عائشة:
ـ لقد خصّك بسرّ.. تضحكين تارة وتبيكن أُخرى !!
أخبريني بما قال لكِ.
قالت فاطمة وما تزال قطرات الدمع عالقةً بأهدابها:
ـ ما كنتُ لأُفشيَ سرَّ رسول الله
السبت 26 / صفر / 11 هـ

ترك أسامة جيشه في « الجُرُف » ودخل منزل النبيّ تموج في نفسه الهواجس، فهناك من الصحابة من يتذمّر من قيادته لحداثة سنّة، وهناك من يتعلّل بحالة النبيّ.. قال أُسامة وهو مطرق الرأس:
ـ بأبي أنت وأُمّي.. أتأذن أن أمكُث أيّاماً حتى يشفيك الله ؟
ـ لا يا أُسامة.. أنفذْ بجيشك حتّى توطّئ خيلك أرض البلقاء والداروم حيثُ قُتل أبوك.
ورأى النبيّ صاحبَيه.
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله بألم:
ـ ألم آمركم بإنفاذ جيش أُسامة ؟!
أجاب الأول: كنتُ في « الجرف » وقد جئت أُجدّد بك العهد.
وقال الثاني: أما أنا فلم أخرج.. لا أريد أن أسأل عنك الأعراب في الصحراء!
تضاعفت آلام محمّد صلّى الله عليه وآله.. غلت العروق بسبب الحمى والغضب، تمتم بحزن: أنفِذوا جيش أسامة.. أنفِذوا جيش أُسامة أنفِذوا
الأحد 27 / صفر / 11 هـ

خفّت الحمّى.. وشعر آخر الأنبياء بشيء من النشاط يسري في جسده الواهن؛ تاقت روحه العظيمة إلى مسجدٍ أُسس بُنيانه على التقوى؛ كان الوقت ضحى، طلب النبيّ من ابنَي عمّه أن يساعداه؛ وبالرغم من العصابة التي شدّها حول رأسه إلاّ أنّ الحمى قد خفّت قليلاً.. وها هو النبيّ يمشي الهُوَيْنا بين عليّ والفضل، وشاعت الفرحة بين أصحابه...
اتّجه آخر رُسُل السماء إلى المنبر فارتقاه، وكان يتساند على يد الفضل حتّى استوى، قال النبيّ لابن عمه:
ـ نادِ في الناس.
ولبّى المسلمون النداء.. ورمق النبيّ أصحابه بنظرات تشّع رحمة وقال:
ـ أحمَدُ إليكمُ الله.. أيّها الناس. مَن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فَلْيَقْتَدْ منه، ومن كنتُ أخذتُ له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه..
ولا يقل رجل إنّي أخاف الشحناء من رسول الله.. ألا وإنّ الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإنّ أَحَبّكم إليّ مَن أخذ منّي حقاً إن كان له.. أو حلّلني فأتيتُ الله وأنا طيّب النفس...


الأثنين 28 / صفر / 11 هـ

دهمت الحمّى الجسد الواهن، والروح العظيمة توشك على الرحيل؛ القلب الكبير يخفق بعنف.. وأخفقت مياه الآبار في إطفاء النار المشتعلة..
ارتفع صوت بلال يدعو إلى الصلاة... وخفّ بلال إلى بيت الرجل الذي علّمه كيف يحيا... وقف إزاء الباب وهتف بشوق:
ـ الصلاةَ يرحمكم الله..
قال النبيّ وهو ينوء تحت وطأة الحمّى:
ـ يُصلّي بالناس بعضُهم فإنّي مشغول بنفسي..
هتفت عائشة: مُروا أبا بكر!
وهتفت حفصة: مُروا عمر!
وتألّم النبيّ، فما يزال أصحابه في المدينة وقد أُمروا بالجهاد.. ما يزال جيش أُسامة في المدينة وقد أمر أن يذهب إلى تخوم « البلقاء ».
ونهض رسول الله.. وساعده عليّ والفضل... وكانت قدماه تخطّان في الأرض.. ووجد صاحبه في الغار في المحراب، فنحّاه..
وعاد النبيّ إلى منزله ينوء بحمّى الرحيل...
وضع النبيّ رأسه في حِجر أخيه... وتوهّجت الذكريات البعيدة، تذكّر عليّ مشاهد مضيئة... انبعثت من بين غبار الأيّام وتراب السنين... تذكّر يوم كان صبيّاً في حجر محمّد... تذكّر رحلاته إلى جبل حِراء ويوم هبط جبريل يحمل آخر الرسالات... وتذكّر اللحظات التي ودّعه فيها يوم هاجر من مكّة... تذكّر سنوات الجهاد والعناء... ويوم تحطّمت الأصنام وعَنَت الوجوه للواحد القهّار... ها هو محمّد صلّى الله عليه وآله يذوي... يخبو بريق عينيه... يشعّ اسمه في القلوب... كلّ القلوب... نهضت فاطمة احتراماً للرجلَين أبيها وبعلها.. احتراماً للحظات الوداع... بعد رحلة طويلة ناهزت الثلاثين سنة، ونهضت النسوة احتراماً لفاطمة... لم يبق في الحجرة الطينية سوى محمّد وعليّ وكلمات الوداع... جلست فاطمة عند عتبة الباب.. في استسلام كامل للقضاء الإلهيّ، وانبعثت كلمات محمّد الأخيرة... السماء تخيّره فاختار:
ـ بل الرفيق الأعلى...
وعانق عليٌّ أخاه وسيّده... وانطلقت الروح من أهاب الجسد تطوي المسافات...
ودوّى هتاف حزين:
ـ وامُحمّداه!
وانطفأت الشمس وحلّ زمن الزمهرير.
فاطمة تنوء بنفسها وقد أسندت رأسها إلى صدرٍ لم يعد النسيم يزوره.
كانت تُصغي إلى صمت الأنبياء... وللصمت حديث تسمعه القلوب وتُصغي إليه العقول.. العينان اللتان كنتا نافذتَي نور قد أسدلتا جَفْنَيهما، واليدان اللتان كانتا مهداً هما الآن مُسبَلتان... والروح التي كانت تصنع التاريخ والإنسان قد رحلت بعيداً.. غادرت هذا الكوكب الزاخر بالوَيلات.
لقد حلّت لحظة الفراق؛ وتخفّف الإنسان السماويّ من ثوبه الأرضيّ ليرحل بعيداً... إلى عوالم حافلة بالنور والحبّ والسلام
أصلب من الأيّام
فَصَبَرْتُ وفي العَين قَذى وفي الحَلْق شَجى... أرى تُراثي نَهْباً..

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:09 AM
العاصفة

انطفأ السراجُ فالدنيا ظلام.. وخمد المَوقِد فالحياة في جزيرة العرب زمهرير. ورحل السلام.. فذرّ الشيطان قرنَيه يعربد.
أيّها الصامت، صمتُك أبلغ من كل أبجديّات الدنيا.. وسكوتك المدوّي صرخة حقّ في عالم الأباطيل. وقد زُلزلت الأرض زِلزالها، انهار عمود خيمة كانت تعصف بها الريح.. وتمزّق « الكساء » اليمانيّ وكان يُدثّر نبيّاً هو آخر الأنبياء في التاريخ.. ورجلاً يشبه « هارون » في كلّ شيء إلاّ النبوّة.. وامرأة هي سيّدة بنات حوّاء.. وسبطَين هما آخر الأسباط في التاريخ.
آهٍ منك يا يومَ الاثنين...!
جثا عليّ أمام جسدٍ كانت روحه العظيمة تضيء الجزيرة، وبقايا نور في الجبين البارد تشبه شمساً هَوَت في المغيب. هيمن صمت ملائكيّ في المكان فيما العالم خلف الحُجُرات يموج بالفتن.
ظهرت غيمة في الأُفق حجبت ضوء الشمس... وكَمَنْ يبحث عن ظِلّه في يوم غائم كان الناس ينظرون هنا وهناك... هل غادر الحبيب الديار ؟!
واجتمعت طائفة من الأنصار في سقيفةٍ لهم... فهناك من يريد الاستيلاء على « سلطان محمّد » ( قُريش ) لا تريد عليّاً.. ذلك الفتى الذي قهر بـ « ذي الفقار » جبروتها.. لا تريد لبني هاشم أن يحوزوا النبوّة والإمامة.. والوحيَ والخلافة.. والسماء والأرض...
هل أدرك الأنصار ما يدور في الخفاء من همسٍ حول إقصاء عليّ ؟ هل طمعوا بـ « السلطان » ؟ هل خافوا أن يضيع نصيبهم من « الأمر
يا يوم الاثنين

اُغمض النبيّ عينيه... وعاد جبريل إلى السماء.. واستيقظت في النفوس غرائز كانت مُكبّلة أو نائمة..
دخل عمر حُجرة النبيّ.. كشف الملاءة عن وجهٍ أضاء الدنيا، قال بدهشة متصنّعة:
ـ ما أشدَ غشي رسول الله!
أجاب المغيرة مصعوقاً من موقف عمر:
ـ مات واللهِ رسول الله.
ردّ عمر بلهجة فيها وعيد:
ـ كذبتَ ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه... كما ذهب موسى بن عمران.
وظل المغيرة ينظر إلى عمر بدهشة.
خرج عمر وقد جحظت عيناه من الغضب.. شهر سيفَه مهدّداً وراح يهتف:
ـ إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد مات... لا واللهِ... ما مات.. ولكنْ ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ثمّ رجع بعد أربعين ليل...
والله ليرجعنّ رسول الله.. فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم...
تحلّق الناس حول رجل يبرق ويرعد ويُهدّد كلّ من يقول بموت محمّد صلّى الله عليه وآله.. ما أعجب ما يقوله عمر.. محمّد لم يمت.. ذهب إلى ربّه.. بعد ليال سوف يعود!
لقد ضربت الصاعقة الأذهان.. شلّتها عن التفكير في كلّ شيء.. ومن بعيد لاح « أبو بكر ».. وصل توّاً من خارج المدينة.. من منزلٍ له في « السنح ».
هتف من بعيد:
ـ على رِسْلك أيها الحالف!
والتفت إلى الأُمة المذهولة قائلاً:
ـ أيّها الناس! مَن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت (وما محمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خَلَت مِن قَبْله الرُّسُل... )
فجأة خمد البركان... وتظاهر « عمر » باستسلام عجيب، وقف إلى جانب أخيه... وانضمّ إليهما رجل ثالث هو « ابن الجرّاح »، تبادل الثلاثة نظرات... هي لغة كاملة.. ربّما كانوا يفكّرون ليومَين أو ثلاثة من المستقبل... أو ربّما للتاريخ بأسره.
إنّ كلّ التحوّلات الاجتماعية الكبرى إنّما تولد في الضمائر الإنسانيّة قبل أن تشق طريقها إلى الواقع... إنّها موجودة في الأعماق حتّى يأتي من يستخرجها إلى أرض الوقائع، وكان في ضمائر جلّة المهاجرين وقريش قاطبة عزمٌ في ألاّ تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم، وقد قرأ رجال ما يجول من الخواطر، فأخرجوا ما استتر في الضمائر..

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:10 AM
علامات استفهام

الشمس ما تزال وراء غيوم « نيسان »... جثمان آخر الأنبياء ما يزال مسجّىً... عليّ ذاهل بالفاجعة، شعر بغُربة شديدة، لقد رحل الحبيب... ستموت فاطمة... ستذوي مثل شمعة تحترق في ليل الجزيرة... وسيبقى وحيداً...
أسفر الجَدَل في « السقيفة » عن انتخاب « سعد بن عُبادة » خليفة للمسلمين!! الأطماع، والقلق، والخوف هي.. وراء اجتماع « الأنصار » في سقيفة بني ساعدة.. هناك من يحلم بالمجد، وهناك من ينظر إلى الأُفق البعيد فيرى « قريشاً » تتحفّز للانتقام من « أهل يثرب »، تريد أن تأخذ ثاراتها من « بدر » و « أُحد » و « الأحزاب »!
الدقائق تمرّ بطيئة كأنّ التاريخ أُصيب بالذهول؛ الأوس يكظمون غيظاً إزاء « سعد الخزرجي ».. ولكن ماذا بوسع « الأوس » أن يفعلوا ؟ لا مفرّ من ذلك، ثمّ إنّه سيكون أهون من « قريش »!.. قريش التي لم تنس ثاراتها بعد. وفي لحظات تاريخية غادر رجلان من الأوس؛ والأنصار على وشك البيعة.. انطلقا بأقصى سرعة إلى « أبي بكر وعمر وابن الجرّاح » وفي قلبَيهما عزم على حرمان « سعد » من المجد!!
ولكن لماذا هولاء الثلاثة بالذات!! لماذا عمر ؟ لماذا لم يذهبا إلى عليّ أو عمّه العباس ؟!
السماء لم تزل غائمة، وانطلق الثلاثة إلى « السقيفة »، سوف يُفاجأ الرجل المريض. جاءت قريش تحتجّ بأنّها شجرة محمّد صلّى الله عليه وآله وقد رمت بعيداً ثمرتها اليانعة!!


الشمس كُوّرت

تُرى ماذا كان يفعل عليّ في تلك اللحظات المثيرة... « الأنصار » و « المهاجرون » في صخب وجدل وشجار حول « سلطان محمّد »... لنترك « السقيفة » في صخبها ولنَعُد إلى حجرة آخر الأنبياء..
الصمت ما يزال يهيمن.. وبالرغم من غياب الشمس.. بالرغم من غيوم « نيسان » فقد بدت الحجرة مضيئة... مضيئة بنورٍ شفّاف لعلّه تألّقات لكائناتٍ سماويّة وفدت لتحمل « الروح العظيم ».
محمّد صلّى الله عليه وآله يهيمن على الزمن حيّاً وميتاً.. محمّد ساكت.. وما أعظم صمت الأنبياء!
ليت الذين يتشاجرون في السقيفة يصمتون ليُصغوا إلى صمت محمّد.. أو يحترمون صمته.
ما هذه الضجّة تقترب من المسجد ؟! وكان هناك رجل طويل بيده عسيب نخل يحوش الناس؛ رفع عليّ عينيه وكان العبّاس قد ذهب يستطلع الضوضاء.. قال عم الرسول:
ـ لقد بويع أبو بكر!!
وارتفعت علامات استفهام كبرى فوق رؤوس بعض المهاجرين والأنصار...
سأل عليٌّ عمّه:
ـ بِمَ احتجّوا على الأنصار ؟
ـ قالوا إنّا شجرة النبيّ!
علّق الإمام بحزن:
ـ احتجّوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة.
سوف تبقى السقيفة بداية لسلسلة من المآسي والنكبات في تاريخ الإسلام.
ومن يُرِدْ أن يبحث عن جذور كارثة « صِفِّين » أو مأساة « كربلاء » فانه سوف يجدها في تلك الأشبار من الأرض.. عندما ظلّ عليٌّ وحيداً.
تُرى ماذا فعل عليّ وهو يشهد انعطافة التاريخ في غير الوجهة التي أرادها سيّد التاريخ ؟
تلقّى عليٌّ أنباء السقيفة بصمت.. ربّما شاهد بعضُ الصحابة في عينيه حزناً عميقاً.. أسفاً..
استأنف عليّ عمله في تجهيز جثمان سيّد الخليقة
الثلاثاء 29 / صفر / 11 هـ

وقف العبّاس عم النبيّ وولداه، وقفوا صامتين يتأمّلون عليّاً؛ التفت عليّ إلى الفضل:
ـ ناوِلني الماء.
أُسامة يصبّ المياه فوق الجسد الطاهر، وعليّ يغسله.
شهق بعَبرته وهو يتمتم:
ـ بأبي أنت وأُمّي، ما أطيبكَ حيّاً وميتاً!
فاحت في فضاء الحجرة رائحة طيبة.. وتوهجت ذكريات قديمة.. وتذكّر أُسامة حديثاً للحبيب الراحل:
ـ « أيّها الناس، إنّما أنا بشر يُوشَك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثقلين: أوّلهما كتاب الله، فيه الهُدى والنور.. وأهل بيتي. أُذكّركم اللهَ في أهل بيتي.. أُذكِّركم الله في أهل بيتي.. أُذكِّركم الله في أهل بيتي.
الإنسان السماوي يتأهّب للرحيل، يرتدي ثياباً بيضاء بلون رسالته، بلون حمائم السلام، بلون الرباب، بلون النور الذي سطع في جبل حراء

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:11 AM
الصلاة

تقدّم عليّ للصلاة على الجثمان الطاهر.. تقدّم وحده والمسلمون في المسجد يخوضون جدلاً في من يؤمّهم في الصلاة.
وقال عليّ عليه السّلام:
ـ إنّ رسول الله إمامُنا حيّاً وميتاً... فليدخل عليه فوجٌ بعد فوج فيصلّون عليه بغير إمام وينصرفون...
وأردف:
ـ وإنّ الله لم يقبض نبيّاً في مكان إلاّ وقد ارتضاه لرمسه فيه؛ وإنّي لَدافنُه في حُجرته التي قُبِض فيها.
الشمس تسير حزينة وراء الغيوم.. تتجّه إلى المغيب، والمسلمون يودّعون آخر الأنبياء في صلاة طويلة.
الشمس تقترب من المغيب؛ وأنفذ العباس إلى أبي عبيدة بن الجرّاح وكان يحفر لاهل مكّة ويضرّح، وأنفذ إلى زيد بن سهل وكان يحفر لأهل المدينة؛ وهكذا اشترك أنصاريّ ومُهاجر في الحفر؛ ودسّ عليّ يديه تحت الجثمان العظيم.. ونادى الأنصار من وراء الحجرات:
ـ يا عليّ، نُذكِّرك الله وحقّنا اليوم مِن رسول الله أن يذهب.. أدخِل منا رجلاً يكون لنا به حظّ من مواراة رسول الله.
أجاب عليّ:
ـ ليدخل أوس بن خولّى...
ودخل الرجل البدريّ يمشي على أطراف أصابعه لكأنّه يَلج عالماً زاخراً بالملائكة.
قال عليّ:
ـ انزِل القبر!
ونزل الصحابيّ قبرَ مَن هداه إلى ينابيع النور والأمل، تمنّى أن يموت وتعود الحياة إلى سيّده العظيم. رفع عليٌّ الجُثمانَ الطاهر.. ووضعه على يدَي الصحابي، وبرفق أنزله في أحضان الثرى، فاحت رائحة المسك.. لكأنّ الفردوس فتحت أبوابها تستقبل آخر رُسل السماء إلى الكوكب الزاخر بالحوادث.
طلب عليّ من أوس أن يُخْلي القبر فخرج باكياً، وولج عليّ الضريح.. كشف عن الوجه الأزهر الذي أضاء الدنيا والتاريخ. انطفأت الشمس غابت خلف الأفق المثقل بالغيوم.. كتِلالٍ من الرماد.. التراب علا الضريح شيئاً فشيئاً..
وجاءت فاطمة.. وهي لا تكاد تصدّق أنّ لدى أيّ أحد القدرة على أن يحثو التراب على رسول رب العالمين.
قالت مفجوعة:
ـ أطابت نفوسُكم أن تحثوا التراب على رسول الله ؟!
أخذت بكفّيها قبضة من التراب... وضعتْه على وجهها الأزهر.. شمّته.. شعرت أنها ستختنق إذا لم تتنفس نسائم الهواء وهي تنبعث من مسامات التراب المُشْبع برائحة جنات الفردوس؛ همست بنت محمّد:


ماذا على مَن شمّ تُربـةَ أحمدٍ **** أن لا يَشمَّ مدى الزمان غَواليا

لقد غابت الشمس، وانطوت آخر ساعة من نهار الثلاثاء.
البرد يجوس خلال المدينة الحزينة؛ ونهض عليّ ينفض يديه من تراب القبر.. لقد غابت كلّ الأشياء الجميلة.. لم يعد للحياة معنى إلاّ في مواصلة الدرب الذي أضاءه نورُ محمّد صلّى الله عليه وآله..

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:12 AM
الغضب المقدّس

وانبرى عليّ يسجّل احتجاجه ضد أوّل « فَلتة » في تاريخ الإسلام:
ـ أفسدتَ علينا أمرنا ولم تستشر ولم تَرْعَ لنا حقاً.
أجاب أبو بكر بشيء من اللين!:
ـ بلى!. ولكن خَشِيت الفتنة.
وهنا سكت التاريخ!!
ولكن موقف عليّ ورفضه البيعة يعبّر عن موقف واضح ازاء الطريقة التي تمّت فيها معالجة واحدة من أهمّ المشكلات في الحياة الإسلاميّة؛ والتزم عليّ جانب الصبر بالرغم من بعض العروض بالبيعة.
وظل عليّ على مواقفه حتّى وفاة زوجته فاطمة التي التحقت بالرفيق الأعلى بعد حوالي ثلاثة أشهر أو تزيد.
ونظر عليّ يميناً وشمالاً فلم يجد معه أحداً، حتّى عمّه العباس هو الآخر استُرضي فرضي أو وقف موقف الحياد والإعراض عن النزاع.
وقد عبّر عليّ بن أبي طالب عن أساه وحزنه بعد ربع قرن من حادثة السقيفة بقوله: أما والله لقد تقمّصها فلان وإنّه لَيَعلم أنّ محلّي منها محلّ القُطب من الرحى. ينحدر عني السَّيل ولا يرقى إليَّ الطير؛ فسَدَلتُ دونها ثوباً وطَوَيت عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بين أن أصول بيدٍ جَذّاء، أو أصبر على طخيةٍ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ».
وهنا يقرّر الإمام الصبر: « فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذىً وفي الحلق شجىً، أرى تُراثي نهباً ).
إنّ المرء ليشعر من خلال هذا الخطاب عمق المرارة والأسى في بَحّة الحزن ودرجة حرارة الكلمات وهو يستعرض تاريخ تلك الحقبة المريرة التي امتدّت لتستوعب ربع قرن من الزمن.

عليّ مع القرآن

واعتزل عليّ.. أوى إلى منزله يجمع القرآن كما أنزله الله، وذكريات الآيات، تتوهّج في قلبه.. وبين الفَيْنة والأخرى يقتحم بعضهم حُرمة الصمت. فعلى عليّ أن يبايع.. وفي كل مرّة كانت فاطمة تصدّ هجمات بعض « الصحابة »، لقد انتزعوا منها « فدكاً » وها هم يرومون انتزاع زوجها وقد أغمد ذا الفقار بعد أن وضعت الحرب أوزارها
رحيل فاطمة

وتمرّ الأيام مريرة.. وتذوي فاطمة.. كشمعة في قلب الظلمات.. قوامها يزداد نحولاً.
سكتت فاطمة هي الأخرى.. صامَتْ كما صامت مريم من قبل.. وأدرك عليّ أنّ رحيلها سيكون وشيكاً، وأنّ « البيت » الذي بناه من جريد النخل بـ « البقيع » سيكون النهاية.. سيشهد ذلك البيت انطفاء الشموع.. رحيل النجوم.. ومصرع شمس أضاءت حياته، مدّته بالدفء.. النور.. الأمل.
سكتت فاطمة.. والذين اشتكوا من بكائها لم يعودوا يسمعون أنيناً ينبعث من أعماق قلبٍ كسير. لم يَعُد أحد يسمع نشيجها إلاّ الذين يمرّون بالبقيع.
غابت فاطمة كما تغيب النجوم خلف السحب الدكناء.. غابت فاطمة كفَراشة تبحث عن الشمس... عن ربيع مضى تطارده ريحٌ شتائيّة.
غابت فاطمة.. لم يَعُد أحد يسمع بها.. إنّها تذوي وحيدة في بيت من جريد النخل غادرته الحياة.. الملائكة لا تريد حياة الأرض، والحوريّات لا تعيش في عالم التراب.. والذين اكتشفوا السماء لن يُطيقوا الانتظار.
وعندما يدرك الأنبياء أنّ مواعظهم لا تَجد آذاناً واعية فإنّهم سيتحدّثون بلغة الصمت..
في « بيت الأحزان » كانت فاطمة تذوب كشمعة متوهّجة تحرق نفسها لتهب النور والدفء من حولها... فاطمة تتحدّث بلغة الشموع.. لغة لا يسبر غورها إلاّ فَراشات النور.. ها هي فاطمة تصرخ بصمت:
ـ بِدَوِيِّ صمتي أُناديكم.. ثورتي تنطوي في حزني.. ورفضي كامن في دموعي.. وهذا كلّ ما أملكه من لُغة علّكم تفهمون خطابي، أنا مظلومة يا ربّي.. حرِّرني من هؤلاء.
ذوت الشمعة.. أحرقت نفسها.. لم يبق منها إلاّ حلقات من نور واهن... آن لها أن تنطفئ. الوجه يشبه قمراً أنهكته ليلةٌ شتائيّة طويلة.. بدا مُصفرّاً.. وكان الصوت واهناً تحمله أمواج حزينة... والدموع غزيرة كسماء تمطر على هون.
رقدت فاطمة في فراشها.. وضعت يدها تحت خدّها.. أغمضت عينيها ونامت.. سمعتها « أسماء »( تهمس بصوت ملائكي:
ـ السلام على جبريل... إلهي في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام.
وجاء عليّ.. بدا مكسور الظهر.. كما لو أنّه ينوء بحمل جبال من الحزن.. راح يقرأ ما كتبته فاطمة قبل أن تغفو بسلام:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم... هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله... وهي تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله.. وأنّ الجنة حقّ والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور..
يا عليّ أنا فاطمة بنت محمّد زوَّجني اللهُ منك لأكون لك في الدنيا والآخرة..
حَنِّطني وغَسِّلني وكفّنيّ، وصلِّ عليّ وادفنّي بالليل ولا تُعلِم أحداً، واستودعك الله إلى يوم القيامة.
وهكذا شاءت فاطمة أن ترحل بصمت.. أن تُدفَن في قلب الليل.. أن يبقى قبرها مجهولاً لترسم سؤالاً كبيراً ما يزال حتّى اليوم يستفهم التاريخ والإنسان!
لم يدفن عليّ فاطمة حتّى دفن معها قلبه وحبّه العظيم، ثمّ يمم وجهه شطر الرجل الذي واراه الثرى بالأمس فيهمس لديه بكلمات الحزن.. ولوعة الفراق:
ـ السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة والسريعة اللحاق بك.. قَلّ يا رسول الله عن صفيّتكَ صبري ورقّ عنها تَجلُّدي..
أمّا حُزني فسَرْمَد.. وأمّا ليلي فمُسهَّد، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم..
وستُنبّئك ابنتُك بتظافر أُمّتك عل هَضْمِها، فأحْفِها السؤال، واستخبرها الحال..
هذا ولم يَطُل العهد، ولم يَخْلُ منك الذِكر.. والسلام عليكما.. سلام مُوَدّعٍ لا قالٍ ولا سَئِم.. فإن أنصرِفْ فلا عن مَلالة.. وأن أُقِم فلا عن سوءِ ظنٍّ بما وَعَد الله الصابرين... ».
ونهض عليّ يواجه الدنيا وحيداً.. يشعر بالغربة، فلقد وارى بيده قلبه وسعادته وسيفه ذا الفقار.. تمتم بحسرة:
ـ فَقْدُ الأحبّة غُربة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:12 AM
توهّجات الزمن الأول

بايع عليّ « مُكرَهاً ».. وانطوى وحيداً يعالج همومه وأحزانه، وشيئاً فشيئاً بدأت عجلة الحياة تدور.. وقلّ الحديث عن مسألة الخلافة.. وانطلقت جيوش الفتح الإسلامي في الجبهات.. وانصرف عليّ إلى العمل.. يحفر الآبار ويفجّر العيون لتسيل أوديةٌ بقَدَر.. يحرث الحقل ويسقي الزرع لتخضرّ الأرض..
أنهى عليّ احتجاجه الصامت وعاد إلى المسجد.. إلى « الجماعة » بالرغم من كلّ الآلام..
• احتدم الجدل في مجلس الأول حول غزو دولة الروم؛ نظر أبو بكر إلى عليّ وكان ساكتاً، قال عليّ:
ـ إن فعلتَ ظفرتَ.
قال أبو بكر:
ـ بُشّرت بخير..
وانطلقت خيول الفتح الإسلامي تنشر النور في الشمال.
• كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر أنّه وجد رجلاً في بعض ضواحي العرب يُنكَح كما تنكح المرأة!! جمع أبو بكر جماعة من أصحاب النبيّ واختلفت الآراء في عقوبته، فقال عليّ:
ـ إنّ هذا ذنب لم تعمل به أُمّة من الأمم إلاّ أُمّة واحدة فصنع الله بها ما قد عَلِمتُم.. أرى أن يُحرَق..
كتب أبو بكر إلى خالد يأمره بتنفيذ الحكم.
• وصل وفد مسيحيّ إلى عاصمة الإسلام يحمل أسئلة عصره.. عجز « الخليفة » في حوار « الجاثليق » فأرسل وراء عليّ..
قال الجاثليق:
ـ أين وجه الربّ ؟!
أمر عليّ بإشعال النار في الحطب، وارتفعت ألسنة اللهب.. سأل عليّ زعيم الوفد:
ـ أين وجه النار ؟
قال الجاثليق:
ـ هي وجهٌ من جميع الجهات.
ـ هذه نار مصنوعة، لا يُعرَف وَجهُها، وخالقُها لا يُشبهها.. لله المَشرِقُ والمَغرِب.. فأينما تولّوا فثَمّ وجه الله.
وسكت الجاثليق خاشعاً!


مَسارُ الأحداث

• وقعت بعض الحوادث العامة خلال تلك الحقبة التي امتدّت من ربيع الأول 11 هـ وحتّى جُمادى الأولى سنة 13 هـ.
في طليعتها تحرّك الجيش الإسلامي بقيادة أُسامة بن زيد إلى أرض البلقاء حيث اصطدم بالحاميات الروميّة هناك وأحرز انتصارات في تلك المواقع.
والجيوش الإسلاميّة بقيادة المثنّى بن حارثة الشيبانيّ تبدأ غزو العراق؛ وفي تلك الفترة تمّ اغتيال آزرمي بنت كسرى وعمّت الفوضى في البلاد.
• كما وقع حادث له دلالته عندما قام خالد بن الوليد بقتل مالك بن نويرة وآخرين دون مبرّر مقنع، وقد عُدّ الحادث وقتها أفجع انتهاك لحقوق المسلم.
وفي سنة 12 هـ طلب أبو بكر من زيد بن ثابت أن يجمع القرآن الكريم.
هرقل امبراطور الروم يجهّز حملة ضخمة بقيادة ( بانس )، والجيوش الإسلاميّة التي تقاتل في الجبهة العراقية تقطع الصحراء متّجهة نحو الجبهة الشمالية لنجدة القوات الإسلاميّة المشتكبة مع الرومان؛ والجيوش الإسلاميّة تتقدّم باتجاه القسم الجنوبي من فلسطين.
• وفي جمادى الأولى من سنة 13 هـ تدهورت صحّة أبي بكر، فاستدعى كلاًّ من عبدالرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وبحث معهما خلافة عمر).
وكان الأخيران يدركان تماماً منزلة عمر لدى أبي بكر، قال عبدالرحمن: إنّ عمر أفضل من رأيك فيه.
وقال عثمان: إنّ سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله.
وطلب أبو بكر من عثمان أن يكتب عهده... ويذكر التاريخ أن أبا بكر دخل في اغماءة اثناء مقدّمة العهد واستمر عثمان في الكتابة فسمّى « الخليفة الجديد »، وهنا أفاق أبو بكر وقرأ عثمان ما كتبه اثناء فترة الإغماء! فأقرّ « الخليفة » الأمر واستحسنه! وبهذه الطريقة تمت تسمية الثاني

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:13 AM
توهجات الزمن الثاني

تَسنّم عمر بن الخطاب قيادة وادارة الدولة الإسلاميّة وتمّت مبايعته كأمير للمؤمنين؛ وقد امتدت حكومته لتستوعب عقداً كاملاً من الزمن، قال عليّ فيها:
« حتّى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فُلان بعده.. فصيّرها في حَوْزةٍ خَشناء يغلظ كلمها ويخشن مَسّها، ويكثر العِثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصَّعبة إن أشنقَ لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم ».
• جمع عمر أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد أن أصبح التأريخ للحوادث مشكلة، وكان السؤال: من أين نكتب التاريخ، وتضاربت الآراء، فقال عليّ عليه السّلام: من يوم هاجر رسول الله صلّى الله عليه وآله..
وهكذا بدأ التاريخ الهجري.
• استدعى عمر امرأة وكانت حاملاً، فشعرت بالذعر وأجهضت حملها، واستشار عمر في الدية، قال عبدالرحمن وعثمان:
ـ لا عليك.. إنّما أنت مُؤدِّب.
فقال عليّ:
ـ إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأا، وإن لم يجتهدا فقد غَشّاك..
أرى عليك الدية.
• لم تُجْدِ العقوبة المفروضة آنذاك في الحدّ من استمرار تعاطي الخمرة في الشام؛ فبعث أبو عبيدة بن الجرّاح نداء استغاثة حول هذه الظاهرة، فاستشار عمر أصحاب النبيّ، فقال عليّ: اجعلها بمنزلة حدّ الفِرية « ثمانون جلدة ».
إنّ الرجل إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى؛ وأصبح رأي الإمام جزءً من القانون الإسلامي حتّى الآن.
• جاءت الشرطة تسوق امرأة راعية اتُّهمت بالزنا.
سأل عمر المرأة فاعترفت، وظنّ أن الأمر قد بات واضحاً، فأصدر حكمه برجمها.. وحضر عليّ في الوقت المناسب، ورأى عليّ أمارات حزن عميق تموج في وجه المرأة، فقال:
ـ لعلّ بها عذراً.
وخاطب المرأة قائلاً:
ـ ما حمَلَكِ على ما فعلتِ ؟
قالت المرأة وهي تشهق بالبكاء:
ـ كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتّى أُعطيه نفسي، فأبيتُ ثلاث مرّات، حتّى كدتُ أموت عطشاً.. فأعطيته الذي أراد فسقاني.
هتف عليّ عليه السّلام:
ـ الله أكبر!..
ثمّ تلا الآية المباركة:
(فمَنِ اضطُرّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنّ اللهَ غفورٌ رحيم )
وعندها سحب عمر حكم الموت.. وانطلقت المرأة سعيدة بالحياة.
• كانت الجيوش الإسلاميّة تندفع هنا وهناك من العالم وبرزت مشكلة الأرض المفتوحة، عندما طالب المسلمون بأربعة أخماس الأرض؛ على أساس ظاهر الآية، وحدث جدل واسع حولها في المدينة، فأشار عليّ عليه السّلام على عمر بإبقاء الأرض بأيدي أصحابها الأصليّين، وإلزامهم بدفع ضريبة الخراج لسدّ حاجات الدفاع عن الأُمة؛ وكان لهذا الموقف الأثر الكبير في انتشار الإسلام.
• وقعت جريمة فريدة في « صنعاء » عندما أقدمت امرأة مع عشيقها على قتل زوجها، وتردّد عمر في إصدار حكم القصاص، فهل يصحّ قتل الكثيرين بالواحد ؟!
فقال عليّ متسائلاً:
ـ أرأيتَ لو أنّ نفراً اشتركوا في سرقة جزور، هذا عضواً، وهذا عضواً.. أكنتَ قاطعَهم ؟
أجاب عمر:
ـ نعم.
عندها قال عليّ عليه السّلام:
ـ فكذلك.
وهنا كتب عمر إلى عامله هناك: أن اقتُلهما، فواللهِ لو اشترك أهلُ صنعاء كلّهم لقتلتُهم
الحوادث

وقعت خلال العشرة أعوام تلك حوادث مهمّة، فعلى الصعيد الثقافي منع عمر تدوين الحديث، وعرّض بذلك تراث سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله إلى خطر الضياع، غير أنّ عليّاً عليه السّلام كان قد انبرى إلى جمع القرآن وتدوين الحديث منذ اليوم الأوّل لرحيل النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى، فأصبح المرجع الأول في الأحكام باعتراف الجميع. وشهد هذا العقد من الزمن تتابع الفتوحات الإسلاميّة؛ ففي الجبهة العراقية تولّى سعد بن أبي وقّاص قيادة الجيوش هناك بعد مصرع أبي عُبيدة الثقفي.
وفي الجبهة الشاميّة كانت الجيوش الإسلاميّة تواصل معاركها الضارية مع الرومان بعد معركة اجنادين الحاسمة، وقوّات الإسلام تفتح عشرات المدن هناك.
وفي سنة 14 هـ تُوفّي سعد بن عبادة في طريقه إلى الشام في ظروف غامضة.
وفي السنة الخامسة عشر من الهجرة وبعد مضيّ عامَين على حكم عمر بن الخطاب.. بدأ الأخير في تنفيذ سياسة ماليّة جديدة مخالفاً بذلك سُنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله و سياسة أبي بكر، وبدأ منذ ذلك التاريخ التمييز في نظام العطاء، في تقدّم « البدريين » على غيرهم، وتفضيل المهاجرين على الأنصار، وتقديم أُمّهات المؤمنين على غيرهنّ، وتصنيف سائر شرائح المجتمع الإسلامي على أساس الانتماء القبليّ، فتجذّرت بذلك ظاهرة العصبيّة التي ساعدت فيما بعد على توفير المناخ المناسب للعنصريّة؛ ونهضت عليها سياسة الحكم بعد ثلاثة عقود من الزمن.
وفي تلك الفترة ألغى عمر مَنْحَ المؤلّفة قلوبهم الامتيازات الماليّة التي كانوا يحصلون عليها، وقد عُدّت هذه الخطوة في الدراسات المعاصرة محاولةً ناجحة في دمج تلك الشريحة المعادية للإسلام في الباطن بالمجتمع الإسلامي، وتمهيد الطريق أمام بني أمية في تسنّم أرفع المناصب القياديّة؛ فإذا أضفنا إلى ذلك سياسته تجاه ولاة المدن التي تتّسم بالشدّة والقسوة في بعض الأحيان، واستثناء معاوية بن أبي سفيان من ذلك حتّى أصبح الوالي المدلّل، فإن الأمر سوف يدعو إلى التساؤل عن بواعث هذا الاستثناء!(

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:14 AM
إضاءتان

• سافر أحدهم بعد أن أودع أمرأتَيه لدى صديق له، وكانتا حاملَين فوضعت كلتاهما، وضعت إحداهما بنتاً والأخرى صبيّاً، واندلع النزاع حول الصبيّ، حين ادّعته المرأتان.
وجاء الصديق يستنجد بالقضاء لحلّ هذه المعضلة، وعرض عمر ملفّ القضية على الصحابة فلم يجد لديهم حلاًّ، فقال عمر:
ـ أما واللهِ إني لأعرف مَن لها.
وأدرك بعضهم ما عناه « الخليفة » فقال:
ـ كأنّك تعني علياً.
ـ أجل.
وتطوّع أحدهم باستدعاء عليّ ولكنّ عمر رفض ذلك قائلاً:
ـ في بيته يُؤتَى الحَكَم.
ونهض الجميع منطلقين إلى ابن عم النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ وبعد لأْيٍ وجدوه في بُستان يعمل... سمعوا صوته وهو يرتّل آيات من القرآن فيمتزج الترتيل بالبكاء والدموع:
(أيَحسَب الإنسانَ أن يُتركَ سُدى * ألم يَكُ نُطفةً من مَنِيٍّ يُمنى * ثمّ كان عَلَقةً فخَلَقَ فسَوّى * فجَعَلَ منه الزوجَينِ الذَّكرَ والأُنثى * أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحييَ الموتى)
ونظر بعضهم إلى بعض.. فالقضية التي جاءوا من أجلها تدور حول ذَكَر وأُنثى!
رحّب الإمام بضيوفه وروى عمر ما جاءوا من أجله.. فأشار إلى الرجل وقال:
ـ إنّ هذا ذَكَرَ أنّ رجلاً أودعه امرأتَين، فوضعتا جميعاً، إحداهما ولداً ذَكَراً والأخرى بِنتاً، وكلتاهما تدّعي الابن وتنفي البنت.
إجتث الإمام شوكة صغيرة من الأرض وقال:
ـ القضاء فيها أيسر من هذه.
أمر الإمام بإحضار قدحَين متساويَين في الوزن، والتفت إلى إحداهما وقال: احلبي في هذا القدح.. فحلبت.. وقال للأخرى مثل ذلك.. وجِيءَ بميزان للصاغة فوُضع في طرفَيه القدحان وكان حجم الحليب متساوياً؛ ودُهش الصحابة وهم يرون أنّ أحد القدحَين يرجح على الآخر، فقال لصاحبة القدح الأثقل: خُذي ولدَكِ، والتفت إلى الأُخرى فقال: خُذي ابنتك، والتفت إلى عمر. فقال: لَبَن البنت على النصف من لَبَن الولد، وميراثُها نصف ميراثه.
وأُعجب عمر بقضاء الإمام فقال متأثراً:
ـ لقد أرادك الحقُّ يا أبا الحسن ولكنّ قومَك أبَوْا!
فقال الإمام بشيء من الحزن:
ـ هَوِّن عليك أبا حفص.. إنّ يومَ الفصل كان ميقاتا.
• واندلعت أزمةٌ قضائيّة أخرى، عندما أقدمت امرأة على افتضاض بكارة فتاةٍ يتيمة كان الرجل قد ربّاها في بيته، وخشيت المرأة بعد أن رأت تلك الفتاة قد شبّت وأضحت فائقة الجمال أن يُقدم زوجها على الزواج منها، فانتهزت سَفَر الزوج وسقتها الخمرة وأزالت بكارتها بيدها بمعاونة بعض جاراتها؛ وعندما عاد الزوج اتّهمت الزوجةُ الفتاةَ بالبغاء. وحار عمر في فصل القضيّة، فانطلق مع أصحاب الدعوى وجمعٍ من الصحابة إلى الإمام عليّ عليه السّلام.
سأل عليّ الزوجة عن البيّنة في هذا الاتهام:
ـ ألكِ بيّنة أو بُرهان ؟
أجابت المرأة:
ـ هؤلاءِ جاراتي يشهدنَ عليها بما أقول.
وجاءت النسوة فشهدن ضدّ الفتاة؛ ودخلت القضية مطبّاتها أمام إصرار الفتاة بأنّها لم ترتكب مثل هذا الإثم.
أمر الإمام بإجراءٍ لم يسبق له مثيل عندما طلب التفريق بين الشهود؛ بدأ الإمام استجوابه التحقيقيّ مع زوجة الرجل، فحذّرها من عاقبة القذف فأصرّت المرأة على موقفها، فغادر الإمام الحجرة إلى حجرة أخرى حيث توجد إحدى الشاهدات؛ استلّ الإمام سيفه ذا الفقار من الغمد، وجثا على ركبتيه وخاطبها قائلاً:
ـ أتعرفيني.. ؟ أنا عليّ بن أبي طالب وهذا سيفي..
ثم أردف قائلاً:
ـ وقد قالت امرأةُ الرجل ما قالت ورجعتْ إلى الحقّ، فاصدقي القول وإلاّ ملأتُ سيفي منك.
وانهارت المرأة فالتفتتْ إلى عمر قائلة:
ـ يا أمير المؤمنين، الأمانَ على الصدق ؟
قال الإمام:
ـ فاصدقي إذن.
واعترفت المرأة بجريمة صاحبتها، فقالت:
ـ واللهِ ما بَغَت الفتاة.. ولكنّ زوجة الرجل رأت فيها جمالاً وهيئة.. وخافت أن يتزوّجها، فسقتها المُسكر ودعتنا فأمسكناها فافتضّتها باصبعها!
وهنا هتف الإمام: الله أكبر.. أنا أوّل مَن فرّق بين الشهود بعد دانيال النبيّ..
وأصدر الإمام حُكمه في القضاء:
ـ على المرأة حَدُّ القَذْف وجميع العقر وهو أربعمئة درهم... وأن تنفى من الرجل.
وانتهز عمر الفرصة فقال للإمام:
ـ حدِّثنا يا أبا الحسن حديث دانيال.
فقال عليه السّلام:
ـ كان دانيال النبيّ يتيم الأبوَين.. احتضنته امرأة من بني إسرائيل فربّته.. وإن مَلِكاً من ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان، وكان لهما صديق وكان رجلاً صالحاً وله زوجة صالحة على جانب كبير من الجمال، فبعثه الملك في بعض أموره؛ فقال الرجل للقاضيين: أُوصيكما بامرأتي خيراً؛ وخرج الرجل، وكان القاضيان يأتيان باب الصديق، فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها، فأبت. فقالا لها: إن لم تفعلي لنشهدنّ عليكِ عند الملك بالزِّنا ثمّ لنرجمنّك.
فقالت: إفعلا ما أحببتُما.
فأتيا الملك فشهدا عنده أنّها بغت، وكان لها ذِكْر جميل، فاعترى الملكَ من ذلك أمر عظيم واشتد غمّه فقال لهما: إنّ قولكما مقبول فأجِّلوها ثلاثة أيّم ثمّ ارجموها.
ونادى المنادي في تلك المدينة أن احضُروا رجم فلانة العابدة فإنّها قد بغت، وقد شهد عليها القاضيان.
فأكبر الناس هذا العمل ودُهِشوا له، وقال الملك لوزيره: ما عندكَ في ذلك ؟ هل من حيلة ؟ فقال الوزير: ما عندي في ذلك من شيء. فخرج الوزير في اليوم الثالث فإذا بغلمان عُراة يلعبون وفيهم دانيال، فقال دانيال لأصحابه: تعالوا نلعب فأكون أنا الملك وتكون أنت يا فلان العابدة، ويكون فلان وفلان القاضيَين الشاهدَين عليها. وأمسك بقصبة وقال: وهذا سيفي، ثمّ قال: خذوا بيد هذا الشاهد فاجعلوه في مكان كذا، ثمّ دعا أحدهما وقال: إن لم تَقلْ حقّاً قتلتُك.. بِمَ تشهد على هذه المرأة ؟ فقال: أشهد أنّها زنت.
قال: متى ؟
قال: يومَ كذا وكذا.
قال: مع من ؟
قال: مع فلان بن فلان.
قال: في أيّ مكان ؟
قال: في مكان كذا وكذا.
قال: رُدّوه إلى مكانه.
وجاء بالآخر.
فقال: علامَ تشهد ؟
قال: أنّها زنت.
قال: في أيّ يوم.
قا: في يوم كذا وكذا.
قال: مع من ؟
قال: مع فلان بن فلان.
قال: في أيّ موضع ؟
قال: في موضع كذا وكذا.
فخالف صاحبَه في الشهادة.
فقال دانيال: الله اكبر! شَهِدوا بزور.. نادِ في الناس أنّ القاضيَين شهدا على فُلانة بالزُّور فاحضُروا قَتْلَهما.
فذهب الوزير إلى الملك مبادراً فأخبره بما رأى، فبعث الملك إلى القاضيَين، ففرّق بينهما، وفعل بهما كما فعل دانيال.. فاختلفا في القول كما اختلف الغلمان، فنادى في الناس وأمر بقتلهما

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:14 AM
النهاية

كان عمر قد أصدر أمراً بحرمان كل من بلغ الحُلم من السَّبِيّ الفارسيّ أن يدخل المدينة، فكتب المغيرة بن شعبة الداهية المعروف وكان والياً على الكوفة، كتب إلى عمر يذكر له غلاماً من أهل فارس يُحسن كثيراً من الصناعات، وطلب من الخليفة أن يأذن له بدخول المدينة، وجاء في رسالته:
إنّ عنده أعمالاً كثيرة فيها منافعُ للناس؛ إنّه حدّاد ونقّاش ونجّار. فكتب إليه عمر أن أرسله إلى المدينة، وكان المغيرة قد حدّد على الغلام ضريبةً باهظة في الخراج بلغت مئة درهم؛ وجاء الغلام ويُدعى أبو لؤلؤة ( فيروز ) إلى عمر يشكو شدّة الخراج.
فقال له عمر: ماذا تحسن من العمل ؟
فذكر الغلام عدّة صناعات وفنون:
فقال عمر: ما خراجك بكثير في كُنه عملك.
فانصرف الغلام ساخطاً يتذمّر.
وبعد أيام مرّ غلام المغيرة « أبو لؤلؤة » بعمر فسألة قائلاً:
ـ سمعتُ أنّك تقول: لو أشاء لصنعتُ رحى تطحن بالريح، فاصنع لي رحىً.
فالتفت الغلام إلى عمر وقال عابساً:
ـ لأصنعنّ لك رَحىً يتحدّث بها الناس!
وأدرك عمر مغزى تهديده..
فالتفت إلى مَن حوله بعد أن مضى الغلام:
ـ لقد أوعدني العبد.
فقال له الناس:
ـ وما يمنعك من قتله ؟
فقال عمر:
ـ لا قِصاص قبل القتل.

شاهد عيان 25 / ذو الحجة / 23 هـ

قال ابن ميمون الأسدي: شهدتُ عمرَ بن الخطاب يوم طُعِن فما منعني أن أكون في الصفّ الأول إلاّ هيبته، فكنت في الصف الذي يليه؛ وكان عمر لا يكبّر حتّى يستقبل الصف المتقدّم بوجهه، فإن رأى رجلاً متقدّماً من الصف أو متأخراً ضربه بالدرّة.. وهذا ما منعني من الوقوف في الصف الأول.
أقبل عمر لصلاة الفجر، وكان الظلام ما يزال، فاعترضه أبو لؤلؤة وسدّد له عدّة طعنات بخنجر ذي رأسين، وطعن الذين أرادوا إلقاءَ القبض عليه.
وصرخ عمر بالناس:
ـ دونكم الكلب فإنّه قد قتلني!
ومات من الذين جُرحوا في الحادث سبعة أشخاص

مصير الخلافة

تدهورت حالة « الخليفة » الصحّية، ونصح الطبيب بكتابة الوصيّة، وبرزت أزمة الخلافة من جديد، فلا أحد يعرف من سيكون الخليفة القادم وكيف ؟ وقيل لعمر: لو استخلفت ؟
فقال: ومَن استخلف ؟! لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفتُه لأنّه أمين هذه الأمّة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفتُه لأنّه شديد الحبّ لله.
ثمّ شكّل مجلساً يتألّف من ستة أشخاص هم: عليّ بن أبي طالب، الزبير بن العوّام، عبدالرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، طلحة بن عبيدالله، عثمان بن عفّان.
وضع عمر مساراً لأعمال المجلس، وحدّد امتيازات الأعضاء بشكل تسير فيه الأمور لتسقط التفاحة في أحضان « عثمان ابن عفان » عثمان الذي حرّر بالأمس وثيقة العهد إلى عمر لمّا أُغمي على أبي بكر! هل كان إجراء عمر نوعاً من ردّ الجميل أو استجابةً لما يموج في عواطف « قريش » التي لا تُكنّ لعليّ أيّة مشاعر بالارتياح.
استدعى عمر أعضاء المجلس المؤقّت، فجاءوا جميعاً، وتصفّح عمر وجوه بعضهم قائلاً:
ـ أكلُّكم يطمع بالخلافة بعدي ؟
واعتصم الجميع بالصمت.. وكرّر عمر السؤال ثانية وثالثة.. فانبرى الزبير وقال بحدّة:
ـ وما الذي يبعدنا عنها ؟!.. وَلِيتَها أنت فقُمتَ بها، ولسنا دونك في قريش.. ولا في القرابة.
لقد نجح عمر بن الخطاب في إيقاظ كلّ الطموحات والأطماع في نفوس بعض الصحابة.
وانبرى عمر ليردّ الصاع صاعَين في صراحة مريرة قائلاً:
ـ أفلا أُخبركم عن أنفسكم ؟
تمتم بعضهم:
ـ إنّا لو استعفيناك لم تُعفنا.
التفت عمر إلى الزبير فقال:
ـ أمّا أنت يا زبير.. فوَعِقٌ لَقِس ( كثير البرم ) مؤمن الرضى كافر الغضب، يوماً إنسان، ويوماً شيطان؛ ولعلّها ( الخلافة ) لو أفضت إليك ظلتَ يومك تلاطم بالبطحاء على مُدٍّ من شعير!! فليت شعري مَن يكون للناس يوم تكون شيطاناً ؟!
والتفت إلى طلحة فقال:
ـ أقولُ أم أسكت ؟
ردّ طلحة بانزعاج:
ـ إنّك لا تقول من الخير شيئاً.
ـ أما إنّي أعرفك منذ أُصيبت إصبعك يوم أحد واتياً ( غاضباً ) بالذي حدث لك.. ولقد مات رسول الله ساخطاً عليك للكلمة التي قلتَها يوم أُنزلت آية الحجاب.
وشعر سعد بن أبي وقاص بالضيق بعد أن وصل إليه الدَّور؛ قال عمر وقد أقبل عليه بوجهه:
ـ إنّما أنت صاحب مقنب ( جماعة الخيل ) تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وأسهم، وما زهرةُ والخلافة وأمور الناس.
والتفت « الخليفة » إلى عبدالرحمن بن عوف وقال:
ـ أمّا انت يا عبدالرحمن، فلو وُزِن نِصف إيمان المسلمين بايمانك لَرجح إيمانك.. ولكن لا يصلح هذا الأمر لمن فيه ضَعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر!
وأمّا أنت يا عليّ

والتفت عمر إلى عليّ فلم يجد له عيباً سوى أن قال:
ـ للهِ أنتَ لولا دعابة فيك.. أما واللهِ لئن وليتَهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح، والمحجّة البيضاء.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:15 AM
وجاء دور عثمان

والتفت عمر إلى عثمان « مرشَّح قريش » فقال له:
ـ هَيهاً إليك، كأنّي بك قد قَلَّدتْك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك فحملتَ بني أُميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتَهم بالفيء فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً، والله لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلتَ ليفعلنّ..
وأخذ عمر بناصية عثمان وأردف:
ـ إذا كان ذلك فاذكُر قولي.
وهنا جاء دور الاجراءات المشدّدة في خلق جوٍّ إرهابيّ سوف يساعد على دعم وتعزيز موقف عثمان.
استدعى عمر أحد الأنصار وقال:
ـ يا أبا طلحة، إنّ الله أعزّ الإسلام بكم، فاختَرْ خمسين رجلاً من الأنصار فألْزِم هؤلاء النفر ( أعضاء الشورى ) بإمضاء الأمر وتعجيله.
واستدعى « المقداد » وأصدر إليه آخر أوامره التي تنضح تهديداً ووعيداً:
ـ اجمع هؤلاء الرهط ( أعضاء الشورى ) في بيتٍ حتّى يختاروا رجلاً منهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشرخ رأسه بالسيف، وان اتّفق اربعة وأبى اثنان فاضرب رأسَيهما، وإن اتّفق ثلاثة منهم على رجل ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فحَكِّموا عبدالله بن عمر؛ فإن لم يرضَوا فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف؛ واقتُلوا الباقين!
وأدرك عليّ من خلال كلّ هذا « السيناريو » أنّ الهدف الأخير هو حرمانه مرّة أخرى من حقّه في الخلافة.. فقال لعمّه العباس:
ـ يا عمّ، لقد عدلت عنا.
قال العباس:
ـ ومَن أدراكَ بهذا ؟!
قال عليّ وهو يُميط اللثام عمّا وراء كلّ هذا « اللفّ والدوران »:
ـ لقد قُرِن بي عثمان.. وقال: كونوا مع الأكثر، ثم قال: كونوا مع عبدالرحمن، وسعد لا يخالف ابنَ عمّه ( عبدالرحمن )، وعبدالرحمن صِهر لعثمان.. فإمّا أن يولّيها عبدُالرحمن عثمانَ، أو يولّيها عثمانُ عبدَالرحمن... ».
يقول عليّ مؤرّخاً لتلك اللحظات المريرة:
ـ « فصبرتُ على طُول المدّة وشِدّة المِحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زَعَم أنّي أحدهم، فياللهِ وللشورى.. متى اعترض الريبُ فِيَّ مع الأوّل منهم، حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر ؟! لكنيّ أسْفَفْتُ إذ أسَفّوا وطِرْتُ إذ طاروا، فصغا رجل لضغنه ومال الآخر لصِهره مع هن وهنٍ، إلى أن قام ثالثُ القَوم نافجاً حِضنَيه بين نَثيله ومُعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمةَ الإبل نبتةَ الربيع.
وهكذا بدأت أعمال الشورى في ظروف بالغة الحسّاسيّة.. وبدأت الأطماع بالظهور؛ والمصالح والمؤامرات في موازنات يمكن القول أنّها محسوبة سلفاً؛ فالتوزيع القبلي لأعضاء الشورى يمنح الأرجحية لبني أُميّة.
لقد توقّف التاريخ مليّاً في السقيفة قبل أن يُغيّر مساره، وها هو الآن يتوقّف مرّة أخرى لا ليغيّر من اتّجاهه ولكن ليزيد من سرعة ذات المسار، حيث المجتمع الإسلاميّ يفقد مقاييسه الصائبة في اختيار الحاكم اللائق.
تُوفّي عمر بعد ثلاثة أيّام وصلّى على جسمه صُهَيب الرومي في غرّة المحرّم؛ وبدأ أوّل لقاء لأعضاء الشورى؛ وارتفعت نبرة الجدل العقيم.. لقد استيقظت في نفوس البعض شهوةُ الحُكم والزعامة، وضاع صوت عليّ سلام الله عليه وهو يحذّر أصحاب النبيّ من العواقب الوخيمة التي ستُسفر عن التنكّر لكلمة الحقّ:
ـ لم يُسرِع أحدٌ قبلي إلى دعوة حقّ، وصِلة رَحِم، وعائدة كرم.. فاسمَعُوا قولي، وعُوا منطقي، عسى أن تَرَوا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تُنتضى فيه السيوف، وتُخان فيه العهود، حتّى يكون بعضُكم أئمّة لأهل الضلال، وشيعةً لأهل الجهالة.
ومرّ يومان.. ولكن دون جدوى، وقد حبس المجتمع الإسلاميّ أنفاسه، مترقّباً نتيجة الجدل الذي تحوّل إلى صراع.
وجاء أبو طلحة الأنصاري وأعلن أنّه سيُنفّذ أوامر « الخليفة الراحل » إذا انصرمت الأيّام الثلاثة دون انتخاب خليفة:
ـ والّذي ذَهَبَ بنَفْسِ عمر.. لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أُمِرت.
وهنا وجّه عبدالرحمن أوّل ضربة عندما أعلن تنازله عن حقّه في الخلافة مقابل أن يكون له الحقّ في انتخاب الخليفة، وانبرى عثمان لتأييد خطوة ابن عوف، وتهافت الآخرون على تأييد عبدالرحمن أيضاً.. فيما ظلّ الإمام عليّ مُعتصماً بالصمت.
التفت عبدالرحمن إلى عليّ وقال:
ـ ما تقول يا أبا الحسن ؟
أدرك الإمام ما وراء خطوة ابن عوف فقال:
ـ أعطِني مَوثِقاً لتُؤثرنَّ الحقّ.. ولا تتبعنّ الهَوى، ولا تخصّ رحماً، ولا تألو الأمّة نُصحاً.
وشعر عبدالرحمن أنّ مصير الخلافة قد أضحى في قبضته، فأعطى لعليّ ما يريد.. إنّها في كلّ الأحوال مجرّد كلمات.
وهنا وجّه عبدالرحمن سهمَه الخبيث عندما زجّ شرطاً لا مُبرّر له كأساسٍ للبيعة؛ قال لعليّ وهو في ذروة اعتقاده أنّ عليّاً سيرفض:
ـ أُبايعكَ على كتاب الله وسُنّة رسوله وسيرة الشيخَين أبي بكر وعمر.
قال عليّ موضّحاً موقفه الخالد ومعتزّاً بشخصيته الفريدة:
ـ بل على كتاب الله وسُنّة رسوله واجتهاد رأيي.
والتفت عبدالرحمن إلى عثمان فعرض عليه شروط البيعة.. فرددها عثمان على الفور وهو يكاد يطير فرحاً.
وهنا صَفَق عبدالرحمن على يد عثمان وهتف:
ـ السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وخاطب عليُّ بن أبي طالب عبدالرحمن قائلاً:
ـ اِحْلِب حَلباً لك شَطْرُه...
وأردف وهو يكشف له معرفته ما يدور في الخفاء وراء الأبواب المغلقة:
ـ والله ما فعلتَها إلاّ لأنّك رجوتَ منه ما رجا صاحبُكما من صاحبه.
والتفت عليّ إلى « قريش » التي ألقت بكلّ ثقلها من أجل عثمان، فقال بمرارة:
ـ ليس هذا أوّل يومٍ تظاهرتُم فيه علينا، فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تَصِفون.
ونهض وغادر المكان وهو يتمتم بحزن:
ـ سيَبْلُغ الكتابُ أجَلَه.
وشعر عمّار بن ياسر بالألم يعتصر قلبه.. فقال لعبد الرحمن:
ـ « يا عبدالرحمن! أما واللهِ لقد تركتَه وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون ».
وأحس « المقداد » كأن خنجراً يمزّق قلبه.. فقال:
ـ تاللهِ ما رأيتُ مثل ما أُتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم!!
واعجباً لقريش!! لقد تركتْ رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ أحداً أقضى بالعدل ولا أعلم، ولا أتقى منه.
وأردف بغضب:
ـ أما لو أجدُ أعواناً..!
ولم تكن الصفات التي ذكرها المقداد سوى كلمات لا تُرتضى في زمن يتنكّر للمجد الأخلاقي.. ولا يعرف غير الأساليب الهابطة طريقاً لتحقيق غايات تافهة سرعان ما تزول.
وهكذا بات على عليّ أن يطوي رحلة العذاب صابراً محتسباً حتّى يبلغ الكتاب أجله.
2 ـ في السنة السادسة للهجرة عزم النبيّ صلّى الله عليه وآله على أداء العمرة، وكان من المفروض أن تسمح قريش لهم بذلك أُسوةً بسائر القبائل العربية، ولكنّ مشركي مكّة رفضوا ذلك بعناد، وعسكر النبيّ صلّى الله عليه وآله في الحُديبية قرب مكّة وأرسل وفداً يشرح لهم أهداف زيارته، وتأزّم الوضع بشكل أنذر بوقوع حرب مدمّرة، وأخيراً اتفّق الفريقان على إبرام معاهدة سلام جاء فيها:
1 ـ إنهاء حالة الحرب مدّة عشر سنين.
2 ـ أن يرجع النبيّ صلّى الله عليه وآله وأصحابه هذا العام دون عُمرة، على أن يعودوا في العام القادم، وتلتزم قريش بإخلاء مكّة مدّة ثلاثة أيام.
وعندما أراد عليّ بن أبي طالب عليه السّلام تحرير بُنود الاتفاق وكتب: « بسم الله الرحمن الرحيم » اعترض المفاوض الوثنيّ وأصرّ علي كتابة « باسمك اللهمّ » وكتب علي « هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو » واعترض الأخير أيضاً قائلاً: اكتب اسمك واسم أبيك، ولم تطاوع نفس عليّ أن يمحو صفة الرسالة عن سيدنا محمد، فأخذ النبيّ صلّى الله عليه وآله الصحيفة ومحاها بنفسه والتفت إلى علي وقال بحزن:
ـ إنّ لك مِثلَها يا عليّ!
لقد كان سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله ينظر إلى المدى البعيد، إلى أبعد من ثلاثين سنة قادمة! سوف يحارب عليّ في صفّين « القاسطين » معاوية وأتباعه، وسوف يُضطَرّ عليّ إلى وقف القتال والتفاوض.
وعندما يحرّر عبدالله بن عباس بُنود الاتفاق ويكتب: هذا ما صالح عليه عليّ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، سوف يعترض المفاوض الشامي قائلاً: لو شهدت بأنّ عليّاً أمير المؤمنين ما قاتلُه، بل اكتب « عليّ بن أبي طالب »، ويرفض عبدالله بن عباس ذلك فيأخذ عليّ صحيفة الاتفاق ويمحو « أمير المؤمنين » وهو يستعيد تفاصيل ما وقع في « الحديبية ».

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:16 AM
توهّجات الزمن الثالث

بدأت بحكومة عثمان حقبةٌ زمنيّة جديدة، حقبة شهدت ظهور أعداء الإسلام القُدامى من أمثال أبي سفيان ومروان والوليد وتولّيهم المناصب الرفيعة، وأصبحت مُقدّرات البلاد وثرواتها حكراً على بني أُميّة. وارتفعت القصور المنيفة إلى جانب الأكواخ لتشهد على مدى الحيف الذي حلّ بالشرائح المسحوقة من المجتمع الإسلاميّ.
وأدرك أبو سفيان أن الأوان قد آن للثأر من محمّد، فجاء إلى « الخليفة الثالث » وخاطبه بكل وقاحة قائلاً:
ـ يا بنيّ أُمية تلاقفوها تلاقُف الكرة، فَوَالذي يحلف به أبو سفيان.. لا جنّة ولا نار.
• جاءت الشرطة تسوق إمرأة شابة تزوّجت منذ ستة أشهر وقد أنجبت.. فثارت الشكوك حول عِفّتها قبل الزواج؛ ورفع الزوجُ الأحمق الشكوى ضدّها، فأصدر « خليفة المسلمين » عثمان حُكماً بإعدامها رجماً بالحجارة؛ وأُخذت المسكينة إلى ساحة الاعدام، كانت تنظر إلى السماء بعينَين غارقتَين بالدموع فليس هناك من يطلّع على السرائر سوى الله..
قالت الفتاة الشابة التي لم تهنأ بعد بعرُسها... قالت لأُختها:
ـ يا أُخيّة لا تحزني... فوالله ما مسّني أحدٌ قطّ غيره.
وهبّ عليّ بن أبي طالب بعدما اطّلع على حيثيات القضية فقال لعثمان:
ـ إن خاصمتُك بكتاب الله خصمتُك.
ـ ؟!!
ـ إنّ الله تعالى يقول: (( وحَمْلُه وفِصالُه ثلاثون شهراً ))
ثمّ قال عزّوجلّ: (( والوالداتُ يُرضِعنَ أولادهنّ حَوْلَين كاملَين لمن أراد أن يُتِمّ الرَّضاعة )).
فحولَين مدّة الرضاعة وستة أشهر مدّة الحمل.
جرت العملية الحسابية في ذهن عثمان بسرعة فقال مبهوتاً:
ـ ما فطنتُ لهذا!
ثمّ أصدر أمره باطلاق سراح الفتاة وإلغاء عقوبة الموت بحقّها، ولكن رسول الخليفة وصل متأخّراً... لقد تمّ تنفيذ الحكم ورحلت الفتاة إلى السماء تشكو إلى بارئها ظلم الإنسان.
• بلغ استهتار الوليد بن عقبة والي الكوفة حدّاً لا يطاق؛ ولكن الوليد لم يكن ليكترث لأيٍّ كان مهما بلغت منزلته، فهو أخو « الخليفة » لأُمّه؛ وهكذا انصرف إلى حياة الملاذ والترف، وهام بالخمرة يكرع كؤوسها سرّاً وعلانية.
وجاء ذات صباح إلى المسجد يترنّح سكرانَ بنشوة الخمر، وراح يقرأ في صلاته بعد أن وقف بصعوبة في المحراب:
ـ عَلِقَ القَلبُ الرَّبابا.. بعدما شابَتْ وشابا
ويقول في سجوده:
ـ اشرب واسقِني.
واجتاحته رغبة عارمة بالقيء فتقيّأ!
وهكذا أتمّ الوالي صلاة الفجر في أربع ركعات.. والتفت ليخاطب المسلمين بكل وقاحة:
ـ هل أَزيدكم ؟!
أجاب الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ساخطاً:
ـ لا زادك الله خيراً.. ولا مَن بعثك إلينا.
وراح الناس يقذفونه بالحصى وهو يترنّح في طريقه إلى القصر..
أثار الحادث غضب جماهير الكوفة، فانطلق وفد إلى المدينة بعد أن انتزعوا خاتم الوالي السكران..
وقابل عثمانُ الوفدَ بلهجة فيها غيظ وغِلظةٌ قائلاً:
ـ وما يُدريكم أنّه شرب الخمر ؟
أجاب أعضاء الوفد:
ـ هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهليّة.
وقدّم أحدهم إلى عثمان خاتم الوليد:
ـ انتزعناه من إصبعه وقد كان ثملاً.
شعر عثمان بالحقد، فضرب أحد اعضاء الوفد في صدره ودفعه. وغادر الوفد القصر آسفاً لموقف عثمان.. ولم يجد الوفد الكوفيّ حلاًّ سوى اللجوء إلى عليّ بن أبي طالب فلعلّه يوقف عثمان وولاته عند حدودهم.
وانتفض عليّ وهرع إلى القصر وخاطب عثمانَ بلهجة تتشظّى غضباً مقدّساً:
ـ دفعتَ الشهودَ وأبطلتَ الحدود ؟!
وأدرك عثمان أنّ الأمور دخلت منعطفاً خطيراً، فقال بلهجة فيها مداراة:
ـ ما ترى ؟
قال عليّ بحزم:
ـ أرى أن تبعث إلى صاحبك ( الوليد ).. فإن قامت الشهادة في وجهه ولم يُدْلِ بحُجّة أقمتَ عليه الحدّ. وصدر أمر باستدعاء والي الكوفة للتحقيق معه حول الحادث؛ وجاء الوليد غير مكترث كعادته.. إنّه يعرف عثمان جيداً!
حضر الشهود وأدلوا بإفاداتهم ضد الوليد بأنّه شرب الخمر، وصلّى الفجر ثملاً أربع ركعات وتقيأ في المحراب:
لم ينبس الوليد ببنت شفة واكتفى بالنظر ساخراً إلى وجوه الشهود... كانت لحظات مثيرة، فقد أصبح حكمه واضحاً أن يُجلَد ثمانين سوطاً عقوبةَ شارب الخمر.. ولكن مَن يجرؤ على تنفيذ الحكم وهو « أخو الخليفة » وواليه المدلّل!
ومرّة أخرى نظر الوليد بسُخرية إلى من جاءوا يشهدون عليه.
وهنا حدث ما لم يخطر ببال أحد، فقد اندفع عليّ وانتزع السوط، وفّر الوليد هنا وهناك.. ولكن عليّاً سرعان ما أمسك به وضرب به الأرض، وتوالت سياط عليّ الغاضبة تُلهب جسم الوالي الفاسق؛ وصرخ عثمان:
ـ ليس لك أن تفعل هذا به!
فردّ عليّ بغضب سماويّ:
ـ بل وشرّ من هذا إذ فسق ومنع حقّ الله أن يؤخذ منه!
وهكذا سقط الوالي إلى الحضيض.. ولكن عثمان لم ينس « أخاه » لأمّه، فأسند إليه مهمّة جديدة إذ عيّنه جابياً لصدقات « كلب » و « بلقين ».
وانطوى عليّ على جراحه فليس في الأفق ما يُبشّر بخير

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:16 AM
حوادث الزمن الثالث

استهلّ عثمان حُكمه بتمكين بني أُميّة من مقاليد الحكم، وتسنّم مروان بن الحكم أرفع المناصب حتّى كأن خاتم الخلافة في يده يحكم ما يشاء؛ وفي عهد عثمان تصاعدت وتيرة الفتوحات وراحت الجيوش الإسلاميّة تسيح في الأرض شرقاً وغرباً؛ وكنوز الغنائم تتدفّق ليكون طريقها إلى بني أُميّة وبعض الصحابة الذين وجدوا في سياسة عثمان ما يُشبع طموحاتهم وأطماعهم في المال والثراء. وفي مقابل هذا نجد صفحات تضجّ بالمآسي فيما يحتجّ بعض الصحابة على ظاهرة الانحراف التي لم يعد السكوت عنها ممكناً.
إنّ المتأمّل في ما عاناه الصحابي المظلوم أبو ذر الغفاري على أيدي الأوغاد من بني أُميّة سوف يلمّ بصورة مصغرة عن عمق المحنة التي عصفت بالإسلام والأُمّة، بل وحتّى الأجيال القادمة؛ كما إنّ المتوقّف عند مشهد أبي ذر حبيب محمّد صلّى الله عليه وآله وهو يُضرَب بقسوة ويُهان في « المدينة » عاصمة الإسلام سوف يتذكّر ولا رَيب معاناته في مكّة يوم كانت الكعبة تضجّ بالأوثان وكان الوثنيّون ينهالون على « جُندَب بن جُنادة » وقد هتف: أن لا إله إلاّ الله.. محمّد رسول الله؛ وسوف يكتشف المرء أنّ الذين كانوا يضربونه في مكّة قد عادوا مرّة أخرى يجلدونه في يثرب بعد أن تلبّسوا ثوب الإسلام كُرهاً وزوراً.




الدين والدنيا.. معادلة الصراع

ها هو أبو ذر يعود من الشام مُنهَكاً أرهقه الجلاّدون سيراً، وهو الشيخ الذي أنهكته السنون والأيام من قبل.
عاد إلى المدينة... غريباً وحيداً، لم يستقبله أحد.. إنّها أوامر مروان « الخليفة الفعليّ » للبلاد...
لم يجد عثمان مع أبي ذر حلاًّ إلاّ أن يقتله أو ينفيه ليموت وحيداً...
لقد بلغ الارهاب ذروته، فلم يخرج لتوديع أبي ذر إلاّ عليّ وأخوه ( عقيل ) وابناه ( الحسن والحسين ) والصحابي الجليل عمار بن ياسر... أمّا الآخرون فقد خافوا سطوةَ مروان.. وجاء مروان ثائراً يتهدّد ويتوعّد الذين تمرّدوا على إرادة الحاكم..
كان الحسن يُحدّث أبا ذر، عندما صرخ مروان:
ـ أيهاً يا حَسَن! ألا تعلم أنّ أمير المؤمنين نهى عن كلام هذا الرجل ؟! فإن كنتَ لا تعلم فاعلم!
ولم يجد عليّ بن أبي طالب ردّاً مناسباً سوى أن ضرب بالسوط بين أُذنَي راحلة مروان فولّى مذموماً مدحوراً.
وبدأت مراسم توديع صحابيٍّ آمن بالله ورسوله، وطوى سنوات عمره مجاهداً الذين أشركوا والذين في قلوبهم مرض.
تقدّم عليّ.. شدّ بيده على يد صاحب رسول الله وقال:
ـ يا أبا ذر، إنّك غضبتَ لله.. إنّ القوم خافُوكَ على دُنياهم وخِفتَهُم على دينك، فاترُكْ في أيديهم ما خافوكَ عليه، واهرَب منهم بما خِفتَهم عليه، فما أحوَجَهُم إلى ما منعتَهم وما أغناك عمّا منعوك، وستعلم مَنِ الرابحُ غداً، والأكثرُ حُسَّداً، ولو أنّ السماواتِ والأرضين كانتا على عبدٍ رَتْقاً ثمّ اتّقى اللهَ لَجعلَ اللهُ له منها مَخرَجاً. يا أبا ذر، لا يؤنسْك إلاّ الحقّ، ولا يوحشك إلاّ الباطل.
وتقدّم عقيل ليسجّل تضامنه قائلاً:
ـ ما عسى أن نقول يا أبا ذر، أنت تعلم أنّا نحبّك وأنّك تحبّنا، فاتقِّ الله فإنّ التقوى نجاة، واصبِر فإنّ الصبر كرم. واعلَمْ أنّ استثقالَك الصبر من الجزع، واستبطاءَك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.
وقال الحسن مصبّراً:
ـ يا عمّاه، لولا أنّه لا ينبغي للمودِّع أن يسكت، وللمُشيِّع أن ينصرف.. لَقصُر الكلام وإن طال الأسف... فضَعْ عنكَ الدنيا بتذكّر فراقها.. وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها، واصبِر حتّى تلقى نبيّك صلّى الله عليه وآله وهو عنك راضٍ.
وقال الحسين كلمته التي تنضح احتقاراً للدنيا، وتمجيداً للدين والكرامة:
ـ يا عمّاه، إنّ الله قادر أن يغيّر ما قد ترى، واللهُ كلَّ يومٍ في شأن. وقد منعك القومُ دُنياهم ومنعتَهم دِينكَ، فما أغناكَ عمّا منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتَهم، فاسألِ اللهَ الصبر والنصر..
وتقدّم عمار يودّع صاحبه بكلمات هي مزيج من الحزن والغضب قائلاً:
ـ لا آنس اللهُ مَن أوحشك، ولا آمن مَن أخافك، أما واللهِ لو أردتَ دُنياهم لآمنوك، ولو رضيتَ أعمالهم لأحبّوك. وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضى بالدنيا والجزع من الموت، ومالوا إلى السلطان جماعتهم، والمُلك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دُنياهم. فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
وبكى أبو ذر.. فَجَّرت كلمات الوداع دموعه، حرّكت كوامن الجراح في قلبه المُترع بالحزن.. تصفّح بعينيه الغارقتَين بالدموع وجوه مودِّعيه كأنّه يريد أن يرتوي منها ويتزوّد بها ذكرياتٍ تُعينه على وحشة الأيّام القادمة، قال أبو ذر:
ـ رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة.. إذا رأيتُكم ذكرتُ بكم رسول الله.. مالي بالمدينة سَكَن ولا شجن غيركم... إنّي ثَقُلتُ على عثمان بالحجاز، كما ثقلتُ على معاوية بالشام، وكرِه أن أُجاور أخاه وابن خاله بالمِصرَين... فسيَّرني إلى بلدٍ ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله، وما أُريد إلاّ الله تعالى وما أخشى مع الله وحشة.
وراح أبو ذر يجرّ خُطاه المتعبة إلى منفاه في الرَّبذَة.. تلك البُقعة الجرداء الملتهبة من دنيا الله.
ترك هذا الإجراء التعسّفيّ من لَدُن حكومة عثمان جرحاً لا يندمل في قلوب المؤمنين.. وغضباً مكبوتاً سوف ينفجر بعد حين، ولسوف يبقى ضريح أبي ذر في تلك الصحراء علامة استفهام كبرى فوق رؤوس الذين لم يتحمّلوا صوته... صوت المقهورين والمحرومين

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:17 AM
اندلاع الثورة

تململت الأمّة الإسلاميّة... غضبت لكرامتها المهدورة، واستيقظ الضمير المسلم بعد أن أدركت الجماهير أنّها لم تعد سوى سِلعة في أيدي الحاكمين، وأنّها جزءٌ من أملاك قريش وبالتحديد تلك الأُسرة المتغطرسة والشجرة الملعونة في القرآن التي تُدعى بـ « بني أُميّة ».
وشعر بعض الصحابة الذين ما انفكّوا يقاتلون تحت رايات الفتح الإسلامي لتحرير الأُمم المقهورة.. أنّ الجهاد الحقيقي هو في المدينة المنورة بإزالة تلك الطُغمة الظالمة التي استبدّت بالحكم فقهرت العباد، وعاثت في البلاد.
وهكذا بدأت المعارضة الشعبية والواسعة في كل البلاد الإسلامية باستثناء الشام حيث يحكم معاوية؛ وينفذ سياسته الداهية في تشويش الأدمغة... بدأت المعارضة همساتٍ وتساؤلات وكلمات لاذعة.. ثمّ أخذت بالانفجار، في العاصمة ذاتها إذ رفع لواءها صحابة النبيّ صلّى الله عليه واله بعدما شهدوا بأمّ أعينهم ما يجري على الإسلام من مصائب تهددّه بالفناء والزوال.


مصرع عثمان

تفاقمت الأوضاع بشكل يُنذر بوقوع كارثة، فقد تمادت أجهزة الخلافة بالقمع.. وأرهبت ـ بشكل لم يسبق مثيل ـ كلَّ من حاول الاعتراض على سياسة الحُكم الماليّة.
وقد وصل التذمّر حدّاً جعل عبدالرحمن بن عوف الذي يقف وراء وصول عثمان إلى سدّة الحكم، جعله يُعرب عن ندمه العميق قائلاً:
ـ لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما ولّيتُ عثمان شِسْعَ نَعلي.
وتمتم عبدالرحمن في اللحظات الأخيرة من حياته وهو على فراش الموت:
ـ عاجِلوه.. عاجِلوه قبل أن يتمادى في مُلكه.
وكانت آخر وصاياه أن لا يُصلّي عليه عثمان.
وتصاعدت وتيرة المعارضة في الشهور الأخيرة من حياة عثمان، وما أكثر ما سمع الناس « أمَّ المؤمنين » عائشة تهتف بالمسلمين قائلة:
ـ اقتُلوا نَعثلاً فقد كفر.
ولوّحت مرّة بقميص النبيّ صلّى الله عليه وآله وصاحت:
ـ هذا قميصُ رسول الله لم يَبْلَ وعثمانُ قد أبلى سُنّته.
ولم تكن المعارضة تمثّل تياراً واحداً، بل جمعت تحت لوائها تيارات عديدة والتقت فيها بواعث عديدة، فهناك الغاضبون لحِرمانهم من بعض الامتيازات، وهناك الطامعون بالخلافة منذ أن نفخت الشورى في روحهم أنّهم أهلٌ لها، وهناك الجماهير المتذمّرة التي وجدت نفسها مهدورة الكرامة، وهناك الضمير الإسلاميّ الحيّ الذي يُمثله أجلاّء الصحابة ابتداءً بأبي ذرّ الغفاري وعبدالله بن مسعود وعمّار بن ياسر..
وفي كلّ تلك التيّارات التي هزّت الأمة الإسلامية من الأعماق، يقف عليّ بن أبي طالب موقفه الفريد في تفادي الكوارث التي تُنذر بوقوع الانفجار والدمار؛ واستطاع الإمام أن يكتسب ثقة الجميع بما في ذلك عثمان نفسه، أمّا زوجة عثمان فقد كانت تؤمن إيماناً عميقاً أن علياً عليه السّلام هو وحده الذي سيُجنّب عثمان الوقوع في الهاوية لو التزم عثمان نصائح الإمام؛ وبالرغم من كلّ هذا فلم يكن عثمان ليرتاح إلى عليّ ابداً.. لقد أصبح عثمان مجرّد أداة في يد مروان.
ومن المؤسف أنّ عثمان لم يَرْعَ حرمة الخلافة حتّى في تهجّمه على مناوئيه، وصدرت منه ألفاظ نابية لا تليق ليس بمركزه فحسب، بل وبشيخوخته أيضاً.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:18 AM
الحصار الأول

حاول الإمام أكثر من مرّة توجيه الأحداث بعيداً عن الكارثة القادمة، ودَفْع المعارضة والمؤسسة الحاكمة إلى جادّة الصواب، وفي كلّ مرّة يبرز مروان ليُحبط تلك المساعي الخيّرة من خلال مواقفه الهابطة التي تنمّ عن حقد أعمى، وعن نفسية ملوّثة وعقليّة خاوية. وهكذا تدفّق الثوار من كلّ حَدب وصوب، ولم يعد هناك من طريق سوى الثورة.
وفي مطلع ذي القعدة بدأت وفود الثائرين بالوصول إلى عاصمة البلاد.
فقد وصل كلٌّ من مالك الاشتر ومعه ألف من الثوار في أربع فرق، ووصل حكيم بن جبلة العبدي ومعه مئة وخمسون ثائر.
ووصلت جموع المصريّين التي ناهز عددها الألفَين، وأحدقت الجماهيرُ الغاضبة بقصر عثمان وقدّمت مطاليبها العادلة.. وهي:
ـ العودة إلى سياسة النبيّ في العطاء والتي تنهض على مبدأ المساواة وإلغاء الامتيازات التي سنّها عمر بن الخطّاب، وجيّرها عثمان لصالح قبيلته.
ـ تطهير المؤسسة الحاكمة من العناصر الفاسدة وفي طليعتهم مروان بن الحكم.
ـ الحدّ من أطماع الأمويين واحتكار المناصب لصالحهم.
ـ وقف الإجراءات الكيفية التي يمارسها الولاة إزاء رعايا الدولة، والحدّ من صلاحيات الحكام في التصرّف بالاموال العامّة.
وتجاهل عثمان مطاليب الثائرين، وتأزّم الوضع واتّخذ التجمّع الجماهيري الضخم شكل الحصار؛ وانقطعت سُبل التفاهم بين عثمان والثوار.
وفي تلك اللحظات الحسّاسة استنجد الطرفان بالإمام عليّ للتدخّل قبل أن يحدث ما لا تُحمد عُقباه.
ولبّى الإمام رغبةَ الجميع وقَبِل الوساطة، فانطلق يشقّ طريقه إلى قصر الخلافة واجتمع بعثمان.
بدأ الإمام حديثه مع عثمان فقال ناصحاً:
ـ الناسُ ورائي وقد كلّموني فيك.. وواللهِ ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئاً تجهله.. ولا أدلّك على أمرٍ لا تعرفه... فاللهَ اللهَ في نفسك فإنّك واللهِ ما تُبصر من عَمى، وما تعلم من جهل، وإنّ الطريق لَواضحٌ بيّن..
وذكّره الإمام بخطر مروان.. فقال:
ـ لا تكُن لمروان سَيّقةً يسوقك حيث يشاء.
وأضاف في حديثه إلى أنّ الولاة يسيئون سياسة الناس وينسبون ذلك إلى عثمان:
ـ إنّ معاوية يقتطع الأمور دونك فيقول للناس هذا أمر عثمان.. فيبلغك ولا تُغيِّر على معاوية.
ولقد حثّت « نائلة » زوجَها عثمان على الإصغاء إلى نصائح عليّ، فهو وحده الذي يمكنه أن يقنع الثوّار بالعودة، لهذا قال عثمان صادقاً:
ـ يا أبا الحسن، ائتِ القومَ فادعُهُم إلى كتاب الله وسنّة نبيه.
قال الإمام مشترطاً:
ـ نعم.. إن اعطيتَني عهدَ الله وميثاقه على أنّك تَفي لهم بكلّ ما أضمنه عنك.
أجاب عثمان:
ـ نعم.
وأخذ عليّ عليه السّلام العهود على « الخليفة الخائف » بإصلاح الأمور، وخرج عليّ يبشّر الجماهير المحتشدة، وعلت الهتافات من كلّ صوب:
ـ ما وراءك ؟
فأجاب الإمام:
ـ بل أمامي... تُعطون كتابَ الله وتُعتبون من كلّ ما سخطتم.
وفي هذه الكلمات أوجز الإمام كلّ مطاليبهم التي ثاروا من أجل تحقيقها...
وتساءل زعماء الثورة:
ـ أتضمن ذلك عنه ؟
فقال عليّ عليه السّلام:
ـ نعم.
ـ رَضِينا.
وهكذا تقرّر اجتماع بعض زعماء الثائرين بعثمان لتحرير ما أعلن هو بنفسه.
وهذه صيغة التعهد كما وردت في كتب التاريخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من عبدالله عثمان أمير المؤمنين..
لِمَن نَقِم عليه من المؤمنين والمسلمين..
إنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيه صلّى الله عليه وآله.
يُعطى المحروم.
ويُؤمَن الخائف.
ويُرَدّ المنفيّ.
ولا تجمر البعوث « لا تبقى مرابطة في أرض العدوّ ».
وتوفر الفيء.
وعليّ بن أبي طالب ضمين المؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء في هذا الكتاب.
الشهود: الزبير بن العوّام / طلحة بن عبيدالله / سعد بن أبي وقاص / عبدالله بن عمر / زيد بن ثابت / سهل بن حُنَيف / أبو أيوّب الأنصاري / خالد بن زيد. وقد حرّر الكتاب في ذي القعدة سنة 35 هـ.
ونصح الإمام عليّ عثمانَ بن عفان بأن يواجه الجماهير شخصيّاً ويعلن على الملأ العام سياسته الجديدة.
ونهض عثمان ليواجه الجماهير، وفي قلبه عزم على أن يعود إلى جادّة الصواب:
ـ سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: مَن زلّ فلْيُنب...
وأنا أوّل من اتعظ.. فإذا زللتُ فلْيأتِ أشرافُكم فليردّوني برأيهم.. فوالله لو ردّني إلى الحق عبدٌ لاتّبعته، وما عن الله مذهب إلاّ إليه...
وأشرقت وجوه الجماهير بالفرحة والأمل...
وخرج الإمام عليّ فتحدّث إلى الوفد المصري الذي فضّل العودة إلى دياره بعد أن حمل نسخة من كتاب عثمان.
وهنا تدخّل مروان فأجهض كلّ تلك المساعي الطيبة... إذ سطّر كتاباً باسم الخليفة ومهره بخاتم الخليفة وسلّمه إلى غلام الخليفة! وأركبه جملاً تعود ملكيّته للخليفة المغلوب على أمره؛ وقد بلغ من خُبث مروان أنّه طوى الكتاب ووضعه في أُنبوب مصنوع من الرصاص، ووضع الأنبوب في قارورة، ووضع القارورة في قِربة ملأى بالماء... وقال للغلام:
ـ حُثّ السير حتّى تصل مصر فتسلّمه إلى عبدالله بن سعد.
وتشاء الأقدار أن يكتشف الوفد المصريّ وهو في طريق العودة إلى دياره.. المبعوثَ المشبوه، وبعد تفتيش دقيق عثر أحد أعضاء الوفد على انبوبة الرصاص وفيها كتاب ينضح بالدم والموت:
أمّا بعد..
فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرِب عُنقه واقطع يدَي ابن عديس وكنانة وعروة، ثمّ دَعْهم يتشحّطون في دمائهم حتّى يموتوا.. ثمّ أوثِقهم إلى جذوع النخل.
وثارت ثائرة الوفد المصري الذي قرّر العودة إلى المدينة والاطاحة بعثمان، توجّه الوفد المصري إلى عليّ الذي ضمن « الخليفة »؛ وشعر عليّ بالغضب وهو يتأمّل كتاب عثمان وأوامره بتصفية زعماء الوفد..
وانطلق الإمام إلى قصر عثمان، وقد فوجئ عثمان بالكتاب وأقسم أنّه لا يعلم منه شيئاً، وأنّه لم يكتبه ولم يأمر بكتابته ولكنّه اعترف قائلاً:
ـ أمّا الخط فخطّ كاتبي.. والختم خاتمي..
وكان لابدّ من اتّهام أحد بِحَبْك هذه المؤامرة.. فسأل عليّ:
ـ فمن تتّهم..
لقد انفتحت أمام عثمان فرصة رائعة.. للتحقيق في الأمر، ومن ثمّ الثأر لكرامته التي أهدرها مروان بتصرّفاته الحمقاء.. ولكنّنا نجد عثمان ومع بالغ الأسف يجيب دون رويّة قائلاً:
ـ أتّهمكَ واتّهم كاتبي!!
ونهض عليّ غاضباً.. وشعر بأنّ دوره كوسيط قد انتهى وأنّ عثمان قد مات.. منذ زمن.. منذ الأيام التي سلّم فيها عثمان أموره إلى مروان وراح ينقاد وراءه.
تمتم عليّ بحزن:
ـ ما يُريد عثمان أن ينصحه أحد.. اتّخذ بطانة غش ليس منهم أحد إلاّ وقد تسيّب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذلّ أهلها.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:19 AM
الحصار الثاني

تدهورت الأوضاع بسرعة مثيرة، وهتف المصريون بعثمان ولوّحوا بالكتاب:
ـ يا عثمان، أهذا كتابك ؟
وأنكر عثمان ذلك وأقسم.
فصاح المصريون:
ـ هذا شرّ، يُكتَب عنك بما لا تعلم، مثلك لا يليق بالخلافة.. فاخلع نفسَك عنها.
أجاب عثمان وقد سدّ جميع أبواب السلام:
ـ ما كنتُ لأنزع قميصاً سربلنيه الله!
وهكذا فُرض الحصار مرّة أخرى، وتأزمت الأحداث وقد أوشك الوضع على الانفجار.
وتقدّم شيخ قد هدّته السنون من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله، وناشد عثمانَ بإطفاء نار الفتنة باعتزاله الخلافة والحكم، وفيما هو يحاور عثمان انطلق سهم فأصاب من الشيخ الصحابي مقتلاً فهوى شهيداً.. وانفجر الوضع وتعالت هتافات الجماهير بتسليم القاتل، ورفض عثمان الاستجابة كعادته قائلاً:
ـ لم أكن لأقتل رجلاً نصرني..
وفي فورة غضبٍ اندفعت الجماهير باتجاه باب القصر فأحرقته..
ووقعت عدّة اشتباكات عنيفة... وممّا دفع بالأمويين إلى القتال ومواجهة الجماهير بالعنف أخبارٌ عن زحف قوّات عسكرية من الشام باتّجاه المدينة؛ ومع كلّ هذا فقد تخلّى مروان عن « خليفة » وفرّ مع بعض الأمويين وتركوا عثمان يواجه مصيره المحتوم وحيداً.. ولقي عثمان مصرعه تحت ضربات المهاجرين والأنصار، وهكذا أُسدل الستار على حياة « الثالث ».. الذي تُرك ثلاثة أيام بلا دفن، وتضاربت الأنباء حول غسله ورفضت الجماهير فيما بعد دفنه في مقبرة البقيع فدُفن كما أجمعت مصادر التاريخ في بقعة تدعى « حش كوكب » كان اليهود يدفنون فيها موتاهم، وإذا كان لمعاوية فضلٌ على عثمان فهو في هدم الحائط الذي يفصل بين « البقيع » و « حش كوكب »! وإلحاق الأخيرة بمقبرة المسلمين.




صِفِّين... سقوط الحضارة
أنَزَلني الدهرُ حتّى قيل معاوية وعلي!

موقف أمّة

لخّص الإمام عليّ الحوادث التي انتهت بمقتل عثمان في حديثه مع بعض الثائرين قائلاً:
ـ إنّ عثمان استأثر فأساء الأثَرَة، وجَزِعتهم فأسأتُم الجَزع، ولله حكمٌ واقع في المستأثر والجازع.
كما وأوجز سيرة عثمان في خلافته بقوله:
ـ إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حِضْنَيه ( من كان سيره تكبّراً ) بين نَثيله ( الروث ) ومُعتلفه ( موضع العلف ).. وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمةَ الإبل نبتةَ الربيع، إلى ان انتكث عليه فَتْلُه، وأجهزه عليه عَمَلُه، وكَبَتْ به بِطنتُه.
وأعقب مصرع عثمان أن عمّت الفوضى المدينةَ المنورة، واندفعت الجماهير إلى منزل الإمام عليّ تطالبه بتحمّل مسؤوليّاته في الحكم والخلافة في واحد من أكثر المنعطفات التاريخيّة حسّاسيّة وخطورة.
ولكنّ الإمام رفض بشدّة، وهتفت الجماهير تستنجد به:
ـ يا أبا الحسن، إنّ هذا الرجل قد قُتِل ولابُدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك... لا أقدمَ سابقة، ولا أقرب من رسول الله.
فقال الإمام:
ـ لا تفعلوا، ولا أفعل، فإنّي لكم وزير، خير لكم من أمير.
وتشبّثت الجماهير به كما تتشبّث بطوق النجاة:
ـ أنت لنا أمير.
فقال الإمام:
ـ لا حاجة لي في أمركم... أيّها الناس أنا معكم، فمن اخترتم رضيتُ به.
وأحدقت به الجماهير من كلّ صوب وقد زادهم إصرارُه على الامتناع إصراراً على التشبّث به، وهتف الإمام مرّة أخرى:
ـ دعوني والتمسوا غيري..
وأردف مشيراً إلى أنّ زمن الفتن قد بدأ:
ـ إنّا مستقبلون أمراً له وجوه.. وله ألوان، لا تثبت له العقول، ولا تقوم له القلوب.
وارتفع صوتٌ مخلص من بين الجماهير يناشد الإمام:
ألا ترى ما حدث في الإسلام ؟
ألا تخاف الفتنة ؟
ألا تخاف الله ؟!
وهنا سكت الإمام... وحبست الجماهير أنفاسها؛ فقال:
ـ إنّي إن أجبتُكم ركبتُ فيكم ما أعلم، وإن تركتوني فإنّما أنا كأحدكم.. بل أنا مِن أسمعِكم، وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم.
فردّت الجماهير بحماس:
ـ ما نحن بمُفارقيك حتّى نبايعك!
وأخيراً أعلن الإمام استجابته، وأشار إلى المسجد البقعة التي صنعت تاريخ الإسلام من قبل:
ـ إن كان لابدّ من ذلك ففي المسجد... فبيعتي لا تكون خُفية.. ولا تكون إلاّ عن رضى المسلمين وفي ملأ جماعتهم.
وفي اليوم التالي كان المسجد الجامع يموج بالجماهير التي احتشدت لمبايعة « عليّ »...
ولو قُدّر للمرء أن يرى مشهداً واحداً من ذلك اليوم العظيم ـ عندما هبّت الجماهير تبايع انساناً رأت في ملامحه وجه المنقذ.. رأت فيه الشمس التي أشرقت بعد ليالي الزمهرير الطويلة ـ لرأى رجالاً ونساءً وأطفالاً صغاراً.. وقد أشرقت الوجوه تنتظر لحظات العهد الجديد.. ولرأى أيضاً شيوخاً قد هدّتهم السنون والأيام ولكنّهم تحاملوا على انفسهم فجاءوا يعاهدون عليّاً...
وجاء عليّ في الصباح وقد أشرقت الشمس وغُمرت المدينة بالنور والدفء.. كان يرتدي قميصاً وعمامة من خزّ.. يحمل في يده نعلَيه.. يتوكّأ على قوسه.
وفي يوم الثامن عشر من ذي الحجة ارتقى عليّ المِنبر ليواجه الجماهير المحتشدة:
ـ أيّها الناس: إنّي كنت لأمرِكم كارهاً.. فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم.. رضيتم بذلك ؟
وعلت هتافات الأمّة:
ـ نعم.. نعم.. نعم.
فرفع الإمام طرفه إلى السماء وقال:
ـ اللهمّ اشهَدْ عليهم.
وفي فرح عارم بدأت مراسم البيعة.. وامتدّت أولّ يد وكانت شلاّء لتعاهد عليّاً على الوفاء.. وتدافعت الجماهير تبايع عليّاً، وأشرقت وجوه الفقراء والمقهورين... لقد بدأ عهد جديد... عهد تتنفّس فيه العدالة مِلء رئتيها.. واحتلفت الأمّة بهذا اليوم السعيد ليكون لها عيداً.. وبدأت كلمات الفرح والثناء والمجد تنثال لتملأ أُذن الزمان.. إذ انبرى ذو الشهادتَين خزيمة بن ثابت ليسجّل شهادته أمام الناس والتاريخ والأجيال:
ـ ما أصبنا لأمرنا غيرك.. ولا كان المنقلب إلاّ إليك؛ ولئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم الناس إيماناً.. وأعلم الناس بالله.. وأوّل المؤمنين برسول الله.. لك ما لهم.. وليس لهم ما لك..
ونهض الحصابي صعصعة بن صوحان فقال وهو يرى أجمل منظر في الإسلام:
ـ والله يا أمير المؤمنين.. لقد زيّنتَ الخلافة وما زانتك، ورفعتَها وما رَفَعَتك، ولَهِيَ إليك أحوج منك إليها.
واندفع مالك الاشتر يهتف بحماس الجندي المخلص للإسلام:
ـ أيّها الناس، هذا وصيّ الأوصياء.. ووارث عِلم الأنبياء.. العظيم البلاء، الحَسَن العناء.. الذي شَهِد له كتابُ الله بالإيمان، ورسولُه بجنّة الرضوان.. مَن كَمُلت فيه الفضائل.. ولم يشكّ في سابقته وعِلمه وفضله الأواخر والأوائل..
ولم يتخلّف عن البيعة الشعبية سوى مجموعة تُعَدّ بالأصابع في طليعتها: سعد بن أبي وقّاص، أُسامة بن زيد، أبو سعيد الخدريّ، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وحسّان بن ثابت الشاعر. ولم يتعرّض الإمام إلى أيّ منهم، وترك لهم الخيار بحرّية.. فقد أُحضر سعد إلى المسجد ليابيع ولكنه رفض ذلك قائلاً:
ـ لا.. حتّى يبايع الناس.. والله ما عليك منّي بأس.
فقال الإمام:
ـ خلّوا سبيله..
وقال عبدالله بن عمر بن الخطاب مثل قول سعد.
فقال الإمام:
ـ ائتِني بكفيل.
قال:
ـ لا أرى كفيلاً.
فقال الإمام:
ـ دعوه.. أنا كفيله.
وفي كلّ الأحوال.. فإنّ مبايعة الإمام عليّ كانت تعني الإعراض عن مباهج الدنيا والترف وحياة القصور، ولم يكن هذا يسيراً على الذين انغمسوا فيها وغرقوا في أوحالها حتّى الحضيض

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:20 AM
العهد الجديد

وبصعود أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام المنبر بدأ فصل جديد من التاريخ.. لقد بدأ فصل الربيع وزمن العدالة والمساواة والأخوّة.. الجماهير والتاريخ والضمائر الإنسانيّة تُصغي إلى كلمات تتدفّق من روح عظيمة.. روح انصهرت في بوتقة النبوّات.. ها هو عليّ ربيب محمّد صلّى الله عليه وآله يعلن انبعاث الرسالة، ها هو يخاطب التاريخ والحضارة والإنسانية:
ـ ألا لا يقولنّ رجالٌ منكم قد غَمَرَتهم الدنيا فاتخذوا العقار.. وفجّروا الأنهار.. وركبوا الخيول الفارهة.. واتّخذوا الوصائف الروقة.. فصار ذلك عليهم عاراً وشَناراً.. إذا ما منعتُهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون.. فينقمون ذلك ويستنكرون.. ويقولون حرمنا ابنُ أبي طالب حقوقنا...
وأردف معلناً القاعدة التي تنهض عليها حقوق المواطن المسلم:
ـ وأيّما رجل استجاب لله ورسوله.. فصدّق ملّتنا ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا.. فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله..
والمال مال الله..
يُقسَّم بينكم بالسوية..
لا فضل لأحدٍ على أحد؛ وللمتّقين غداً أحسن الجزاء وفضل الثواب..
واضاف قائلاً:
ـ وإذا كان غداً ـ إن شاء الله ـ فاغدُوا علينا.. فإنّ عندنا مالاً نقسّمه فيكم، ولا يتخلفنّ أحد منكم، عربيّ ولا أعجمي.. كان من أهل العطاء أو لم يكن.. إذا كان مسلماً حرّاً إلاّ حضر..
أقول قولي هذا وأستغقفر اللهَ العظيم لي ولكم.
هل هي مصادفة أن يتولى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام الخلافة في الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام.. وهل تذكّر بعض صحابة النبيّ صلّى الله عليه وآله يوم غدير خم عندما هبط جبريل يعلن ولاية عليّ على كلّ مسلم ومسلمة وكلّ مؤمن ومؤمنة.
إنّ الفترة التي أعقبت رحيل النبيّ صلّى الله عليه وآله وإقصاء الإمام عليّ عن حقّه هي من أكثر الفترات مأساويّة، والتأمّل في مواقف الإمام وتصريحاته ابّان تلك الفترة يكشف عن عمق المحنة التي عاشها وصيّ النبيّ ازاء قريش التي حاربت النبيّ صلّى الله عليه وآله ما يقارب ربع قرن من الزمن.. وهي مدّة الدعوة والدولة، وأقصت وصيّه عن حقّه في القيادة مدّة ربع قرن أيضاً.



حوادث يوم السبت 19 ذي الحجة 35 هـ

بويع الإمام عليّ عليه السّلام يوم الجمعة.. وتجلّت سياسته في اليوم التالي.. فإذا عليّ هو صوت العدالة الإنسانيّة، وهو الإسلام الذي لا يعرف أفضليّةً لعربيّ على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلاّ بالتقوى.
أصدر الخليفة الحقّ أمره إلى الصحابي عمّار بتوزيع « العطاء » على الناس:
ـ قم يا عمّار إلى بيت المال، فأعطِ الناس ثلاثة دنانير لكلّ إنسان، وادفع لي ثلاثة دنانير.
وانطلق عمّار وأبو الهيثم وجماعة من المسلمين إلى بيت المال.. ومضى عليّ إلى مسجد قباء أوّل مسجد في تاريخ الإسلام.. مضى ليصلّي..
وهناك في البيت الذي يضمّ خزائن الدولة حدث ما لا يستوعبه العقل البشريّ.. لقد وجد عمّار أنّ بيت المال يحوي ثلاثمئة ألف دينار، وكان أهل العطاء مئة ألف إنسان؛ ولم يبق دينار واحد!!
والتفت عمّار إلى مَن حوله وفي عينيه بريق وخشوع قائلاً:
ـ جاء واللهِ الحقُّ من ربكم.. واللهِ ما علم بالمال ولا بالناس، وإنّ هذه لآية... وجبت عليكم بها طاعةُ الرجل.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:21 AM
من هنا مرّ الشيطان

إذا كانت سياسة العطاء قد كشفت عن الوجه الإنساني والإسلامي لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فإنّها قد فجّرت في الوقت نفسه الأحقاد والأطماع.. وفوجئ بها بعض المقرّبين إليه.. جاء سهل بن حنيف وهو من أصحابه فقال مذهولاً:
ـ يا أمير المؤمنين.. هذا غُلامي بالأمس.. وقد أعتقتُه اليوم.
فقال الإمام:
ـ نُعطيه كما نعطيك!
وأثارت هذه السياسية حفيظة عدد من الزعامات في طليعتهم: طلحة بن عبدالله.. الزبير بن العوّام.. عبدالله بن عمر.. مروان بن الحكم.. سعد بن العاص. وبدأت أوّل التكتّلات المناهضة لعليّ وسياسته؛ وقد امتنع هؤلاء عن حضور توزيع العطاء.. وبذلك سجّلوا أوّل استياء ضد العدالة. وتبلورت المعارضة لتجتمع تحت لواء المصالح والأطماع والأحقاد الدفينة.. وفي المسجد جاء الوليد بن عقبة وهو يمثل التكتّل الأموي لمساومة عليّ فقال:
ـ يا أبا الحسن، إنّك قد وترتَنا جميعاً، أمّا أنا.. فقد قتلتَ أبي يوم بدر، وخذلت أخي يوم الدار بالأمس.
وأمّا سعيد ( بن العاص ) فقتلتَ أباه يوم بدر، وكان ثور قريش.
وأمّا مروان فسخّفت أباه عند عثمان إذ ضمّه إليه..
ونحن إخوانك ونظراؤك.. ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنّا ما أصبناه من المال في عهد عثمان.. وأن تقتل قَتَلة عثمان، وإنّا إن خفناك تركناك والتحقنا بالشام.
قال الإمام واضعاً النقاط على الحروف:
ـ أمّا ما ذكرتم من وتري إيّاكم فالحقُّ وَتَركم.
وأمّا وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حقَّ الله عنكم ولا عن غيركم.
وأمّا قَتَلة عثمان، فلو لزمني قتلُهم اليوم لقتلتُهم أمس، ولكن لكم علَيّ إن خفتموني أن أؤمنكم، وإن خفتكم أن أُسيِّركم.
وعندما انتهت مراسم توزيع العطاء، انطلق عليّ عليه السّلام إلى العمل في بئر الملك.
وقد رفض كلٌّ من طلحة والزبير وعبدالله بن عمر استلام حقوقهم من العطاء، وجاءوا يطلبون الاجتماع بعليّ.
قال طلحة حانقاً:
ـ هذا منكم أو من صاحبكم ؟
أجاب عمّار:
ـ هذا أمره، لا نعمل إلاّ بأمره.
ـ استأذنوا لنا عليه.
ـ ما عليه آذن، هو في بئر الملك يعمل.
من المدهش أنّنا نرى هؤلاء الثلاثة يستمرّون في غيّهم فيمتطون خيولهم متوجّهين إلى « بئر الملك ».
كان الجوّ حاراً.. وكان عليّ يعمل في الأرض مع أجير له وقد تصبّبا عرقاً! قال طلحة متضايقاً:
ـ إنّ الشمس حارّة، فارتفع معنا إلى الظلّ..
واستجاب الإمام إلى رغبتهم، فجلس إليهم تحت ظلال شجرة؛ ابتدأ طلحة الحديث فقال:
ـ لنا قرابة من نبيّ الله وسابقة جهاد.. وإنّك أعطيتنا بالسويّة.. ولم يكن عمر ولا عثمان يفعلان ذلك.. كانوا يفضّلوننا على غيرنا.
أجاب الإمام مذكِّراً إيّاهم بطريقة أبي بكر:
ـ فهذا قسم أبي بكر.. وهذا كتاب الله فانظُروا ما لكم من حقٍّ فخذوه.
أجاب الزبير:
ـ فسابقتُنا.
قال أمير المؤمنين موجّهاً خطابه لطلحة والزبير:
ـ أنتما أسبق منّي ؟
ـ لا.. فقرابتنا منه ؟
ـ أقرب من قرابتي ؟
ـ لا.. فجهادنا ؟
ـ أعظم من جهادي ؟
ـ لا.
ـ واللهِ ما أنا في هذا المال وأجيري إلاّ منزلة سواء.
ومع كلّ هذه الحجج المقنعة.. إلاّ أنّ طلحة والزبير كما يبدو قد ركبا رأسَيهما ورفضا الانصياع للأمر الواقع.. لقد بنيا مجدَيهما على تلك الامتيازات الوهميّة وراحا ينظران إلى كلّ شيء من خلال تلك الأوهام.
وشهد اليوم التالي انفجاراً في المسجد عندما حاول عمّار الدخول معهما في حوار.. ورفض طلحة بأسلوب عنيف الحديث صارخاً:
ـ أعرف أنّ في كلّ واحد منكم خطبة..
وأساء عبدالله بن الزبير الأدب في خطابه لشيخ الصحابة عمّار فأُخرج من المسجد.. وهنا غادر الزبير المسجد منزعجاً وتأزّمت الأوضاع، وقد ذرّ الشيطان قرنَيه.. وأُحيط الإمام عِلماً بحركة الانشقاق.. والتّي تتخذ من القِدَم في اعتناق الإسلام ذريعةً للحصول على امتيازات دُنيويّة زائلة..
وشعر الإمام بالغضب.. وغادر منزله إلى المسجد فألقى خطاباً مريراً انتقد فيه هذه الظاهرة المؤسفة قائلاً:
ـ يا معشر المهاجرين والأنصار! أتمنّون على الله ورسوله بإسلامكم ؟ بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين..
وارتفعت نبرة الإمام وهو يهتف بغضب:
أنا أبو الحسن.. ألا إنّ هذه الدنيا التي تتمنّونها وترغبون فيها.. وأصبحَتْ تُغضبكم وتُرضيكم، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خُلقتم له، فلا تغرّنكم.. وأمّا هذا الفيء فليس لأحد اثرة.. فقد فرغ الله من قِسْمته.. وهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون.. وهذا كتاب الله، به أقررنا وله أسلمنا وعهدُ نبينا بين أظهُرنا..
ونزل الإمام وصلّى ركعتين.. وبعث عمّاراً لاستدعاء الزبير وطلحة لاجراء حوار معهما.
قال عليّ لهما:
ـ نشدتُكما الله! هل جئتماني طائعَين للبيعة ودعوتماني إليها وإنّي كاره ؟
ـ نعم.
ـ غير مجبورَين ؟
ـ نعم.
ـ فما دعاكما إلى ما أرى ؟
ـ أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الأمور دوننا.. ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمتَ.
وشعر الإمام بالغضب.. لقد تمكّن الشيطان من نفخ روحه فيهما، وقديماً رفض إبليس السجود لآدم قائلاً: أنا خير منه خلقتَني من نارٍ وخلقتَه من طين!
قال عليّ وهو يحاول قهر الشيطان فيهما:
ـ لقد نقمتُما يسيراً وأرجأتما كثيراً.. فاستغفِرا الله يغفر لكما..
ألا تخبراني.. أدفعتُكما عن حقٍّ واجبٍ لكما فظلمتُكما إيّاه ؟
ـ معاذَ الله.
ـ فهل استأثرتُ من هذا المال بشيء ؟
ـ معاذ الله.
ـ أوَقَع حكمٌ أو حدٌّ من المسلمين فجهلتُه أو ضعفت فيه ؟
ـ معاذ الله.
وانطلقت صرخة مظلوم ظلّت مكبوتة ربع قرن:
ـ فما الذي كرهتما من أمري حتّى رأيتما خلافي ؟
ـ خلافك عمر في القسمة.. إنّك جعلتَ حقّنا في القسم كحقّ غيرنا، وسوّيت بيننا وبين غيرنا.
وذكّرهم الإمام بأنّ السابقة والجهاد في الإسلام لا يمكن أن تكون قاعدة تنهض عليها الامتيازات الدنيويّة؛ إنها إذا خلصت لله فستكون المجد والمستقبل الحقيقي للمسلم في الآخرة:
ـ أمّا قولكما « جعلتَ فيئنا وأسيافنا ورماحنا سواءً بيننا وبين غيرنا »، فقديماً سبق الإسلام قوم، ونصروه بسيوفهم ورماحهم، فلا فضّلهم رسول الله بالقسم ولا آثر بالسبق، والله موفٍ السابق المجاهد يوم القيامة..
ووصل الحوار إلى طريق مسدود، لقد وُضعت الأصابعُ في الآذان.. ولم يَعُد للمواعظ معنى في زمن يبرق المعدنُ الأصفر فيخلب العقول والأبصار.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:22 AM
الطريق إلى البصرة

تسارعت الأحداث.. وشهد ليل المدينة رجالاً ملثّمين يجتمعون في الظلام يتآمرون للاطاحة بالحكم الجديد.. لِوأد الشمس التي أشرقت بعد ليالي الشتاء الطويل. لقد تحوّل عثمان بين ليلة وضحاها إلى مظلوم بعد أن كان ظالماً.. ها هو طلحة الذي أنفق أموالاً طائلة وقدّم مساعدات كبيرة من أجل الإطاحة بعثمان، يتهيّأ للفرار إلى مكّة من أجل المطالبة بدم عثمان، لقد أصبح عثمان مظلوماً.. لأنهم فقدوا بغيابه الدنيا الجميلة.. دنيا القصور والامتيازات والليالي الجميلة!
ووصلت الحوادث منعطفاً خطيراً عندما دخلت عائشة زوجة النبيّ « أم المؤمنين » قلب الأحداث لترفع فيما بعد راية التمرّد على الشرعيّة؛ حتّى عائشة التي كانت بالأمس تهاجم عثمان بقسوة باتت تهتف بظُلامته اليوم!!
وهنا يتوقّف التاريخ مذهولاً... فإذا بالذين قتلوا عثمان في الخامس عشر من ذي الحجّة الحرام يرفعون لواء المطالبة بدمه من عليّ.
وهكذا وجد مروان بن الحكم أنّ الظروف تسير في صالحه ففرّ إلى مكّة ومعه بنو أمية، فاجتمعت الأحقاد والأطماع والمصالح تحت راية عائشة.. لا حبّاً بعثمان ولكن كُرهاً لعليّ. وأنفق الامويون أموالاً طائلة لتجهيز جيش المتمرّدين الذي تحرّك صوب البصرة بقيادة عائشة زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وأُصيب البصريون بالدهشة وهم يرون عائشة وطلحة والزبير قد جاءوا إلى البصرة للطلب بدم عثمان الذي قُتل في المدينة!
وفي البصرة حدثت اشتباكات عنيفة مع أنصار الإمام.. وقع فيها عشرات القتلى والجرحى.
وتحرّك الإمام بقوّته باتّجاه العراق، وعسكر في منطقة « ذي قار » ينتظر وصول الإمدادات من الكوفة، غير أن الوالي وكان عثمانيَّ الهوى قد وقف إلى جانب عائشة، وراح يحثّ الناس على نكث البيعة وعدم مساندة الإمام؛ وقد وصل الحسن بن عليّ وعمّار لحثّ الكوفيّين على الالتحاق بجيش الإمام، وظلّ الموقف على ما هو عليه، ولم تُجْدِ خطابات نجل الإمام ولا صاحبه في تغيير الموقف، وهنا وصل مالك الأشتر على جناح السرعة، فاقتحم قصر الإمارة بالقوّة، وطرد الوالي الذي غادر القصر مذموماً مدحوراً.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:23 AM
العِجل الجديد

وفي يوم الخميس العاشر من جُمادى الأولى سنة 36 هـ شهدت منطقة « الخريبة » من أرض البصرة حشوداً عسكريّة هائلة، وكان جيش الإمام عليّ يضم ثمانين « بدريّاً €» ومئتين وخمسين صحابياً شاركوا في بيعة الرضوان. وتقدّمت عائشة على جَمَل وعن يمينها وشمالها الزبير وابنه عبدالله وطلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص! وقد حاول الإمام عليّ عليه السّلام التوصّل إلى حلّ سِلميّ، وذكّر الزبير بن العوام بحديث لرسول الله. وكاد الزبير أن يتراجع في اللحظات الأخيرة قبل اشتعال المعركة لولا تدخّل ابنه عبدالله الذي اتّهم أباه بالجُبن..
وعرض الإمام مرّة أُخرى التحاكم إلى كتاب الله وحَقْن الدماء، ولكن المتحمّسين للحرب في جيش عائشة أمطروا الشاب الذي حمل القرآن في منطقة القتال بوابل من السهام، فسقط شيهداً كما سقط بعض الجرحى في جيش الإمام.
هناك دعا عليّ عليه السّلام ابنه محمّد بن الحنفيّة وسلّمه راية الجيش العظمى وكانت راية رسول الله، وقال:
ـ يا بُنيّ هذه راية ما رُدَّت قط ولا تُرَدّ.. يا أبا القاسم!
قد حملتُ الراية وأنا اصغر منك..
وكثّف جيشُ الناكثين هجومه بالسهام.. فأصدر الإمام أمره بالهجوم العام.. واشتبك الفريقان في معارك ضارية، وتحوّل الجَمَل في نوبة من نوبات الجنون الوثنيّ إلى عِجل جديد.. إذ دارت حوله أعنف الاشتباكات، وقد كان الهودج مصفّحاً بالحديد. وهتف الإمام وهو يرى عنف المعارك حوله:
ـ اعقُروا الجمل وإلاّ فَنِيَت العرب.
وبسقوط الجمل خفّت حدّة المعارك، وبدأت جبهات الناكثين تتزلزل بشدّة تحت وقع ضربات المحاربين.
وأمر علي ربيبه محمّدَ بن أبي بكر أن يُبادر إلى الهودج ويحمي أخته! وحسم جيش عليّ المعركة في ساعات معدودة.
وفُوجئت عائشة بيدٍ تمتدّ داخل الهودج فصاحت:
ـ من أنت ؟!
ـ أبغضُ أهلك إليك.
ـ ابن الخثعمية ؟!
ـ نعم.. ولم تكن دون أمّهاتك.
ـ لعمري بل هي شريفة.. دع عنك هذا.. الحمد لله الذي سلّمك.
ـ قد كان ذلك ما تكرهين.
ـ يا أخي لو كرهتُه ما قلتُ الذي قلته.
ـ كنت تحبّين الظفر وأنّي قُتلت ؟
ـ كنت أحبّ ذلك فاكفُف.
وجاء الإمام فقرع الهودج بالرمح وقال بلهجة فيها غضب وحزن:
ـ يا حُمَيراء! بهذا أوصاكِ رسول الله ؟!
أجابت عائشة:
ـ يا ابن أبي طالب، مَلَكْتَ فاصْفَح.
فقال الإمام وهو يُطلق آهة حرّى:
ـ والله ما أدري متى أُشفي غيظي ؟
أحين أقدر على الانتقام فيقال لي لو غفرتَ ؟!
أم حين أعجز فيُقال لي لو صبرت ؟
غير أنّ الإمام لا يجد سوى الصبر سلاحاً.. والصبر سلاح الأنبياء:
ـ بلى أصبر، فإنّ لكلّ شيء زكاة، وزكاة القدرة العفو!
والتفت الإمام إلى محمّد بن أبي بكر وقال:
ـ شأُنك بأُختك لا يدنو منها أحد سواك.
لقد أسفرت معارك الجمل الضارية عن سقوط ما يقارب من خمسة وعشرين ألف مقاتل.. ستة آلاف من جيش عليّ عليه السّلام.
وقد لقي طلحة مصرعه خلال احتدام المعارك، وتضاربت الأنباء حول انسحاب الزبير من أرض المعركة، هل كان قبل احتدام المعارك أو بعدها، وفي كلّ الأحوال فقد اغتيل في « وادي السباع »، وكانت دوافع القاتل الأطماع، فقد حمل رأسه وسيفه وجاء يبشّر عليّاً عليه السّلام.. وتناول الإمام سيف الزبير وتمتم أسفاً:
ـ سيفٌ أعرفه.. طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله..
وأردف الإمام مخاطباً « ابن جرموز »:
ـ والله ما كان ابن صفيّة جباناً ولا لئيماً، ولكنّه الحين ومصارع السوء.
قال ابن جُرموز وهو يتطلّع إلى المكافأة:
ـ الجائزة يا أمير المؤمنين ؟
وانبعثت في أعماق الإمام نبوءة قديمة:
ـ أما إنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: بَشِّر قاتلَ ابن صفيّة بالنار.
وأصدر الإمام عليّ عليه السّلام عفواً عاماً إثر توقف العمليات الحربية، ومنع أخذ غنائم الجيش المهزوم سوى ما استُخدم للحرب من أسلحة ووسائط نقل.
وطالب بعضهم الإمام بالسبي فرفض ذلك، فقالوا مستنكرين:
ـ كيف تحلّ لنا دماؤهم وتُحرّم علينا سبيُّهم ؟!
فاجاب الإمام:
ـ كيف تحل لكم ذرّية ضعيفة في دار هجرة الإسلام ؟!
وعندما رأى إصرارهم قال:
ـ فاقرعوا على عائشة إذن.
فهتفوا عندها مستغفرين:
ـ نستغفر الله يا أمير المؤمنين!
لقد كشفت معركة الجمل والحوادث التي تلتها عن مستويات متدنّية من الوعي الديني.. وعمّقت التيارات المتناقضة التي استَشْرَت في فِكر الأمّة وضميرها، ومهّدت الطريق أمام كارثة صِفّين.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:23 AM
حوار مع الأصفر

ودخل الإمامُ بيت المال، ورأى دنان الذهب والفضة.. فقال:
ـ يا صفراءُ غُرّي غيري! وألقى نظرة فاحصة وقال: فرِّقوه خمسمئة خمسمئة. وأخذ الإمام نصيبه أُسوة بجنوده، فجاء رجل وقال:
ـ كنتُ شاهداً بقلبي وإن غاب عنك جسمي.
فأعطاه عليٌّ عليه السّلام نصيبه وانصرف هو صفرَ اليدين حامداً الله إذ لم يحصل على شيء من الفيء..
ولمّا عوتب على التسوية في العطاء قال:
ـ أتأمروني أن اطلب النصرَ بالجَور فيمن وليت عليه ؟! والله لا أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجمَّ في السماء نجماً؛ لو كان المال لي لسوّيتُ بينهم، فكيف وإنّما المال مال الله.
وألقى الإمام نظرة حزن على جثث القتلى، ومرّ بطلحة وهو جثة هامدة، وقد غمر الظلام الاشياء.. فقال بأسى:
ـ لقد أصبح « أبو محمّد » بهذا المكان غريباً! أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب!


مشهد في البصرة

وخلال مكوثه في البصرة.. توجّه الإمام إلى منزل أحد أصحابه وهو العلاء بن زياد الحارثي ليعوده في علّة ألمّت به.. وتأمّل الإمام سعة الدار فقال لصاحبه وهو يحاوره:
ـ ما كنتَ تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج ؟
ويجيب الإمام ليفتح الطريق أمام الأغنياء الصالحين فيقول:
ـ بلى إن شئتَ بلغتَ بها الآخرة: تَقري بها الضيف، وتَصل فيها الرَّحِم، وتُطلع منها الحقوق مطالعها.. فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة.
قال العلاء بصوت واهن وقد وجد له فرصة ليشكو إليه أخاه:
ـ يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصماً.
قال الإمام:
ـ ما له ؟
ـ لَبِس العباءة وتخلّى عن الدنيا.
وانبرى الإمام ليواجه ظاهرة التطرّف في الزهد:
ـ علَيّ به.
لقد حدّد عليّ عليه السّلام موقفه من الغِنى، فياتُرى ماذا سيكون موقفه مع الذين يتركون الدنيا ويديرون وجوههم لها ؟
جاء عاصم أخو العلاء.. كان يرتدي عباءةَ صوف رثّة.
قال الإمام بلهجة فيها عتب خفيف:
ـ يا عُديَّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث..
أما رحمتَ أهلك وولدك!
أترى الله أحلّ لك الطيّبات وهو يكره أن تأخذها ؟
أنت أهون على الله من ذلك.
نظر عاصم إلى ثياب أمير المؤمنين ربّما كانت أكثر رثاثة من ثيابه، فقال:
ـ يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجُشوبة مأكلك.
قال الإمام وهو يبيّن له كيف يكون الحاكم القدوة:
ـ وَيْحَك، إنّي لستُ كأنت.. إنّ الله تعالى فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضَعَفة الناس؛ كلا يتبيّغَ الفقير بفقره.


العاصمة الجديدة

كان الإمام يدرك أن الخطر القادم يكمن في الشام.. حيث يمارس معاوية بن أبي سفيان سياسته المشبوهة في تلويث الأدمغة، وتزوير الحقائق، وتوجيه الرأي العام الجهة التي تخدم مصالحه وتحقّق طموحاته الشخصية. ومن هنا اختار الإمام الكوفة عاصمة جديدة للدولة الإسلاميّة؛ لموقعها الاستراتيجي ووفرة مواردها الاقتصادية.
غادر أمير المؤمنين عليه السّلام مدينة البصرة بعد أن عيّن عليها والياً جديداً هو عبدالله بن عباس، وفي البصرة قال كلمته الخالدة:
ـ أرضكم قريبة من الماء، بعيدة عن السماء!
هي كلمة أثارت التساؤلات لدى سامعيها عقوداً من الزمن.
واتجه الإمام إلى الكوفة فهمس وقد لاحت من بعيد باسقات النخيل:
ـ وَيْحكِ يا كوفان؛ ما أطيب هواءَكِ وأغذى تربتك؛ الخارج منكِ بذنب، والداخل إليك برحمة؛ لا تذهب الأيام والليالي حتّى يجيء إليك كلّ مؤمن، ويُبغِض المقامَ بك كلُّ فاجر، وتعمرين حتّى إنّ الرجل من أهلك ليُبكّر إلى الجمعة فلا يلحقها من بُعد المسافة.. ».
وقد وصل الإمام الكوفة يوم الاثنين الثاني والعشرين من رجب سنة 36 هـ(178).
وعُرض على الإمام أن ينزل في قصر الامارة فرفض قائلاً:
ـ هذا قصر الخَبال.. لا حاجة لي في نزوله.
واتّجه إلى المسجد الأعظم فصلّى فيه ركعتين.. وفي يوم الجمعة ألقى الإمام خطاباً وعظيّاً حذّر فيه المؤمن من الدنيا، جاء فيه:
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله..
احذَروا من الله ما حذّركم من نفسه.. وأشفِقوا من عذاب الله، فإنّه لم يخلقكم عَبَثاً، ولم يترك شيئاً من أمركم سُدى.. قد سمّى آثاركم وعَلِم أسراركم، وأحصى أعمالكم، وكتب آجالكم.. فلا تَغُرّنكم الدنيا فإنّها غَرارة لأهلها، والمغرور مَن اغترّ بها، وإلى فناءٍ ما هي، وإنّ الدار الآخرة هي دار القرار.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:24 AM
إرهاصات الحرب

شهدت دمشق بعد مصرع عثمان بدء الاستعدادات على قدمٍ وساق للقيام بأوسع تمرّد ضد الشرعيّة، وتصاعدت وتيرة النشاط بعد حرب الجمل وما تمخّض عنها من جراح في أعماق الأمّة.
وعرف معاوية من أين ستؤُكل الكتف، فرفع قميص عثمان ليكون أفضل ذريعة لإعلان الحرب على الإمام.
وبدأ معاوية نشاطاً محموماً في تعبئة كلّ ما يُمكن تعبئته ضدّ الإمام عليّ عليه السّلام، وكثّف من مراسلاته للشخصيّات والزعامات في مختلف مناطق الدولة الإسلاميّة.
وفي تلك الفترة تبلورت في ذهن معاوية فكرة التحالف مع عمرو بن العاص ضدّ أمير المؤمنين عليه السّلام.
وكان الإمام عليّ عليه السّلام قد أرسل مبعوثه جرير بن عبدالله البجلي إلى معاوية لأخذ البيعة، واجتمع جرير بمعاوية وسلّمه رسالة الإمام وقد جاء فيها:



بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.
أمّا بعد..
فقد لزمك ومَن قِبَلك من المسلمين بيعتي؛ وأنا بالمدينة وأنتم بالشام.
لأنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمانَ.. فليس للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الأمر في ذلك للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل مسلم، فسمَّوه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم أحدٌ بطعن فيه أو رغبة عنه رُدّ إلى ما خرج منه؛ فإن أبى على أتباعه غير سبيل المؤمنين، ولاّه الله ما تولّى، ويُصْلِه جهنّم وساءت مصيراً.
فادْخُل فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، فإنّ أحب الأمور فيك وفيمن قِبَلك العافية. فإن قَبِلْتَها وإلاّ فائْذَنْ بحرب.
وقد أكثرتَ في قَتَلة عثمان، فادْخُل فيما دخل فيه الناس، ثمّ حاكِم القوم إليّ، أحمِلكَ وإيّاهم على ما في كتاب الله وسُنّة نبيّه..
فأمّا تلك التي تريدها، فإنّما هو خُدعة الصبي عن الرضاع.
كان معاوية يهدف إلى كسب المزيد من الوقت ريثما يصل عمرو بن العاص.
على أن ذلك لم يمنع معاوية من الاحتفاء بجرير وإكرامه ومحاولة كسبه إلى جانبه.
ويبدو أنّ سياسته قد نجحت، فقد تأخّر جرير في عودته من مهمّته.
وفي الكوفة شعر بعضهم بالقلق ازاء ما يجري في الشام، فأشاروا على الإمام بالاستعداد وإعلان الحرب؛ غير أنّ الإمام لم يجد ذلك مناسباً لأنّه سوف يئد كلّ مشروع خيّر.. فقال:
ـ إنّ استعدادي لحرب أهل الشام وجريرٌ عندهم، اغلاق للشام وصرف لأهله عن خير أرادوه؛ ولكن وقّت لجرير وقتاً لا يُقيم بعده إلاّ مخدوعاً أو عاصياً، والرأي عندي مع الأناة

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:25 AM
الحلف الدَّنِس

وصل عمرو بن العاص دمشق ودخل مع معاوية على الفور في مفاوضاتٍ مكشوفة انتهت بتحالفٍ دَنِس.
لقد عرف كلٌّ منهما صاحبه، فمعاوية يحتاج إلى عقل داهية وشخصيّة يمكنها أن تُلبِس الاشياء غير ثوبها الحقيقي، شخصية متلوّنة وُصولية، انتهازيّة لا تعرف شيئاً مقدّساً. وعمرو بن العاص يحتاج هو الآخر إلى مَن يُمكّنه من تحقيق طموحاته وأطماعه، وبكلمة واحدة يصنع له دنياه.
لنتأمّل في جانب من حوار الرجلَين:
قال معاوية:
ـ يا أبا عبدالله، طرقَتتا في هذه الأيام ثلاثة أمور، ليس فيها ورد ولا صدر.
ـ ما هنّ ؟
أمّا أولهن: فإنّ محمد بن حذيفة كسر السجن وهرب إلى مصر فيمن كان معه من أصحابه، وهو من أعدى الناس لنا.
وأمّا الثانية: فإنّ قيصر الروم قد جمع الجنود ليخرج إلينا ليحاربنا على الشام.
وأمّا الثالثة: فإنّ جريراً قدِم رسولاً لعلي بن أبي طالب يدعون إلى البيعة له أو إيذان بحرب.
لنرى الآن اجوبة ابن العاص، ورؤيته في معالجة المشكلات، وكيفية نفوذه لتحقيق غاياته، قال عمرو:
ـ أمّا ابن حذيفة.. فما يغمّك من خروجه من سجنه في أصحابه، فأرسِلْ في طلبه الخيل، فإنَ قدرت عليه فذاك، وإن لم تقدر عليه لم يضرّك.
ـ وأمّا القيصر.. فاكتُب إليه تُعلِمه أنّك تردّ عليه جميع من في يديك من أسرى الروم، وتسأله المصالحة.
ـ وامّا عليّ بن أبي طالب..
سكت عمرو لحظات ليسدّد سهامه فقال:
ـ إنّ المسلمين لا يساوون بينك وبينه..
قال معاوية مقاطعاً:
ـ إنّه مالأ على قتل عثمان، وأظهر الفتنة، وفرّق الجماعة.
وتظاهر عمرو بتأييد تخرصات معاوية وقال:
ـ إنّه وإن كان كذلك.. فليست لك مثل سابقته وقرابته.
وبرقت في عينَي عمرو الأطماع فأردف قائلاً:
ـ ولكن ما لي إن شايعتُك على أمرك حتّى تنال ما تريد ؟
أعطى معاوية صاحبه صكّاً مفتوحاً:
ـ حُكمك.
قال عمرو وقد سال لعابه لمملكة الفراعنة:
ـ اجعَلْ لي مصر طُعمةً ما دامت لك ولاية.
سكت معاوية.. إنّ مفاوضه يريد مصر لُقمة خالصة له لا يشاركه فيها أحد، قال بعد لحظات صمت:
ـ لو شئتُ أن أخدعك خدعتُك.
قال عمرو وقد برقت عيناه كثعلب:
ـ ما مثلي يُخدَع.
ـ أُدنُ مني أُسارَّك.
وأرهف عمرو أذنيه لمعاوية الذي قال:
ـ هذه خدعة، هل ترى في البيت غيري وغيرك ؟!
وأردف:
ـ أما تعلم أنّ مصر مثل العراق ؟
قال عمرو بخبث:
ـ غير أنها إنّما تكون لي إذا كانت لك الدنيا، وإنّما تكون لك إذا غلبتَ علياً.
وفي النهاية تمّت الصفقة، وتأسّس الحلف الدنس بين رجلَين جمعتهما المصالح والأطماع.
وفي جوّ محموم حرّر الطرفان صيفة الاتفاق، وأصبحت مصر شَعباً ومقدّراتٍ وثروات ( طُعمةً ) لعمرو بن العاص بموجب ذلك الاتّفاق.
وبدأ الطرفان منذ ذلك التاريخ التخطيط لمواجهة الخطر القادم من العراق.
ولقد حاول الإمام عليّ إسداء النصح إلى عمرو بن العاص قبل أن ينغمس في دنيا معاوية، فبعث إليه برسالة هذا نصّها:

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله عليّ أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص..
أمّا بعد..
فإنّ الدنيا مَشغلة عن غيرها، صاحبها منهوم فيها، لا يُصيب منها شيئاً إلاّ ازداد عليها حِرصاً، ولم يستَغْنِ بما نال عما لا يبلغ، ومن وراء ذلك فِراقُ ما جمع؛ والسعيد مَن اتعّظ بغيره، فلا تُحبِط عملَك بمجاراة معاوية في باطله، فإنّه سَفِه الحق واختار الباطل... والسلام.
غير أنّ ابن العاص كان قد سقط في حبائل الشيطان ولم يعد يبصر أمامه شيئاً سوى « مصر ».
وهكذا بدأ التحضير لتفجير الصراع مع عليّ وفق خطّة مدروسة بعناية. ومن خلال الحوادث التي رافقت انفجار الاوضاع في صفّين يبرز وجه عمرو بن العاص كعقلٍ مدبّر وسياسيّ ماكر؛ فقد أشار على معاوية بعد عودة مبعوث الإمام إلى الكوفة ألاّ يُعلن نفسه خليفة أبداً، وأن يبذل قُصارى جهده في إشاعة أكبر أُكذوبة في تاريخ الإسلام، وهي مسؤولية عليّ عليه السّلام الكاملة عن مقتل عثمان؛ وأن المطالبة بدمه سوف توحّد الرأي العام في الشام لصالحه.
وقد رتّب معاوية خطّة ماكرة في كسب عليّة القوم في الشام حتّى باتوا أكثر حماساً من معاوية نفسه في مُناوأة أهل العراق ورفض خلافة الإمام عليّ عليه السّلام.
وفي هذا قال عليّ عليه السّلام في إحدى المناسبات: « ألا وإنّ معاوية قادَ لُمّة من الغواة، وعمّس عليهم الخبر حتّى جعلوا نحورهم أغراضَ المنيّة ». وراح ابن العاص يُطلق الأكاذيب تلو الأكاذيب ضدّ عليّ على طريقة كذِّب ثمّ ( كذّب حتّى يصدّقك الناس )؛ حتّى راحت أكاذيبه تُزكم الأُنوف، ووصلت أخبارها العراق.. فقال عليّ عليه السّلام:
ـ عجباً لابن النابغة!! يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دُعابةً وأنّي امرؤٌ تِلعابة!... لقد قال باطلاً.. ونطق آثماً.. أما ـ وشرُّ القول الكذب ـ إنّه ليقول فيكذب، ويَعِد فيُخلِف، ويُسأل فيبخل، ويَسأل فيلحف، ويخون العهد ويقطع الآل...
ويفلسف الإمام منهجه الأخلاقي وسيرة خصمه فيقول:
ـ أمّا والله إنّي ليمنعني من اللعب ذِكرُ الموت، وإنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الآخرة..
ثمّ يفضح تحالفَ عمروٍ مع معاوية قائلاً:
ـ إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط أن يؤتيه، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة.
وهكذا أوجز الإمام عليّ تحالف ابن العاص مع معاوية بعبارة بليغة: أنّها صفقة الدنيا مقابل الدين؛ ولقد باع عمرو بن العاص دينه بدنيا غيره.
وقد لجأ الكثير إلى معاوية.. لا حُبّاً به ولكن كرهاً لعليّ وفراراً من وجه العدالة؛ غير مدركين أنّ العدل هو الأساس الذي ينهض عليه الرخاء والأمن الاجتماعي، « إنّ في العدل سَعَة، ومَن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:26 AM
الطريق إلى صفّين

يشعر المرء وهو يستكشف حوادث تلك الحقبة التاريخيّة من الزمن بعمقِ التغيّرات النفسيّة والتحولات الفكريّة والاجتماعية التي ألمّت بالمجتمع الإسلاميّ والأمة آنذاك، والتي أدّت فيما بعد إلى ظهور تيّارات فكريّة متناقضة، ومن ثَمّ تنامي التيّار « السفياني » إذا صح التعبير واستيلاؤه على مقدّرات الدولة الإسلاميّة، بل وانحرافه بالمسار الحضاري للإسلام منذ كارثة صفين.
يقول الإمام عليّ وهو يقسّم مجتمعه إلى خمسة أصناف ويصف زمانه:
ـ « أيّها الناس.. إنّا قد أصبحنا في دهرٍ عَنود.. وزمان كَنُود.. يُعدّ فيه المُحسن مسيئاً.. ويزداد الظالم فيه عُتوّاً.. ولا ننتفع بما عَلِمنا، ولا نَسأل عمّا جَهِلْنا، ولا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا..
والناس على أربعة أصناف:
منهم: من لا يمنعه الفساد في الأرض إلاّ مهانةُ نفسه وكلالة حَدّه..
ومنهم: المُصلِت لسيفه والمُعلن بِشَرّه والمُجلِب بخيله ورَجلِه..
قد أشرط نفسه، وأوبق دِينه.. لحطامٍ ينتهزه، أو مِقْنَبٍ يقوده.. أو مِنْبر يَفْرعه.. ولبئس المَتْجر أن ترى الدنيا لنفسك ثَمَناً وممّا لك عند الله عِوضاً.
ومنهم: من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا..
قد طامن مِن شخصه وقارب من خَطْوه، وشمّر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتخذّ سِترَ الله ذريعة إلى المعصية.
ومنهم: من أبعده عن طلب المُلْك ضُؤولةُ نفسه، وانقطاع سببه، فقَصَرَته الحال على حاله فتحلّى باسم القناعة، وتزيّن بلباس الزهادة.. ».
وهنا يأتي دور الصنف الخامس وهو الذي يمثّل الضمير المقهور في أعماق الأمّة، فيقول عليه السّلام:
« وبقي رجال غضَّ أبصارَهم ذِكرُ المرجِع، وأراق دموعهم خوفُ المحشر، فهم بين شريد نادٍّ.. وخائف مقموع، وساكت مكعوم، وداعٍ مخلص؛ وثَكلانَ مُوجَع، قد أخملتْهمُ التقيّة وشملتهم الذلّة، فهم في بحر أُجاج، أفواههم ضامزة ( ساكنة ) وقلوبهم قرِحَة، قد وَعظوا حتّى مَلّوا، وقُهروا حتّى ذَلّوا، وقُتِلوا حتّى قلّوا .


طبول الحرب

وصلت المراسلات بين الإمام ومعاوية إلى طريقٍ مسدود.. ودوّت في دمشق طبول الحرب.. ولم يجد الإمام عليّ بدّاً من معالجة الانحراف بالقوّة، وسُمع أمير المؤمنين يقول وقد استنفد كلّ الوسائل السلميّة مع والي الشام الطَّموح:
ـ « ... ولقد ضربتُ أنفَ هذا الأمر وعينه.. وقلّبتُ ظهرَه وبطنه.. فلم أرّ فيه إلاّ القتال أو الكُفر بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وآله... ».
وفي عاصمة الخلافة أعلن الإمام حالة النفير العام.. وتجمّعت الألوف وخرجت طلائع جيش الإمام إلى « النُّخيلة » التي أصبحت منطقة تحشّد عسكرية منذ ذلك التاريخ...
ولنحاول أن نتخيّل الإمام وهو يتقدّم من فرسه وقد وضع رجله في الرِكاب.. فيتذكّر كلمات قالها سيدنا محمّد صلّى الله عليه وآله قبل أكثر من ثلاثين سنة.. رنا الإمام بناظرَيه إلى السماء.. إلى العالم اللانهائي، وردّد ذات الكلمات قائلاً:
ـ « اللهمّ إنّي أعوذ بك من وَعثاء السفر.. وكآبة المنقلب.. وسوء المنظر في الأهل والمال والولد.. اللهمّ أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل.. ».
وهنا يضيف الإمام من بنات أفكاره لتنفتح « الباب » على المدينة، فيقول:
ـ « ولا يجمعهما غيرُك، لأن المُستخلَف لا يكون مستصحَباً، والمستصحَب لا يكون مستخلَفاً ».
فتتوحّد المسيرة التي ابتدأها رسول الله واستأنفها وصيُّه.. إنّها أخلاق محمّد صلّى الله عليه وآله تتألّق في عليّ.. ومعاني رسالته تنبض في مفردات أبدعها موسّس البلاغة في دنيا العرب

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:27 AM
النُّخَيلة

استخلف الإمام عليّ عليه السّلام على الكوفة الصحابيَّ أبا مسعود الأنصاري، واتّجه إلى النُّخيلة، وكان عمّار بن ياسر شيخ المهاجرين قد سبق الإمام إليها؛ ومن النخيلة بعث الإمام إلى ولاته على المدن والاقاليم الإسلاميّة بالقدوم.
وبدأت الحشود العسكريّة تتجمّع من مختلف الأقاليم، وفي طليعة من استجاب لدعوة الإمام مدينة البصرة، حيث لبّى الأحنف بن قيس نداء الإمام.
وفي النخيلة ألقى الإمام خطاباً أوضح فيه خطّته في الزحف باتجاه الشام قائلاً:
ـ الحمد لله كلّما وَقَب ليل وغسق.. والحمد لله كلّما لاح نجم وخفق.. والحمد لله غير مفقود الإنعام؛ ولا مُكافأ الإفضال.
أمّا بعد..
فقد بعثتُ مقدّمتي وأمرتُهم بلزوم هذا الملطاط ( شاطئ الفرات ) حتّى يأتيهم أمري..
وقد رأيت أن أقطع هذه النطفة ( نهر الفرات ) إلى شِرذمة منكم، موطّنين أكناف دجلة، فأُنهضهم معكم إلى عدوكم وأجعلهم من أمداد القوّة لكم.
وانطلقت مقدّمة الجيش تطوي المسافات، وكانت المقدمة تتألّف من 12000 مقاتل في قوّتَين منفصلَتين يقوهما كلّ من زياد بن النضر وشُريح بن هانئ، وزوّدهما بتعليماته الحربية التي يغلب عليها استراتيجيّته في الدفا وتفادي الاصطدام ما أمكن.
قال الإمام عليه السّلام وقد وقف القائدان أمامه باحترام:
ـ ليسِر كلُّ واحد منكم منفرداً عن صاحبه؛ فإن جمعَتْكُما حرب فأنت يا زياد الأمير.. واعْلَما أنّ مقدّمة القوم عيونهم، وعيون المقدّمة طلائعهم. فإيّاكما أن تسأما عن توجيه الطلائع.. ولا تسيرا بالكتائب والقبائل من لَدُن مسيركما إلى نزولكما إلاّ بتعبيّةٍ وحذر، وإذا نزلتما بعدوٍّ أو نزل بكم، فلْيكن معسكركم في أشرف المواضع؛ ليكون ذلك لكم حصناً حصيناً، وإذا غشيكم الليل، فحُفّوا عسكركم بالرماح والترسة، ولْيَليَهم الرماة، وما أقمتم فكذلك فكونوا.. لئلاّ يُصاب منكم غِرّة، واحرُسا عسكرَكما بأنفسكما، ولا تذوقا نوماً إلاّ غراراً ومضمضة، وليكن عندي خبركما، فإنّي ـ ولا شيء إلاّ ما شاء الله ـ حثيث السير في اثركما.. ولا تقاتلا حتّى تُبدأا أو يأتيكما أمري إن شاء الله.. ».
ومرّت ثلاثة أيّام على تحرّك مقدّمة الجيش، وفي اليوم الثالث تحرّك جيش الإمام بكّل فيالقه التي ناهز عدد مقاتليها الثمانين ألفاً... حتّى إذا أطلّت على خرائب مدينة « بابل »، أمر الإمام بالاسراع في اجتيازها قائلاً:
ـ « إنّ هذه مدينة قد خُسف بها مراراً، فحرّكوا خيلكم، وأرخوا أعنّتها حتّى تجوزوا موضع المدينة، لعلّنا نُدرك العصر خارجاً منها ». وفي مدينة « الرقة » عبر الإمام بجيشه نهر الفرات؛ وفي مكان يدعى سور الروم اصطدمت مقدِّمة جيشه بفرسان الشام يقودهم أبو الأعور السلميّ؛ ووصلت أنباء ذلك للإمام عليّ، فأمر قائده الشجاع مالك الأشتر بالإسراع وقيادة المقدّمة.
واشتبك الفريقان إلى الليل...
وفي غمرة الظلام فضّل قائد مقدمة الشام الانسحاب والعودة إلى معاوية، وكانت جيوشه قد بسطت سيطرتها على مصادر المياه في شواطئ الفرات في وادي صفّين الفسيح؛ ويبدو من خلال ما ورد في بعض المصادر التاريخية أنّ المنطقة التي احتلّتها كتائب من جيش معاوية كانت منطقة مشجّرة كثيفة، ما خلا طريق مرصوف بالحجارة يتوسّط تلك المنطقة المليئة بالأوحال؛ ومن هنا فإنّ احتلال ذلك الطريق يعني السيطرة على منابع المياه، وهذا ما فعله جيش معاوية؛ فكشف بذلك عن أخلاقيّة هابطة في مبادئ الحرب؛ عِلماً بأنّ الإمام وحتّى تلك اللحظة لم يُعلن الحرب، وكان يؤكّد على وجود فرصة للتفاهم وحلّ الأزمة بالطرق السِلميّة.
وصلت جيوش الخلافة وادي صفّين فوجدت قوّات معاوية قد احتلّت القرية وسيطرت على الطريق الوحيد الذي يؤدّي إلى ضفاف الفرات

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:27 AM
الظامئون

أرسل الإمام صعصعة بن صوحان ـ وكان صحابيّاً جليل القدر ـ إلى معاوية وحمّله رسالة شفهية قائلاً:
ـ « إيتِ معاوية فقُل له: إنّا سرنا إليكم لنعذر قبل القتال، فإن قبلتم كانت العافية أحبَّ إلينا... وأراك قد حلت بيننا وبين الماء، فإن كان أعجب إليك أن تدع ما جئنا له، ونذر الناس سقتتلون على الماء حتّى يكون الغالب هو الشارب، فَعَلْنا ».
واجتمع معاوية مع أركان حربه للتدارس حول الموضوع، وسيطرت على الاجتماع روحٌ من الحقد الدفين والدناءة والغدر والقسوة.. باستثناء عمرو بن العاص الذي اعتبر خطوة معاوية خطوة حمقاء قائلاً:
ـ أرى أن تُخلّيَ عن الماء؛ فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريّان.
غير أنّ معاوية الذي عُجنت روحه بالأطماع والغدر استجاب إلى آراء تنضح حقداً وانتقاماً.
وأدرك مُوفَد عليّ عليه السّلام أنّ معاوية سوف يشدّد قبضته على النهر.. فعاد إلى الإمام يُخبره.
وتمرّ الساعات بطيئة قلقة... وقد استبدّ بجنود الإمام الظمأ.. وكان على مَن يريد الماء أن يقطع مسافة 12 كم من أجل الحصول على قطرات تطفئ لهيب الأعماق في ذلك الصيف الملتهب.
ومرّت ثلاثون ساعة، وقد لاحت في الأُفق ملامح الكارثة، وفي اللحظات الأولى من الفجر ألقى الإمام في كتيبة مالك الأشتر المؤلّفة من الفرسان كلمات تتألّق بسالة:
ـ قد استطعموكم القتال... فأقِرّوا على مذلّة وتأخير محلّة.. أو رَوُّوا السيوفَ من الدماء تُروَوا من الماء..
ثم دوّت كلماته الخالدة:
ـ فالموتُ في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين!
وشنّ سلاح الفرسان هجوماً صاعقاً ودارت معركة ضارية، وبدأت خطوط العدوّ تتزلزل لعُنف الهجمات، واقتحم المهاجمون شواطئ النهر، وغمست خيول عليّ أقدامها في المياه الباردة


علي.. المجد الأخلاقيّ

أضاف عليّ بن أبي طالب نصراً أخلاقياً كبيراً إلى مجده العسكري.. فأصدر أوامره إلى قوّاته المرابطة في « الشريعة » بالتزوّد بالماء والانسحاب وفتح الطريق أمام جنود الخصم بارتياد النهر.
تلقّى معاوية نبأ هزيمة قوّاته بهلع، فلقد أصبح مصيره وطموحاته على كفّ عفريت؛ فاستدعى على الفور مستشاره ومعاونه عمرو بن العاص وقال له بقلق:
ـ ما ظنُّك بعليّ ؟!
أجاب ابن العاص وهو يدرك تماماً أخلاقيّة الإمام عليّ:
ـ ظنّي أنّه لا يستحلّ منك ما استَحْلَلْتَ منه.. لأنّه أتاك في غير الماء.
وشهدت الطريق المرصوفة بالحجارة « السقّائين » من الفريقين وهم يتّجهون إلى شواطئ الفرات للتزوّد بما يلزمهم من المياه، وقد أحدثت مواقف الإمام الإنسانية أثراً معينّاً في صفوف الشاميين، إذ شهدت ليالي صفين محاولات تسلّل من المواقع الشاميّة إلى معسكر الإمام. وفي كلّ الأحوال.. فالذين اختاروا الدنيا كانوا يتطلّعون إلى معاوية، أمّا الذين أرادوا الآخرة وسَعَوا لها سعيها فكانوا يجدون طريقهم على خطى عليّ عليه السّلام مع التأكيد على وجود المخدوعين وهم الغالبية في جيش معاوية، ووجود الحمقى والأغبياء في جيش الإمام، وكان هؤلاء يمثّلون شريحةً فاعلة لها شأنُها

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:29 AM
تقارير من قلب المعركة

عاد الهدوء المَشوب بالحذر مرّة أخرى إلى أرض صفّين.. ولم تحدث اشتباكات تُذكَر.
وجرت خلال تلك الفترة مراسلات بين الفريقَين لم تُسفر عن نتيجة؛ ومن الطبيعي أن تصطدم المطامع والأهواء بالمبادئ والقيم والدين الحقّ؛ ولهذا لم يجد الإمام حلاًّ مع هذا المتسلّط المتمرّد إلاّ الحرب أو الكفر بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وآله ـ كما عبّر عن ذلك الإمام في مناسبة من الصراع المرير.
وخلال الفترة التي سبقت الأشهُر الحُرُم.. شهد وادي صفّين ما يقرب من ثمانين اشتباكاً محدوداً على مستوى الكتائب، وكان « القُرّاء » في كلّ مرّة يتدخّلون لوقف القتال والبحث عن طريق سلميّ لحلّ الصراع.
انسلخت الأشهر الحُرم، وأطلّ شهر صفر، وتمرّ الأيام، دون أن تلوح في الأفق بوادر للحرب، ويبدو أنّ أصحاب الإمام قد استبطأوا قيادتهم في إصدار الأوامر بالهجوم، وانتشرت شائعات حول شكّ الإمام في مشروعيّة قتال « القاسطين » وقد ردّ الإمام على ذلك بقوله:
ـ أمّا قولكم: أكُلَّ ذلك كراهيةَ الموت ؟ فوالله ما أُبالي دخلتُ إلى الموت أو خرج الموت إليّ، وأمّا قولكم شكّاً في أهل الشام! فوالله ما دفعتُ الحربَ يوماً إلاّ وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي، وتعشوا إلى ضوئي، وذلك أحبُّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها.
وفي الغروب وقف جنديٌّ جهوري الصوت قريباً من معسكر القاسطين وهتف بأعلى صوته ناقلاً إنذار الإمام:
ـ إنّا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحُرُم.. وقد تصرّمت، وإنّا ننبذ اليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين.
وأُعلنت في المعسكرَين حالة التعبئة العامّة، واشتعلت النيران، ايذاناً بخوض حرب شاملة.
وما أن اشرقت شمس اليوم التالي حتّى كان الجيشان يقفان على أُهبة الاستعداد، وقد سيطرت حالة من الوجوم والرهبة. إنّ من يقف فوق الروابي المشرفة على الوادي الفسيح سوف يرى كتائب الجيشَين تصطفّ في شكل خطوط قتاليّة، سيرى في كلّ جيش سبعة خطوط، سيرى خطّين في الجناح الأيمن، وخطّين في الجناح الأيسر، وثلاثة خطوط في القلب.
عيّن الإمام على سلاح الفرسان في جيشه الصحابيَّ الكبير عمّار بن ياسر الذي لم تمنعه شيخوخته من الاشتراك في المعارك بحماس المؤمن المجاهد الذي لا يساوره الشكّ في عدالة قضيته.
وعيّن على المشاة عبدالله بن بديل، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة المرقال.
وفي جيش معاوية كان عمرو بن العاص يقود سلاح الفرسان، أما مسلم بن عقبة الذي اشتُهر في التاريخ بمجرم بن عقبة.. فقد تصدّى لقيادة المشاة.
ولم يحدث اشتباك ذلك اليوم، ثمّ حدث اشتباك محدود في صباح اليوم الذي تلاه.
وخرج في يوم آخر عمّار بن ياسر يقود مجموعة من الفرسان، فتصدّى له عمرو بن العاص وفي يده راية سوداء وصاح:
ـ هذا لواءٌ عقده رسول الله.
فعلّق الإمام قائلاً:
ـ أنا أُخبركم بقصّة هذا اللواء: هذا لواء عقده رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال: مَن يأخذه بحقّه ؟ فقال عمرو: وما حقُّه يا رسول الله ؟ قال: « لا تفرُّ به مِن كافر، ولا تقاتل به مسلماً ».. ولقد فرّ به من الكافرين في حياة رسول الله، وقد قاتل به المسلمين اليوم.
وخرج عبدالله بن بديل ـ وكان من أفاضل أصحاب الإمام ـ يقود مجموعة من فرسان العراق، فانبرى إليه أبو الأعور السلميّ في مثل ذلك من أهل الشام وجرت معارك بين الفريقَين، وفي تلك اللحظات والاشتباكات مستمرة قام عبدالله بحركة جريئة إذ ألهب ظهر حصانه بالسوط وشنّ هجوماً صاعقاً مخترقاً خطوط العدو ولم يتمكّن أحد من اعتراضه.. وكان هدفه اقتحام مقرّ القيادة؛ حتّى إذا وصل قريباً منها تعرّض إلى عشرات الصخور فسقط شهيداً.. ولقد أثار هجومه الجريء إعجاب الجميع بما في ذلك معاوية نفسه، إذ قال وهو يقف متأملاً جثمانه الطاهر:
ـ هذا كبْش القوم.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:29 AM
فروسيّة

عرض الإمام عليّ عليه السّلام على معاوية ـ وقد آلمه سقوط القتلى من الفريقين ـ قائلاً: لِمَ نقتُل الناس بيني وبينك ؟ ابرز إليّ.. فأيّنا قتل صاحبه تولّى الأمر.
واستشار معاوية ابن العاص:
ـ ما ترى ؟
قال ابن العاص بخبث:
ـ قد أنصفك الرجل.
فقال معاوية بحقد:
ـ أتخدعني عن نفسي، ولِمَ أبرز إليه ودوني « عكّ والأشعرون ».
لقد كان معاوية يدرك تماماً بأنّ مواجهة عليّ عليه السّلام تعني مواجهة الموت الأحمر المحتوم.
ويبدو أن معاوية قد أزعجه موقف ابن العاص وشكّك في نواياه تجاهه، ولم يجد عمرو بدّاً ومن أجل إعادة المياه إلى مجاريها من أن يقول لمعاوية بعد أيام من البرود في العلاقات:
ـ سأخرج إلى عليّ غداً.
كان عمرو قد أعدّ عُدّته، وكان يعرف نقطة في خصمه العظيم. إنّها تكمن في مجده الأخلاقي الذي يستمدّه من معلّمه الأول.. وبرز عمرو بن العاص متحدّياً علياً:
ـ يا أبا الحسن، أُخرُج إليّ أنا عمرو بن العاص..
وخرج بطل الإسلام، وقد تألّق ذو الفقار في قبضة الفارس الذي لا يُهزَم؛ وما أسرع أن زجّ ابن العاص بسلاحه السرّي! فكشف عن عورته وأظهر سوأته، ونجا من الموت المحقَّق!
وفرّ عمرو مذعوراً، وربّما مسروراً.
وتلقّى معاوية قائد فرسانه! بلهجة فيها تهكّم وسخرية قائلاً:
ـ إحمَدِ اللهَ وسوداءَ إستك يا عمرو!!.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:30 AM
بدء الحرب الشاملة

تصاعدت حِدّة المعارك بين الفريقَين، وسرى شعور بالرهبة بعد أن أُشيع عن نيّة الإمام في بدء الهجوم العام، فقد خطب عشيّة الهجوم قائلاً:
ـ ألا إنّكم ملاقو القوم غداً بجميع الناس، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثِروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر والعفو، والقوهم بالجدّ.. ».
وفي الجانب الآخر ضاعف معاوية رواتب قبائل عكّ والأشعرين التي أقسمت على الصمود حتّى النفس الأخير.
أدّى الإمام صلاة الفجر في لحظاته الأولى وقام بجولة لاستطلاع كتائب العدو، وأجرى تغييرات في صفوف قوّاته. ولأوّل مرّة منذ اندلاع المعارك قاد الإمام سلاح الفرسان المؤلَّف من اثني عشر ألف مقاتل في هجومٍ مدمّر، ودوّت في الفضاء هتافات: أللهُ أكبر.. وارتجّت الأرض تحت أقدام المحاربين.. وكانت خطّة الهجوم تقضي بالاندفاع الكاسح حتّى مركز القيادة، وقد تمكّن المهاجمون من تمزيق صفوف العدوّ، حتّى أن معاوية أمر بتجهيز فَرَسه للفرار بعد أن جرت الاشتباكات قريباً منه.
واستمرّت المعارك حتّى الليل، وقد أسفرت الاشتباكات العنيفة عن سقوط عشرات القتلى والجرحى؛ وفي طليعتهم الصحابيّ البطل عمار بن ياسر.
وفي صباح اليوم التالي استمر وقف القتال؛ لانتشال جثث القتلى ومواراتهم الثرى.
وفي عشية ذلك اليوم خطب الإمام أيضاً حاثّاً قوّاته على الاستبسال:
ـ أيّها الناس، اغدُوا على مصافّكم، وازحفوا إلى عدوّكم، غُضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقِلّوا الكلام، واثبتوا، واذكُروا الله كثيراً، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب رِيحُكم واصبِروا إنّ الله مع الصابرين.
وفي اليوم التالي اشتبكت الفيالق في ملحمةٍ عظيمة، واندفع الجناح الأيسر في جيش الشام في هجوم عنيف لم يصمد له الجناح الأيمن في جيش الإمام، فأمر الإمام أحد قادته بإسناد الجناح الأيمن، ودارت معارك رهيبة، وكلّف الإمام قائده الشجاع الأشتر بإعادة قطعاته إلى مواقعها، فنجح في مهمته بعد أن قاد هجوماً جريئاً أجبر فيه العدوّ على التراجع.
كان الوقت أصيلاً عندما هدأت حدّة القتال.. وجاء الإمام فأنّب قوّاته في الجناح الأيمن على تقهقرهم في بدء المعركة، وأشاد باستعادتهم زمام المبادرة:
ـ وقد رأيتُ جَولتكم، وانحيازكم عن صفوفكم، تحوزكم الجُفاة الطغام وأعراب أهل الشام، وأنتم لَهاميم العرب، ويآفيخ الشرف، والأنف المقدَّم، والسِنام الأعظم، ولقد شفى وحاوحَ صدري أن رأيتُكم بأَخَرَة تحوزونهم كما حازوكم، وتُزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسّاً بالنصال، وشَجراً بالرماح، تركب أُولاهم أُخراهم كالإبل الهيم المطرودة تُرمى عن حياضها وتُذادُ عن مواردها!.
واشتعلت المعركة مرّة أُخرى، وعندما كانت الشمس تجنح للمغيب قاد الإمام بنفسه قوّاته في هجومٍ كاسح، وكان هدفه احتلال مركز قيادة العدو، كان معاوية يراقب المعركة بذُعر وهو يرى تقدّم المهاجمين، فاستشار عَمرَو بن العاص قائلاً:
ـ ما ترى ؟
أجاب ابن العاص:
ـ أرى أن تُخلي سرادقك.
وانسحب معاوية إلى مكان أكثر أمناً.
وما هي إلاّ لحظات حتّى وصل الإمام ومعه قوّاته فأطبقوا على مركز القيادة وحوّلوه إلى أنقاض، وغمر الأرضَ الظلام.. فتوقّفت المعارك.
وجيء إلى الإمام بأحد الأسرى، فقال الأسير متضرّعاً:
ـ لا تقتلني صَبراً.
فقال الإمام:
ـ لا أقتلك صبراً، إني أخاف الله رب العالمين.
وأردف وهو يحاول إضاءة قنديلٍ في قلب أسيره:
ـ خَلّوا سبيله...
وانطلق الأسير وقد هزّته المفاجأة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:30 AM
الموت من أجل الخلود

اشتعلت المعارك مرّة أخرى، وكانت كفّة النصر تميل إلى جانب الحق
، وشوهد الإمام وهو يقاتل ببسالة، وكانت أقوى ضرباته بعد مصرع عمار بن ياسر.
وهتف الإمام: مَن يُبايعني على الموت ؟
فتقدّم العشرات يبايعون الإمام على الموت الأحمر من أجل خلودٍ أخضر، حتّى وصل عددهم تسعاً وتسعين..
فقال الإمام وهو يترقب تحقّق نُبوءة ابن عمّه العظيم:
ـ أين تمام المئة ؟ أين الذي وُعِدتُ به ؟
وجاء رجل عليه أطمارُ صوف.. كان محلوقَ الرأس لَكأنّه عاد توّاً من حجّ البيت العتيق.. تقدّم فبايع الإمام على الموت قتلاً..
فسأله الإمام عن هويّته، فأجاب: أنا أُوَيس القرَنَي.


الليلة الطويلة

وصلت الحرب إلى أخطر منعطفاتها، وألقى الإمام خطاباً يزخر حماسة وإيماناً جاء فيه:
ـ معاشر المسلمين، استشعِروا الخشية.. وتَجلبَبوا السَّكينة، وعُضّوا على النواجذ، فإنّه أنبى للسيوف عن الهام.. وأكملوا اللأمة.. وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سَلها... واعْلَموا أنّكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله؛ فعاودوا الكَرّ، واستَحْيوا من الفرّ، فإنّه عارٌ في الأعقاب، ونارٌ يوم الحساب.. وطِيبوا عن أنفُسكم نَفْساً، وامشوا إلى الموت مَشياً سُجُجاً..
ومرّة أخرى أكّد الإمام هدف الهجوم القادم:
ـ وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرواق المطنّب؛ فاضرِبوا ثَبَجَهُ، فإنّ الشيطان كامن في كِسْره، وقد قَدّم للوثبة يداً وأخّر للنُّكوص رِجلاً، فحمداً حمداً! حتّى ينجلي لكم عمود الحقّ ((وأنتمُ الأعلَوْن واللهُ معكم ولن يَتِرَكُم أعمالَكم)) .
وفي غَبَش الفجر بدأ الهجوم الشامل، وتزلزلت خطوط الدفاع في جيوش الشام، وكان الإمام قد خرج في أجمل منظر.. فقد ركب فرساً للنبيّ يُسمّى « الريح »، وقدّم بين يديه بغلة النبيّ « الشهباء »، وارتدى عِمامة رسول الله، وتوهّجت في أذهان المؤمنين ذكريات مضيئة لرسول السماء. وها هو عليّ يقودهم في ذات الطريق التي سار عليها نبيُّهم العظيم.
واستبدّ بمعاوية الهَلَع وهو يرى تقهقرَ قوّاته تحت ضربات المهاجمين، وأمسك بزِمام فرسه وقد قفز قلبه إلى حُنجرته وراح يدقّ بعنف كطبل مجنون..
ولم تُفلح أوامر معاوية ولا صيحاته بعمرو أن يقدّم قبائل « عك الأشعرين » في تغيير الموقف.
واستمرت المعارك ستّاً وثلاثين ساعة لا يُسمَع فيها سوى « الهرير »، وبين الفَيْنة والأخرى كانت تدوّي هتافات عليّ: الله أكبر. حتّى بلغت أكثرَ من خمسمئة.
ولم تُفلح مساعي معاوية في وقف القتال وتوقيع هدنة مؤّقتة..
وإلى جانب معاوية وقف الرجل الذي باع آخرته بدنيا غيره.. كان يفكّر فقُتِل كيف فَكّر، ثمّ قُتِل كيف فكّر..
التفت معاوية إلى صاحبه وقد استبدَّ به يأس قاتل:
ـ ما ترى ؟.. فإنّما هو يومُنا هذا وليلتنا هذه!
وهنا نفث الشيطان فقال وهو يعرف كيف يطعن في الخاصرة:
ـ إنّي أعددتُ حيلةً ادّخرتُها لمِثل هذا اليوم.
قال معاوية متلهفاً:
ـ ما هي ؟!
ـ تدعوهم إلى كتاب الله حَكَماً بينك وبينهم..
وأضاف بمكر:
ـ فإن قبلوه اختلفوا، وإن ردّوه تفرّقوا.
واتّسعت عينا معاوية دهشة وأصبَحَتا أكثر جُحوظاً.
وعلى وجه السرعة جُمعت المصاحف في واحدة من أكبر المهازل في التاريخ..
وظهر مصحف دمشق الأعظم تحمله خمسة رماح طويلة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:31 AM
مهزلة التحكيم

كان لظهور المصاحف على الرماح الأثر البالغ في شلّ العمليات الحربية، وبدأت كلمات الاستنكار تشقّ طريقها ترشق الذين يريدون للحرب أن تستمرّ، وما أسرع أن ظهر تيّارٌ عنيف يدعو إلى وقف القتال فوراً، وحدث انشقاقٌ خطير في صفوف جيش الخلافة، ما لبث أن تحوّل إلى كُتلة عسكرية تهدّد وتتوعد القيادة العليا.
وبذل الإمام قُصارى جهده في توضيح خفايا « اللعبة » قائلاً:
ـ عباد الله! امضُوا على حقّكم وصِدقكم في قتال عدوكم، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي مُعَيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحّاك بن قيس.. ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن..
أنا أعرَفُ بهم منكم.. قد صحبتُهم أطفالاً، وصحبتهم رِجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رِجال..
وَيْحَكم! إنّهم ما رفعوها لكم إلاّ خدعة ومكيدة! ».
غير أنّ الذين لا يُدركون من الأمور إلاّ مظاهرها الفارغة قد جعلوا أصابعهم في آذانهم وأصمّوا أسماعهم، وازدادوا عُنفاً وشَراسة، فأحدقوا بالإمام وقد برق الشرّ في عيونهم.
وقد حدث تماسك مدهش في صفوف أهل الشام اثر ارتفاع ذلك الشِّعار البرّاق... في مقابل تمزّق مريع في جيش الإمام.
كان الجناح الأيمن بقيادة مالك الأشتر ما يزال يقاتل بضراوة ويتقدّم نحو إحراز النصر النهائي في خُطى واسعة، ولكنّ التصدّع كان قد عمّ جبهة الإمام ممّا أنذر بوقوع انهيارٍ عام؛ ومن تلك اللحظات المثيرة بدأت مأساة الإسلام وانهيار الحضارة.
وازدادت الأمور سوءً بعد أن أصبح الإمام وسط تلك الطُغمة من الحمقى، وبات على القائد الأعلى للقوّات المسلحة أن يستجيب إلى مواقفهم، وها هو الإمام يتعجّب من ذلك فيقول:
ـ لقد أصبحت الأُمم تخاف ظُلمَ رُعاتها؛ وأصبحتُ أخاف ظلم رعيتي!
ومن تلك اللحظة شعر الإمام بأنّ الباطل سوف يكسب الجولة إلى حين:
ـ أما والذي نفسي بيده: ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنّهم أولى بالحق منكم، ولكنْ لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائِكم عن حقّي.. ».
وأخد تيّار التمرّد يتصاعد بشكل مخيف ليُنذر بوقوع كارثة بعد أن أُطلقت تهديدات بقتل الإمام إذا لم يُصدر أوامره إلى الأشتر بوقف العمليّات الحربيّة والانسحاب فوراً.
وهكذا توقّفت المعارك في صفّين.. ونشطت الوفود للإعداد من أجل توقيع وثيقة التحكيم

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:31 AM
التاريخ يُعيد نفسه

يعيد التاريخ نفسه أحياناً، فتظهر الحوادث وكأنّها قد انبعثت من جديد، حتّى في بعض التفاصيل.. لقد وضعت الحرب أوزارها في صِفّين، وبدأ الإعداد لتوقيع وثيقة سلامٍ بين الفريقَين المتصارعَين؛ وهنا يُطلّ التاريخ ليُعيد ذكريات صلح قديم بين الإسلام والوثنيّة، في وادي الحُديبية قريباً من مكّة المكرّمة.
فيومئذ أرسل أبو سفيان سُهيل بن عمرو ممثّلاً للوثنية لتوقيع معاهدة سلام مع النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ واليوم بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص ممثّلاً للقاسطين لتوقيع هُدنة مع وصيّ النبيّ وأوّل من أسلم من الرجال.
جاء عمرو ودخل خيمة الإمام، وبدأ الكاتب في تحرير وثيقة التحكيم فكتب:



بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.
وهنا تدخّل عمرو بن العاص معترضاً على الكاتب:
ـ هو أميرُكم.. أمّا أميرنا فلا.. بل اكتُب اسمه واسم ابيه.
وتردّد الوفد العراقي وأُصيب بما يشبه اللوعة. قال الأحنف بن قيس: لا تمحوا أمير المؤمنين.. يا أمير المؤمنين.
فقال عليّ عليه السّلام: الله أكبر، سُنّةً بسُنّة رسول الله.. واللهِ إنّي لكاتب رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم الحديبية. فكتب محمّد رسول الله، فقالوا: لستَ برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم ابيك. فأمرني رسول الله أن أمحوها فقلتُ: لا أستطيع، فمحاها بيده.. ثمّ قال لي: إنّك ستُدعى إلى مثلها فتُجيب.
وتناول الإمام وثيقة التحكيم ومحا عبارة أمير المؤمنين منها..
فقال عمرو بخبث:
ـ سُبحان الله! أتُشبّهُنا بالكفّار ونحن مؤمنون!.
فقال عليّ بغضب:
ـ يا ابن النابغة! ومتى لم تكن للفاسقين وليّاً وللمؤمنين عدوّاً ؟!
فنهض ابن العاص منزعجاً:
ـ واللهِ لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم.
أجاب الإمام:
ـ إنّي لأرجو أن يطهّر الله مجلسي منك ومن أشباهك.
وهكذا حُرّرت وثيقة التحكيم.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:32 AM
ربعاء 13 صفر سنة 38 هـ.. مصرع حضارة

هل كان الأشعث يمثّل نفسيّة مجتمعٍ لم يعد يستسيغ عدل عليّ صلوات الله عليه لكي يظهر بكلّ هذه القوّة فيقف في وجه عليّ ؟
هل كان الأشعث يمثل إرادة أُمّةٍ أخلدت إلى الأرض وكانت تنظر إلى السماء فإذا بها تجعل من معاوية نِدّاً لعليّ ؟ ها هو عليّ يجلس في خيمته ليوقع وثيقة التحكيم:



بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.. قاضي عليّ على أهل العراق ومَن معهم وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم..
إنّنا ننزل عند حُكم الله وكتابه.. فنُحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحَكَمان في كتاب الله ـ وهما أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس، وعمرو بن العاص ـ عَمِلا به، وما لم يجدا في كتاب الله فالسُنّة العادلة.
وأخذ الحكمان من عليّ ومعاوية ومن الجندَين المواثيق أنّهما أمينان على أنفسهما وأهلهما، والأمّة أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وأجّلا القضاء إلى شهر رمضان من هذه السنة، وإن أحبّا أن يُؤخّراه أخّراه.


كُتب في يوم الأربعاء 13 صفر سنة 38 هـ

وبعد توقيع الوثيقة انسحبت الجيوش، وعاد عليّ إلى الكوفة، ورفضت بعض الفصائل دخول الكوفة و « خرجت » عن طاعة الإمام.
ومنذ تلك اللحظة وعليّ يتلقّى الطعنات المسمومة.. فيتأوّه وحيداً.



الكارثة

اجتمع الحكمان في « دومة الجندل » التي اختيرت جغرافياً كمكان وسط بين « العراق والشام » بين عليّ ومعاوية، فاختارها « التاريخ » ليمسك بالحضارة الإسلاميّة ويقذفها باتجاه المأساة.
فما بين « صفّين » و « دومة الجندل » انفجرت كلُّ أسباب النكبة في حضارة الإسلام، وظهرت للعيان دمامل الجسد الإسلاميّ بعد أن ظلّت مستورة مدّة ربع قرن أو تزيد.
سوف لا نواكب مسار المفاوضات بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، لأنّ أيَّ تأملٍ عابر في شخصيّة الرجلَين سوف يكشف بوضوح تامّ ما أسفرت عنه المباحات التي لعبت فيها الأهواء والمطامع الدور الأول والأخير في تحديد النتيجة.
لقد أُجبر الإمام على انتخاب الأشعريّ كممثّل له، كما أُجبر من قَبْلُ على وقف القتال والحقُّ على أبواب النصر الساحق؛ ومراجعة بسيطة لتاريخ الأشعريّ تكشف عن مدى الحقد الذي يُكنّه هذا الرجل للإمام.
إنّ أحداثاً كبرى ووقائع مزلزلة وملابسات لا حدّ لها.. هي التي أدّت إلى وقف القتال وبدء سلسلة من المآسي انتهت بمصرع الإمام علي عليه السّلام على ذلك النحو المؤسف، وإلى تنازل الإمام الحسن عن الحكم ومن ثَمّ استيلاء معاوية على دفّة الأمور في الدولة الإسلاميّة.
وإذا كان الأشعث قد تصدّر الأحداث في تلك الحقبة من الزمن، ولعب دوراً في تصدّع جبهة قوّات الإمام وإحداث انهيار في الأوضاع لصالح معاوية، فإنّ ذلك لا يدلّ على قابليّات ذاتيّة بقدْر ما يدلّ على مُجمل التغيّرات النفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة التي طبعت عصر الإمام

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:33 AM
رياح الزمهرير

شهدت دُومةُ الجَندَل بدءَ المباحثات السرّية بين عقليّتَين: ماكرة وغبيّة، تتحرّكان في اطار دُنيويّ رخيص، وقد وضح منذ البداية أنّهما وضعا كتاب الله فوق الرفّ. فممثّل أهل الشام يتحرّك باتجاه مصر، يريد ابتلاعها كجزء من الأسلاب؛ وأبو موسى كان يتحرّك باتّجاه صهره على ابنته ليكون « خليفة للمسلمين »، وهكذا اجتمعت الإرادتان على إقصاء عليّ، كما أُقصي عن حقه من قبل.
لم يواجه عمرو بن العاص داهية العرب أيّة صعوبة في احتواء عقليّة أبي موسى الفارغة، وقيادته باتّجاه النقطة التي يريد. لقد أدرك ابنُ العاص كيف يتغلغل في أعماق صاحبه ويأخذ بناصيته. وبدأ سير المحادثات كما وصفها أحد المؤرخين:
عمرو بن العاص يتفنّن في إبراز الإجلال لابي موسى فيقول:
ـ صحبتَ رسول الله قبلي، وأنت أكبر سنّاً مني..
قال الأشعري وهو يدخل في صُلب الموضوع:
ـ يا عمرو! هل لك فيما فيه صلاح الأمّة ورضى الله ؟
ـ ما هو ؟
ـ نولّي عبدالله بن عمر، فإنّه لم يُدخِل نفسه في شيء من هذه الحروب.
قال عمرو بخبث:
ـ أين أنت من معاوية ؟
ـ ما معاوية موضعاً لها، ولا يستحقّها بشيءٍ من الأمور.
ـ ألستَ تعلم أن عثمان قُتِل مظلوماً ؟
ـ بلى.
ـ فإنّ معاوية وليّ عثمان، وبيته بَعْدُ في قريش ما قد علمتَ، فإن قال الناس: لمَ ولّي الأمر وليست له سابقة ؟ فإنّ لك في ذلك عذراً تقول: إنّي وجدته وليَّ عثمان والله تعالى يقول: ((ومَن قُتِل مظلوماً فقد جَعَلْنا لوليّه سُلطاناً )) .. وهو مع هذا أخو أمّ حبيبة زوج النبيّ.. وهو أحد أصحابه..
أجاب أبو موسى:
ـ اتّق الله يا عمرو.. أمّا ما ذكرتَ من شرف معاوية، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة، فكان أحقّ الناس بها أبرهة بن الصباح؛ فإنّه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها.. ثمّ أيّ شرف لمعاوية مع عليّ بن أبي طالب ؟! وأمّا قولك أنّ معاوية وليّ عثمان فأولى منه ابنه عمرو ( ابن عثمان )، ولكن إن طاوعتَني أحيَيْنا سنّة عمر بن الخطاب وذِكره بتوليتنا ابنه عبدالله الحَبر..
وهنا ينبري ابن العاص ليدفعه بالاتّجاه البعيد:
ـ فما يمنعك من ابني عبدالله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته ؟
ـ إنّ ابنك رجلُ صِدق، ولكنّك قد غَمستَه في هذه الحروب غمساً.. هلمّ نجعلها للطيّب بن الطيّب عبدالله بن عمر.
ـ يا أبا موسى، إنّه لا يصلح لهذا الأمر إلاّ رجلٌ له ضرسان.. يأكل بأحدهما ويطعم بالآخر.
ـ ويحك يا عمرو! إنّ المسلمين قد أسندوا إلينا أمراً بعد أن تقارعوا بالسيوف وتشاكّوا بالرماح، فلا نردّهم في فتنة.
وتظاهر عمرو بن العاص بأنّه يبحث عن حلّ:
ـ فما ترى ؟
قال الأشعري:
ـ أرى أن نخلع هذين الرجلَين عليّاً ومعاوية، ثمّ نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من أحبّوا.
وكاد عمرو أن يصفّق فرحاً، فتظاهر بصمت المغلوب:
ـ رضيتُ بذلك.. وهو الرأي الذي فيه صلاح الناس.
وبالرغم من كلّ التحذيرات حول مكر ابن العاص وغدره، ولكنّ الأشعري كان قد أصمّ أُذنيه عن سماع أيّة نصيحة.
وفي يوم شتائيّ والريح تعوي في الصحراء، تقدّم الأشعري ليرقى المنبر ويُعلن ما اتّفق عليه الحكمان؛ إنّ اللحظة التي ارتقى فيها الأشعري المنبر ليخلع عليّاً هي لحظة رهيبة، عوت فيها ريح الشتاء، وقد انقضّ قابيل على أخيه، ودلّ الاسخريوطي فيها على ابن مريم.
وفرّ أبو موسى إلى مكّة يحمل معه عار الأبد وسبّة الدهر؛ وعاد عمرو بن العاص إلى دمشق ليسلّم على « صاحبه » بالخلافة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:33 AM
غارات الشتاء

ومن تلك اللحظة بدأت حالة التداعي لأُمّة فقدت صوابها، فهي تتخبّط في طريق الهاوية. ولم يتمكّن الإمام من وقف حالة التداعي التي عصفت بالامّة بعد أن فقدت وعيها وبصيرتها؛ لنُصغي إلى ما يقوله الإمام عليه السّلام في ذلك المقطع التاريخيّ المهمّ:
ـ كم أُداريكم كما تُدارى البِكارُ العمدة، والثياب المُتداعية، كلّما حِيصت من جانبٍ تهتّكت من آخر.. الذليلُ واللهِ من نصرتموه.
والإمام يدرك الطريق الذي يُصلح هذا القطيع، ولكن:
ـ وإنّي لعالمٌ بما يُصلحكم ويُقيم أَوْدكم.. ولكن لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي


موقف الإمام

تلقّى الإمام بحزن مريرٍ أنباء « دُومة الجَندل »، وهنا يقف أمير المؤمنين موقف التسليم الكامل لإرادة الله، فالحياة رحلة إلى الله:
ـ الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليلٍ.. وأشهد أن لا إله إلاّ الله لا شريك له ليس معه إله غيره.. وأنّ محمّداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وآله.
أمّا بعد..
فإنّ معصية الناصح الشفيق العالم المجرّب تُورِث الحسرة وتُعقِب الندامة..
وقد كنتُ أمرتُكم في هذه الحكومة أمري..
ونخلت لكم مخزون رأيي؛ لو كان يُطاع لقصير أمر؛ فأبيتُم علَيَّ إباء المخالفين الجُفاة، والمنابذين العُصاة. حتّى ارتاب الناصح بنصحه، وضنَّ الزند بقدحه، فكنتُ وإيّاكم كما قال أخو هوازن:

أمرتُكُـمُ أمري بمُنعـرَجِ اللِّـوى @ فلم تستبينوا النُّصحَ إلاّ ضُحى الغدِ


الخوارج

لقد استيقظ الخوارج ولكن في ضُحى الغد، وكانت يقظتهم عنيفةً مجنونة مدمّرة، وانطلقت صيحاتهم تهزّ دنيا الإسلام تريد اجتثاث شجرته من الجذور:
ـ لا حُكم إلاّ لله!!
وبدأت العاصفة تزمجر لتُطيح بالصرح الإسلاميّ بأسْره، وانبرى الإمام ليفقأ عين الفتنة، ويوقف حالة التداعي، ويفضح شعارهم الذي تحوّل إلى وَثَن تُذبح عنده الضحايا؛ قال الإمام عليه السّلام:
ـ كلمةُ حقٍّ يُراد بها باطل! نَعَم إنّه لا حُكم إلاّ لله، ولكنّ هؤلاء يقولون: لا إمرة إلاّ لله، وإنّه لابُدّ للناس من أميرٍ بَرٍّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمنُ، ويستمتع فيها الكافر، ويُبلِّغ اللهُ فيها الأجل، ويُجمَع به الفَيء، ويُقاتَل به العدوّ، وتأمَنُ به السبل، ويُؤخّذ به للضعيف من القويّ، حتّى يستريح بَرّ، ويُستراح من فاجر

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:34 AM
العودة إلى صفّين

أدان الإمام موقف الحكمَين، واعتبر ذلك منافياً للإسلام، وبدأ يتأهّب للعودة إلى صفين حيث انفجر الصراع من قبل.
وفيما كان الإمام يُعبّئ قوّاته لاستئناف الحرب بدأ الخوارج تحرّكهم، وتعدّوا نطاق التنديد بالتحكيم والخلافة ونظريّة القيادة وانتقلوا إلى دائرة التخريب، وأعلنوا حرباً شعواء على كلّ من لا يُوافقهم آراءهم، وبدأوا يشكّلون خطراً داهماً لا يقلّ عن خطر العدوّ المتربّص في دمشق.
وكان من رأي الإمام تأجيل مشكلة الخوارج إلى ما بعد تصفية الحساب مع معاوية، ولكنّ الأنباء المثيرة التي وصلت حول الفظائع التي ينفّذها الخوارج غيّرت من مسار الأحداث إلى نقطة انهيار دامية، ومرّة أخرى حاول الإمام أن يتفادى الاصطدام بهم، وأرسل إليهم يدعوهم للالتحاق لمحاربة العدوّ المشترك.
ووصل الحوار معهم إلى طريق مسدود، وكان لابدّ من مواجهتهم بعد أن استباحوا أمن المجتمع الإسلاميّ، وهكذا غيرت الجيوش طريقها باتجاه النهروان حيث عسكر الخوراج.
وحاورهم الإمام بنفسه وتمكّن من اقناع قطاع كبير منهم أعلن توبته وعودته إلى دائرة الشرعيّة، فيما أصرّ أربعة آلاف منهم على القتال.
ووقف الإمام يوجّه لهم انذاره النهائي:
ـ فأنا نذيرٌ لكم أن تُصبحوا سرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط، على غير بيّنةٍ من ربكم، ولا سُلطانٍ مُبين معكم: قد طوّحَتْ بكم الدارُ، واحتَبَلَكُم المِقدارُ، وقد كنتُ نهيتُكم عن هذه الحُكومة فأَبَيْتُم علَيَّ إباءَ المُنابِذين، حتّى صرفتُ رأيي إلى هواكم؛ وأنتم مَعاشِرُ أخفّاءُ الهام، سُفَهاء الأحلام.
واشتعلت المعركة عند جسر « النَّهْرَوان » وكانت النتيجة مذهلة، فقد أُبيد المارقون إلاّ تسعة نفر فرّوا من ساحة المعركة، ولم يُستشهَد من جيش الإمام سوى تسعة نفر.
وعندما قال أحدهم:
ـ يا أمير المؤمنين، هلك القوم بأجمعهم!
أجاب الإمام وهو ينظر إلى المدى البعيد:
ـ كلاّ.. واللهِ إنّهم نُطَف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلّما نَجَمَ منهم قَرنٌ قُطِع، حتّى يكون آخرُهم لُصوصاً سَلاّبين.
وبالرغم من تكفيرهم للإمام فإنّه أوصى الأمّة بعدم قتالهم بعده مشيراً إلى مصدر الخطر الداهم:
ـ لا تُقاتلوا الخوارج بعدي، فليس مَن طلب الحقَّ فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه.
كان الإمام يتحرّك في ضوء النور المنبعث من أعماق السماء، النور الذي أضاء فوق جبل حِراء، ولم يكن لَيَأْبه إلى ما يعدّه المنجّمون من خرائط للسماء، فَلْتقترن الكواكب كيف تشاء، ولْينكفئ الميزان، ولتنقدح الأبراج بالنيران، فطريق عليّ هو طريق الإسلام وطريق الرسالة.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:35 AM
غارات الزمهرير

ذرّ الشيطان قرنَيه فراح يعربد ويدمّر.. ها هي عواصف الزمهرير تهبّ من جهة الشام حيث جثم القاسطون على أرض الإسلام؛ لقد أخلد الذين آمنوا إلى الأرض، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً.
ومن هنا بدأت تأوّهات الإمام وهو يعيش في زمن جائر.
بدأت غارات الزمهرير، والإمام يقاوم العواصف وحيداً، لقد أخلدت الأمّة إلى الأرض، وها هي الحضارة تتجه نحو الهاوية كشمسٍ تجنح للمغيب في يومٍ شتائي.
سقطت مصر في قبضة ابن العاص، وقد أنشب معاوية مخالبه في أهلها وثرائها.
وهكذا توالت الغارات، تعصف بالمدن والحواضر الإسلاميّة كريحٍ مجنونة منذ أن حكم الحَكَمان بما خالف كتاب الله وسنّة رسوله.
لنُصغي إلى الإمام عليّ عليه السّلام وهو يشهد تلك الجرائم فلا يجد له ناصراً.. ها هو يواجه الأمة وقد دكّت خيولُ الغارات الأنبار وهيت:
ـ ألا وأنّي دَعَوتُكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسرّاً وإعلاناً، وقلتُ لكم: اغزُوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قوم في عقر دارهم إلاّ ذلّوا.. فتواكلتم وتخاذلتم حتّى شُنّت عليكم الغارات، ومُلكت عليكم الأوطان.
وهذا أخو غامد وقد وردتْ خيلُه الانبار، وقد قَتَل حسان بن حسان البكري، وأزال خيلَكم عن مسالحها.. ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينتزع حِجلها وقُلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كَلْم، ولا أُريق لهم دم، فلو أن امرءً مسلماً مات مِن بعد هذا أَسَفاً ما كان به مَلوماً، بل كان عندي جديراً.
ثمّ يُعرِب الإمام عن عمق دهشته إزاء هذه الحالة المريرة التي وصلت إليها الأمّة:
ـ « فياعجباً!.. عجباً.. واللهِ يُميت القلب ويَجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم، فقُبحاً لكم وتَرَحاً حين صِرتُم غَرَضاً يُرمى.. يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزَون ولا تَغْزُون، ويُعصى الله وترضَون!..
وهنا تبلغ الآلام ذروتها فينفجر القلب الكبير ويتشظّى حِمماً، فيخاطب الضميرَ النائم بلهجة كلّها غضب:
ـ « يا أشباهَ الرجال ولا رجالَ! حُلومُ الأطفال.. وعقولُ رَبّات الحِجال، لَوَدِدتُ أنّي لم أَرَكم ولم أعرفكم؛ معرفةً واللهِ جَرَّت ندماً، وأعقبَتْ سَأَماً... قاتَلَكُم الله! لقد ملأتُم قلبي قَيْحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغَبَ التَّهْمام أنفاساً... ».
ثمّ يعبّر عن مظلوميّته وضياع عقله الكبير وسط نقيق الحمقى، فيقول:
ـ وأفسدتُم علَيَّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتّى لقد قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا عِلم له بالحرب: للهِ أبوهم! وهل أحدٌ منهم أشدُّ لها مِراساً.. وأقدمُ فيها مقاماً مني! لقد نهضتُ فيها وما بلغت العشرين، وهأ أنا ذا قد ذَرَّفت على الستّين.. ولكن لا رأيَ لمِن لا يُطاع.
وها هو الإمام يقف حائراً، يتساءل عمّا ألمّ بالأُمّة، بينما الضحّاك بن قيس يُغير على قوافل الحجيج في الشهر الحرام.. ليبُثّ الرعب في أيامٍ أرادها الله أن تكون مُفعمة بالسلام:
ـ أيّها الناس المجتمعةُ أبدانُهم.. المختلفةُ أهواؤهم؛ كلامكم يُوهي الصُّمَّ الصِّلاب، وفِعلكم يُطمع فيكم الأعداء!
تقولون في المجالس كَيتَ وكيت، فإذا جاء القتال قُلتم حِيدي حياد! ما عزّت دعوةُ من دعاكم، ولا استراح قلبُ من قاساكم، أعاليلُ بأضاليل، وسألتموني التطويل، دفاع ذي الدَّين المَطُول... ».
وتنفجر تساؤلات الإمام المظلوم:
ـ لا يمنع الضيم الذلول:.. ولا يُدرَك الحق إلاّ بالجدّ!.. أيَّ دارٍ بعد داركم تمنعون ؟ ومع أيّ إمامٍ بعدي تقاتلون ؟.. المغرور واللهِ مَن غررتموه.. ومَن فاز بكم فقد فاز ـ واللهِ ـ بالسهم الأخيب..
ومَن رمى بكم فقد رمى بأَفْوَقَ ناصل.. أصبحتُ والله لا أُصدّق قولكم؛ ولا أطمع في نصركم؛ ولا أوعد العدوّ بكم.. ما بالكم ؟! ما دواؤكم ؟! ما طبّكم ؟!
وتبقى تساؤلات الإمام دون جواب؛ فيغضب من أجل الله ويحاول هزّ الضمير المثقَل بالخَدَر.. المصفَّد بأغلال الخوف.
ـ ما بالكم ؟! أمخرسون أنتم ؟!
وجاءه جواب واهن:
ـ يا أمير المؤمنين، إن سرتَ سِرنا معك!!
يا لهذه الأمّة ؟! تطلب من إمامها أن يترك كلّ شيء ليتصدّى إلى الغارات هنا وهناك، بينما معاوية يربض في دمشق يخطّط كيف يقضم « تراث محمّد صلّى الله عليه وآله »:
ـ ما بالكم لا سُدِّدتم لرُشد، ولا هُديتم لقَصد! أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ؟! وإنّما يخرج في مثل هذا رجلٌ ممّن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجُند والمصر وبيت المال وجِباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين، ثمّ أخرُج في كتيبة أتبع أخرى... وإنّما أنا قطب الرَّحى تدور علَيّ وأنا بمكاني ».
لقد بدأ عصر التيه وسوف تتيه أُمّة الإسلام كما تاه قوم موسى من قبل، تاهوا أربعين سنة، لنُصغِ إلى الإمام وهو يبشّر بالتيه والضياع لأُمّة لم تعرف قَدْر إمامها وراعيها، فتركته وحيداً في مواجهة القاسطين!
ـ أيّها الناس، لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم مَن ليس مثلكم ، ولم يَقوَ من قَوِيَ عليكم.. لكنّكم تهتم متاه بني إسرائيل..
ولعمري لَيُضعّفنّ لكم التِّيهُ من بعدي أضعافاً بما خَلّفتُم الحقّ وراء ظهوركم.. ».
وهكذا غطّت الأُمّة في نوم عميق، وضُرب على آذانها فلم تعد تسمع كلمات سيد الأوصياء في التاريخ.
ها هو الإمام يستنهض فيهم بقايا الروح.. يدعوهم لمواجهة الزمهرير القادم من أرض الشام حيث ربض الشيطان.
ولكن لا شيء سوى صمت المقابر... وقام رجل ليقول:
ـ ها أنا ذا وأخي، فمُرْنا بأمرك..
فيقول الإمام متأسفاً:
ـ وأين تقعان ممّا أريد ؟
بل لقد وصل الأمر أن دعاهم للجهاد وقد عصفت الغارات بالمدن وقُتِل نِسوةٌ وأطفال.. فلم يستجب أحد.. فأخذ الإمام سلاحه ومضى صوب النخيلة وحيداً!
ولكنّ عليّاً سلام الله عليه لم يكن الرجلَ الذي يخشى شيئاً حتّى لو ظلّ وحيداً، وها هي كلماته وهو يخاطب أخاه وقد خوّفه عواقب الطريق الذي سلكه دون مساومة أحد: « لا يزيدني كثرةُ الناس حولي عِزّة، ولا تفرّقهم عني وحشة، ولا تحسبنّ ابنَ ابيك ولو أسلمه الناس متضرّعاً متخشّعاً، ولا مُقرّاً للضيم واهناً ».
وهو الذي قال مرّة:
ـ « واللهِ لو تظاهرتِ العربُ على قتالي لما ولّيتُ عنها

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:35 AM
الجمعة 12 رمضان سنة 40 هـ

أطلّ شهر رمضان بوجهه الكريم ليدخل الإنسان المؤمن عوالم الملكوت؛ رياح شباط تجوس خلال المدينة المشهورة بالغدر.
صام عليّ.. بدأ رحلته إلى الملكوت، يتضوّر جوعاً، الجسد الآدمي يذوب أمام سطوع الروح وهي تتوهّج كلّما اقتربت ليلة القدر.
ها هو عليّ يرتقي المنبر.. فكأنّه يتأهّب للرحيل.. كان يرتدي قميصاً من صوف.. في رجلَيه نعلان من ليف خَصَفَهما بنفسه.. جبينه يتألّق نوراً من أثر السجود.. حبس التاريخ أنفاسه وهو يُصغي إلى كلمات رجل على وشك الرحيل:
ـ « الحمد لله الذي إليه مصائر الخَلْق.. وعواقبُ الأمر.. ».
ـ «... لم يُولَد سبحانه فيكون في العزّ مُشارَكاً.. ولم يَلِد فيكونَ موروثاً.. ولم يتقدّمه وقت ولا زمان... ».
ها هو يُذكِّر الناس بالرحيل... لقد أزِفَت الساعة:
ـ أُوصيكم عِبادَ الله بتقوى الله الذي... ألبسكم الرِّياش، وأسبغ عليكم المَعاش؛ فلو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سُلَّماً أو لدَفْع الموت سَبيلاً لكان ذلك سليمان بن داوود عليه السّلام؛ الذي سخّر له ملك الجن والإنس مع النبوّة وعظيم الزُّلفة، فلما استوفى طُعمتَه واستكمل مُدّته، رمته قِسيُّ الفَناء بنبِال الموت.. وأصبحت الديار منه خالية والمساكن مُعطّلَة، وورثها قومٌ آخرون، وإنّ لكم في القرون السالفة لعِبرة!..
وهنا يفجّر أسئلة التاريخ ليتساءل عن مصير حضارات سادت.. ثم بادت:
ـ « أين العمالقة وأبناء العمالقة ؟! أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ؟ أين أصحاب مدائن الرَّسّ الذين قتلوا النبيين، وأطفأوا سُنن المرسلين، وأحيوا سُنن الجبّارين ؟!... أين الذين ساروا بالجيوش، وهزموا بالألوف، وعسكروا العساكر، ومدّنوا المدائن ؟! ».
وها هو يُذكّرهم بأنّه وريث الأنبياء، وأنّه خير الأوصياء، فهل ينتظرون مَن هو أهدى سبيلا:
ـ أيّها الناس، إنّي قد بثثتُ لكم المواعظ التي وَعظ الأنبياء بها أُممهم، وأديت إليكم ما أدّت الأوصياءُ إلى مَن بعدهم.. للهِ أنتم! أتتوقّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويُرشدكم السبيل ؟! ».
لقد بدأ عصر الانحطاط في اللحظة التي هوى فيها الشهدا في « صفين »:
ـ ألا إنّه قد أدبر مِن الدنيا ما كان مُقبلاً، وأقبل منها ما كان مُدبراً، وأزمع الترحال عبادُ الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى، بكثيرٍ من الأخرة لا يفنى.
ما ضرّ إخوانَنا الذين سُفِكت دماؤهم ـ وهم بصفّين ـ ألاّ يكونوا اليوم أحياءً ؟ يُسيغون الغُصص ويشربون الرَّنْق!..
وكأنّ الإمام ينظر هنا وهناك يبحث عن إخوان له طوَوا معه الطريق إلى صفّين:
ـ « أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على السحقّ ؟
أين عمّار ؟
وأين ابن التيِّهان ؟
وأين ذو الشهادتَين ؟
وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المَنيّة، وأُبْرِد برؤوسهم إلى الفَجَرة ؟! ».
وهنا يصل الإمام إلى ذروة التأثّر، فيضرب على لحيته الكريمة.. ويستغرق في البكاء.. البكاء من أجل كلّ الذين رحلوا وجباههم مرفوعة، إلى الشمس، فتنبعث من أعماق قلبه الكسير آهة حرّى:
ـ أوِّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفَرْض فأقاموه.. أحيوا السُنّة وأماتوا البِدعة.. دُعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه..
ثمّ أطلق صيحاته كأنّه يخاطب التاريخ والأجيال:
ـ « الجهادَ الجهاد عباد الله!..
ألا وإنّي مُعسكِرٌ في يومي هذا؛ فمَن أراد الرواح إلى الله فليخرج!

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:36 AM
صفّين... هاجس العودة

سوف تبقى « صفّين » أرض التاريخ.. نقطة للحضارة وميداناً للصراع.. الصراع الخالد بين الخير والشرور.. وعلى الذين يريدون توجيه حضارة الإسلام من جديد أن يعودوا إلى صفّين؛ إلى خنادق الصراع.. خلف « القائد ».
ها هو عليّ يطالب الأُمّة بالعودة إلى صفّين.. لتحطيم الأوثان البشرية.. لإحراق العِجْل.. وليشهد رمضان انتصار الروح.. انتصار محمّد من جديد.. وهزيمة أبناء الأحزاب

ليالي البرد

رياح شباط الباردة ما تزال تجوس الأزقّة، وها هو خير الأوصياء في التاريخ.. يخطو باتّجاه الرحيل.. ليالي رمضان تتألّق بنورٍ عجيب لا تستمدّه من ضوء القمر.. والأسحار تزخر بالنجوم كقلوب واهنة تنبض من بعيد.. تراقب من أغوارها السحيقة إنساناً يحمل ميراث الأنبياء.
الرجل الذي طهّرته السماء، يمضي لياليه الأخيرة في بيوت أبنائه وبناته.. خاوي البطن، لا يُفطر إلاّ على كسيرات من خبز.. الجسد البشري يذوب تحت وهج الروح العظيم


الخميس 18 رمضان 40 هـ

أفَلَت شمس الخميس سريعاً كطبعها في أيام شباط.. نسائم باردة تهبّ من ناحية الشمال تُبشّر بليالي الزمهرير الطويلة؛ وكان الأُفق الغربي شاحباً فكأنّه يعلن عن غدٍ غائم.
السَّحَر ظلمات يتراكم بعضها فوق بعض.. والنجوم تشتدّ سطوعاً في سماء غارقة في الليل..
الإمام جالس في المحراب، قد أوهنه السهر والانتظار.. هوّمت عيناه.. ليلج عالماً آخر.. عالماً شفافاً.. تدفّق شلاّل من نور محمّد.. أضاءت روحَه المُترَعة بالحزن ابتسامةُ آخر الأنبياء.. حبيب الله.. خفّ عليّ للقاء الحبيب يشكو إليه وَيْلات الأرض.. همس عليّ بأسىً:
ـ يا رسول الله.. ماذا لقيتُ من أُمّتك من الأود واللدد ؟!
قال محمّد صلّى الله عليه وآله لأخيه:
ـ ادْعُ عليهم:
ووجد عليّ نفسه يتضرّع إلى السماء يشكوها ظُلم الأمّة:
ـ أبدلني اللهُ بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً لهم منّي.
لقد استشرى الانحراف في روح الأمّة وباتت الأشياء تُرى بالمقلوب، ومن هنا كانت محنة عليّ، وهو يشقّ طريقه على هدى محمّد صلّى الله عليه وآله في دربٍ قلّ سالكوه، فإذا هو بين فريقَين: أحدهما يكْفر به ويكفّره، وآخر يعبده

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:36 AM
اغتيال الشمس

تطلّع عليّ عليه السّلام إلى السماء الزاخرة بالنجوم.. الفضاء مشحون بشيء عجيب.. لَكأنّ السماء تكاد تمسّ الأرض، أو أنّ الأرض تتعلّق بالسماء.. هتف عليّ والناس نيام:
ـ إنّها الليلة التي وُعِدتُ فيها! والله ما كَذبت ولا كُذِبت.. الظلمة تتكاثف، الفجر ما يزال يمزّق حُجُب الظلام.. وعليّ يتخطّى باحة المنزل وقد ولّى وجهَه شَطْر المسجد الأعظم.. صاح الوزّ.. كأنّه يطلق استغاثة أو يحذّر من المجهول؛ تمتم عليّ:
ـ صوائح.. تتبعها نوائح..
ومضى عليّ يشق طريقه في ظلمة الفجر.. أزفت لحظة الرحيل.. هناك في زاوية من المسجد سيف مسموم.. سيف يشبه ثعباناً منتفخاً بالسم..
هتف أمير المؤمنين ليوقظ النيام:
ـ الصلاةَ! الصلاة! عِباد الله!
تحرّك الثعبان.. تلوّى.. ظهر صوت يشبه فحيح الأفاعي.. صوت ابليس وهو ينفخ.. صفير موحش وبريق مخيف.. وسيف جبان يهوي باتّجاه وجهٍ ما سجد لغير الله.. وتفجّرت الآلام، وهتف عليّ وقد هوى في المحراب؛ وقد غمرت وجهَه ولحيته الدماء:
ـ فُزتُ وربِّ الكعبة..
وظهر ابليس ينظر بحقد إلى آدم وقد اجتباه ربّه.. وبدا قابيل يتشظّى غيظاً وهو يرى قُربان أخيه ترفعه السماء.. فسوّلت له نفسه قَتْل أخيه فقتله. فأظلمت الأرض وهبّت عاصفة الزمهرير..
انطفأت قناديلُ المسجد.. انكفأت الشموع.. وفرّ الربيع، وبدا محراب المسجد الأعظم خاوياً تغمره ظُلمة مخيفة.. وعليّ في منزله يذوب جسده تحت وهج الروح وهي تتأهّب للرحيل..

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:37 AM
همسات قبل الرحيل

رغم كلّ الضجيج والصخب الذي ضجّت به تلك الحقبة من الزمن.. حيث عربدة الخنازير، وصخب الشهوات.. وحمّى اللذائذ.. ولكن عليّاً عليه السّلام كان يُصغي إلى نداءات قادمة من بعيد.. إنّها نداءات الرحيل، ها هو عليّ يفلسف الحياة.. يفضح كلّ بهارج الدنيا بكلمتين:
ـ الرحيلُ وَشيك..
حتّى إنّ المرء ليحسّ سرعة الرحيل من ايقاع الكلمة.. لكأنّها سهم يخطف قرب الأُذن.. لا تشعر به ولا تسجّل سوى صوت قصير.. قصير للغاية..
وها هو ينادي شهود عصره:
ـ تَجهَّزوا رحمكم الله! فقد نُودِيَ فيكم بالرحيل!
لقد عاش عليّ غريباً في عصره.. لم تكن غربته غربة وطن. لقد فقد أحبّته.. إنّه يحنّ إليهم يتمنّى لُقياهم.. فيقول:
ـ فَقْدُ الأحبّةِ غُربة..
كلمات تنضح حزناً وأسىً.. ولوعة..
وعاش عليّ يحارب الشرور.. إنّه يعرف كيف يكافحها.. يعرف أنّ ميدانها الأول في أعماق النفس الإنسانيّة.. لهذا تراه يهمس بصوت هادئ:
ـ احصُد الشرَّ من صَدْر غيرك بقَلْعه من صدرك..
وعلي يكشف للإنسانية مأساة العقل البشريّ، أنّها تكمن في الأطماع.. وها هي العقول تتساقط أمام الأطماع.. عندما تتحوّل الطموحات الرخيصة إلى صواعق تنقضّ على العقول فتُطفئ فيها وهجها السماوي فيقول:
ـ أكثر مصارعِ العُقول تحت بُروق المطامع.
ويقول:
ـ الطمع رِقٌّ مُؤبَّد..
ويقول:
ـ الطامع في وثاق الذلّ.
ويلتفت إلى رفاقه وقد مرّ بمزبلة فيقول:
ـ هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس..
ـ وهذا ما بخل به الباخلون.
وعليّ يرسم الطريق لمن يريد أن يحيا كريماً، فيهمس في الآذان الواعية:
ـ مِن أشرف أعمال الكريم غفلتُه عمّا يعلم.
ويعلن رأيه في الثَّراء الحقيقي قائلاً:
ـ كفى بالقناعة مُلكاً، وبحُسن الخلق نعيماً.
وعليّ يرفع لواء الرحيل لأن:
ـ الدنيا دارُ ممرٍّ لا دار مقرّ..
والمجد لمن وعى كلمات عليّ.. فوهب لنفسه الحرّية.
وعليّ يثير أسئلة الإنسان حول ظاهرة محيّرة.. عندما يسكت الإنسان يفقد قدرته على النطق والتعبير؛ ويسكت خاشعاً في حضرة الموت.. عندما يجلس الكائن البشري، وقد استسلم بذلّ؛ يتساءل عليّ وهو يخاطب الإنسان:
ـ هل تحسّ به إذا دخل منزلاً ؟ أم هل تراه إذا توفّى أحداً ؟ بل كيف يتوفّى الجنينَ في بطن أُمّه ؟!.. أيلج عليه من بعض جوارحها ؟ أم الروح أجابته بإذن ربّها ؟!.. أم هو ساكن معه في أحشائها ؟!..
وينظر علي إلى السماء فتمتلئ روحه إجلالاً للواحد القهّار فيقول:
ـ كيف يصف إلهَه مَن يعجز عن صِفة مخلوقٍ مِثْلِه ؟!
وستبقى لحظة الموت ميعاداً وموعداً.. لغزاً يحيّر الإنسان.
وستبقى النفس البشرية عاجزة عن اكتشاف ذلك المجهول وقد قال خالق النفس وبارئ الروح:
(وما تدري نَفسٌ ماذا تَكسِب غداً وما تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت) .
وها هو عليّ يخاطب الإنسانية جمعاء:
ـ « أيّها الناس! كلُّ امرئٍ لاقٍ ما يفرّ منه في فِراره. الأجَلُ مَساقُ النفس؛ والهرب منه موافاته... ».
كلّما أمعن الإنسان في فراره من الموت كلّما أسرع في خُطاه نحو معانقة ما يفرّ منه.. حتّى لو أخفى نفسه في البروج المشيّدة.
فيقول عليّ صلوات الله عليه:
ـ كم اطّردتُ الأيّامَ أبحثُها عن مكنون هذا الأمر، فأبى الله إلاّ إخفاءه! هيهاتَ! عِلمٌ مخزون!
ويلتفت الإمام عليّ إلى الذين تحلّقوا حوله.. وقد أوشك على الرحيل فيقول:
ـ أنا بالأمس صاحبُكم، وأنا اليوم عِبرة لكم؛ وغداً مفارقكم..
لقد انتهى كلّ شيء وسوف يرحل سيّد الأوصياء في التاريخ، ما زال يتكلّم فتتدفّق ينابيعُ الحكمة، ويلخّص وجوده قائلاً:
ـ وإنّما كنتُ جاراً جاوركم بدني أيّاماً..
وستعقبون مني جُثّة خلاء..
ساكنةً بعد حراك..
وصامتة بعد نطق..
ليعظكم هدوِّي وخفوتُ إطراقي.. وسكونُ أطرافي..
وستكتشف الإنسانيّة عليّاً بعد رحيله.. وهو يعرف ذلك فيهتف عالياً:
ـ غداً ترون أيّامي ويُكشَف لكم عن سرائري.. وتعرفونني بعد خلوّ مكاني.. وقيام غيري مقامي

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:38 AM
حديث مع الأجيال

رياح شباط تهبّ مجنونة.. تنخر في العظام.. تبشّر بالويل والثُّبور.. الإمام يتأهّب للرحيل.. لقد مضى عهد السلام..
أجرى الطبيب فحوصاته.. لقد استشرى السم.. وأمير المؤمنين مهدّد بالموت بين لحظة وأخرى.. الروح العظيم يتوهّج.. فيذوب الجسد الآدمي.. والجبين الذي لامس الشمس ينضح عرقاً.. الشمس تهوي في هوّة الأفول.. رَمَق عليّ ولدَيه.. سبطَي محمّد وريحانتَيه من الدنيا..
عليّ يتحدّث يوصي الأجيال.. وقد توقّف التاريخ يُصغي لميراث خير الأوصياء:
ـ أُوصيكما بتقوى الله! وألاّ تَبغَيا الدنيا وإن بغتكما..
ولا تحزنا على شيءٍ منها زُوِي عنكما.. وقولا بالحقّ.. واعملا للأجر..
وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عَوناً..
وهنا يهمس في أذن الأجيال القادمة فيقول:
ـ أُوصيكما وجميعَ ولدي وأهلي..
ومَن بَلَغه كتابي..
بتقوى الله.. ونَظْم أمركم.. وصلاح ذات بينكم.. فإنّي سمعتُ جدّكما صلّى الله عليه وآله يقول: « صلاحُ ذاتَ البَين أفضل من عامّة الصلاة، والصيام ». ثّم يتدفّق النبع الإنسانيّ الذي يبني العالم الأخضر:
ـ « واللهَ.. اللهَ في الايتام فلا تَغِبّوا أفواههم.. ولا يَضيعوا بحضرتكم.. واللهَ اللهَ في جيرانكم.. فإنّهم وصيّةُ نبيكم ما زال يُوصي بهم حتّى ظنّنا أنّه سيورّثهم..
واللهَ الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيرُكم..
واللهَ الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم..
واللهَ الله في بيت ربّكم لا تُخلوه ما بقيتم، فإنّه إن تُرِك لم تناظروا..
والله والله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله..
وعليكم بالتواصل والتباذل: وإيّاكم والتدابر والتقاطع... لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم.. ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم...
وهنا يوجّه الإمام خطابه إلى بني عبدالمطلب حتّى لا يصنعوا من ثيابه الملوّنّةً بدم الشهادة قميصاً آخر فيقول:
ـ « يا بني عبدالمطلب لا ألفينّكم تخوضون دماءَ المسلمين خوضاً تقولون: « قُتِل أمير المؤمنين.. ألا لا تقتلّن بي إلاّ قاتلي.. ».
وهو يريد أن يغلق إلى الأبد ملف الحادثة:
ـ انظُروا إذا أنا مِتّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربةً بضربة.. ولا تُمثّلوا بالرجل.. فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: « إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور ».
وسكت علي.. ليتحدّث فيما بعد بلغة الصمت.. ليبقى قبره المجهول عشرات السنين يرسم علامة استفهام كبرى على العهود المظلمة التي تلت اغتيال الشمس

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:38 AM
نبوءات الزمن القادم

وعلي يستشرف صفحات الغد القادم.. ويرى الآفاق البعيدة: ويلات الحروب.. وأمواج الفِتَن.. وعواصف الزمهرير:
• سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحقّ.. ولا أظهرَ من الباطل.. ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله.. وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أَبْورَ من الكتاب إذا تُلي حقَّ تِلاوته.. ولا أنفق منه إذا حُرِّف عن مواضعه.. ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر..
فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم..
ومعهم وليسا معهم..
لأنّ الضلالة لا توافق الهدى، وإن اجتمعا.. فاجتمع القوم على الفُرقة وافترقوا على الجماعة.. كأنّهم أئمّة الكتاب وليس الكتاب إمامهم.. فلم يبق عندهم منه إلاّ اسمه..
• ويبشّر الإمام بعواصف الزمهرير التي ستهبّ من الشام بعد حين فيقول: « أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم.. مُنْدحِقُ البطن ( عظيم البطن بارزُه ).. يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد.. فاقتلوه، ولن تقتلوه!.. ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة مِنّي، فأمّا السبّ فسُبّوني فإنّه لي زكاة، ولكم نجاة، وأمّا البراءةُ فلا تتبرّأوا مني، فإنّي وُلِدت على الفِطْرة، وسَبقتُ إلى الإيمان والهجرة.
• وسوف يبدأ زمن السقوط والانحطاط عندما ينقضّ أعداء الإسلام القدامى على دين الله الحقّ.. وتبدأ الحقبة الأمويّة المظلمة: « واللهِ لا يزالون حتّى لا يَدَعوا لله مُحرّماً إلاّ استحلّوه، ولا عقداً إلاّ حلّوه »، وستعمّ المأساة المدن والبوادي:
« حتّى لا يبقى بيتُ مَدَر ولا وَبَر إلاّ دخله ظلمُهم ».
وسيبدأ زمن البكاء:
« وحتّى يقوم الباكيان يبكيان: باكٍ يبكي لدِينه، وباك يبكي لدنياه ».
• وسيبدأ زمن الويلات، عندما تشتعل الحروب المدمّرة، وها هي البصرة تحترق في أتون المعارك: وستُملأ الأهوار بالجماجم.
ـ يا أحنف، كأنّي به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجَب ولا قعقعة لُجُم، ولا حمحمة خيل، يثيرون الأرض بأقدامهم، كأنّهم أقدام النَّعام..
وسوف تتهدّم البيوت وتخرّ سقوف المنازل:
ـ وَيْلٌ لسكككم العامرة والدور المزخرفة.. التي لها أجنحة كأجنحة النسور، وخراطيم كخراطيم الفِيَلة.. مِن أولئك الذين لا يُندَب قتيلهم، ولا يُفقد غائبهم.. أنا كابُّ الدنيا لوجهها، وقادرها وبقَدْرها، وناظرها بعينها..
وها هي الأقوام في آسيا الصغرى تترك مراعيها لتجتاح بلاد الإسلام:
ـ كأنّي أراهم قوماً « كأنّ وجوههم المَجانّ المُطَرَّقة ».. يلبسون الرقّ والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل.. حتّى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المُفِلت أقلّ من المأسور! ».
ويشعر شهود ذلك العصر بالرهبة، وقد انكشفت أمامهم صفحات من الغد القادم.. فيقول أحدهم وكان كلبيّاً:
ـ لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين عِلم الغيب!
ويبتسم عليّ قائلاً:
ـ يا أخا كلب، ليس هو بعِلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم، وإنّما علم الغيب عِلم الساعة، وما عدد الله سبحانه بقوله: إنّ الله عنده عِلمُ الساعةِ ويُنزِّل الغيثَ ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأيّ أرض تموت.. فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذَكَر أو أُنثى، وقبيح أو جميل، وسخيّ أو بخيل، وشقيّ أو سعيد، ومَن يكون في النار حطباً، أو في الجنان للنبيين مُرافِقاً.. فهذا عِلم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله.. وما سوى ذلك فعِلمٌ علّمه الله نبيَّه فعلّمنيه؛ ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي.

هــــــــــادي
07-06-2008, 01:39 AM
وفي ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك رحل عليّ.. وفي قلب الليل خرج رجال يُعَدّون بالأصابع يحملون الجثمان العظيم ليطووا مسافة خمسة أميال خارج الكوفة.. وهناك في بقعة طاهرة جرت مراسم دفن سيّد الأوصياء في التاريخ.. لقد غاب عليّ عن هذه الدنيا ليسطع اسمُه في ضمير الأجيال.. ويبقى خالداً في وجدان الإنسانية على مرّ العصور والأيام..
وفي تلك الليلة عرجت روح ذلك العظيم تتخطّى السماوات في الليلة التي تُوفّي فيها موسى بن عمران ورُفع فيها عيسى ابن مريم).
وهكذا انطفأت الشمس التي أضاءت العالم حيناً من الدهر وغمرته بالنور والدفء ليبدأ زمن الزمهرير.. وتضجّ الأرض بعواء الذئاب



تمت الروايه الثانيه بحمد الله وشكره .

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:11 PM
بعض قصص العلويه بنت الهدى الصدر




صراع

كانت فاطمة تسير وهي في دوامة من الأفكار ، تتقاذفها ، وتتلاعب بعواطفها المرفهة ، ومشاعرها الحساسة. وكانت تحث خطاها ، وتستعجل الوقت لكي تصل الى حيث تريد. إلى مصدر النور والإشعاع في حياتها ، ومبعث الرضا والطمأنينة بالنسبة لعواطفها وأفكارها ، فهي تشعر بشعور مبهم تتمنى لو تمكنت من التغلب عليه والتخلص منه ، ولكنها لا تزال ضعيفة وفي حاجة الى ركيزة قوية تشدها وتأخذ بيدها لانتشالها مما هي فيه. وكانت تحدث نفسها قائلة : سوف احدثها عن كل شيء ، سوف اشرح لها ما الاقيه من صعوبات ، وسوف اعترف امامها بأني خائفة من ان يلحقني الجبن او ان اتراجع.
وما أن وصلت الى البيت المقصود حتى اندفعت تطرق الباب في لهفة ، وهي خائفة من الخيبة ومن عدم وجود صديقتها في البيت ، وحينما انفتحت الباب اندفعت تسأل عن عفاف ، ولما علمت بوجودها اتجهت نحو غرفتها بخطوات مضطربة فتلاقت معها وهي قادمة لاستقبالها ببشاشتها


الهادئة ، فصافحتها بحرارة وسارتا حتى استقر بهما الجلوس في غرفة عفاف ، وبنغمة طيبة تصحبها رنة عتاب قالت عفاف : لقد اوحشتيني طيلة الأسبوع الماضي يا فاطمة فأهلا بك وسهلاً . ولم تكد فاطمة تستمع الى صوت عفاف ، ونغمتها الرصينة الحنون ، حتى سكنت جذوة ثورتها وكادت ان تنسى ما أتت لأجله ، ولهذا فقد اطرقت دون ان تجيب ومرت فترة ، كانت خلالها عفاف تحدق في وجه فاطمة حتى قرأت مشاعرها مرتسمة عليه ، ثم تقدمت بمجلسها نحو فاطمة ، وابتسمت ابتسامة عطف وتشجيع وهي تقول أراك لست على طبيعتك يا فاطمة فهل لي ان أعرف السبب ؟ وكأن هذا السؤال قد فتح امام فاطمة باب الحديث ، فقالت وصوتها يتهدج ما أراني الا منكرة لحالي يا اختاه ، فقد تنكرت لي عواطفي ، وخانتني الشجاعة بعد أن حسبت أني قد تدرعت من ايماني بدروع تعصمني من الشيطان ، وتصد عني كل ما من حقه ان يصل الى غايتي او هدفي من قريب او بعيد ، ولكن ... وسكتت فاطمة تحاول أن تستحضر العبارة الواضحة التي تكشف عما تعانيه ، ولكن عفاف سبقت افكارها وقد توصلت الى معرفة المحنة التي تعيشها صديقتها ، والدور الذي تمر فيه ، فقالت وكأنها تحاول ان تفتح امام فاطمة باب الحديث ، لتتعرف على جميع ما لديها وما تحسه من مشاعر قالت ولكن ماذا يا فاطمة ؟ قالت فاطمة ولكن شجاعتي بدأت تخونني يا أختاه ، فلم أعد اطيق هذه

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:12 PM
الصعوبات التي تعترض طريق الدعوة الدينية ، قالت عفاف : وأي صعوبات هذه يا فاطمة ؟ حدثيني بما لديك فلست سوى أختك في الإيمان . قالت فاطمة ، لقد آمنت بواجبنا نحن المسلمات ، ومسؤوليتنا تجاه ديننا واسلامنا الحبيب ، فاندفعت أدعو اليه ، واحاول ان استنقذ من اتمكن عليهن من بنات الإسلام من الواقع المرير الذي يضللهن ، ولكن المجتمع يا عفاف . وسكتت فاطمة فقالت عفاف وماله يا فاطمة قالت فاطمة إنه مجتمع فاسد لا يقيم للمفاهيم والمثل وزنا ولا ينظر إلا من وراء منظار المصالح والغايات ، هذا المجتمع جعلني أشعر بمرارة لم أكن أريدها أو ارغب فيها قالت عفاف او كنت تحسبين ان طريق الخدمة الدينية مفروش بالأزهار ؟ خال من المتاعب والمصاعب ؟ نحن لا ينبغي لنا ان ننكر وجود المصاعب والمتاعب ، ولكن المطلوب منا أن لا نحس بقساوتها ومرارتها ما دمنا قد سرنا في طريق الله ، وفي طريق الحق ، ألم تسمعي قسم الفتاة المؤمنة الذي ينطق عن لسان كل من مشت في طريق الله ؟


اسلامنــا انت الحبيب * وكل صعب فيك سهــل
ولأجل دعوتك العزيـزة * علقـم الأيـام يحـلــو

والآن . حدثيني بهدوء عما آثارك يا فاطمة ؟ قالت فاطمة أنه ليس بالشيء المعين يا عفاف ، قالت عفاف ، ولكنه


الجبن امام التيارات المنحرفة ، والخوف من الأفكار المسمومة ؟ وكانت عفاف تحاول بكلماتها هذه ان تثير الحمية في فاطمة وفعلا فقد نجحت بمحاولتها فما كادت فاطمة تسمع كلمة الجبن والخوف حتى انتفضت مستنكرة وهي تقول : أبدا أبدا أنا لا اجبن اما تيار ، ولا اخاف من فكرة ، ولكنها المضايقات ، المعاكسات ، عدم التجاوب عدم التفهم و و و

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:12 PM
ويرمونه بالحجارة والسباب ، حتى التجأ الى جدار هناك ورفع يديه نحو السماء وهو يقول : « اللهم اليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين وربي ، الى من تكلني ؟ الى قريب يتجهمني ! أم الى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب ؟ فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي اوسع لي » إن علينا يا فاطمة أن نتذكر خاتمة هذا الدعاء حينما يقول ، ان لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، بعد بدايته الناطقة بالألم والأسى ، فنحن ما دمنا على ثقة من صواب فكرتنا ، وصدق عقيدتنا ، ينبغي أن لا نتداعى امام التهاويل والأباطيل ، او امام المشاكل والعقبات ، تذكري يا فاطمة ان السيدة زينب بنت امير المؤمنين لما وقفت على جثمان أخيها الإمام الحسين في يوم عاشوراء ، وهو الأخ والحامي والمعيل ، قالت زينب وهي تقف على جثمان الإمام رافعة يدها نحو السماء اللهم تقبل منا هذا القربان ، نعم يا فاطمة علينا أن نتذكر كل هذا ، لكي لا نستهول الأحداث التي تعترض طريقنا . وما أن سكتت عفاف حتى استعبرت فاطمة وهي تقول ، لا حرمني الله منك يا عفاف فما أنت الا بلسمي الشافي ، ومناري الهادي ، فقد اعدت لي بكلماتك الروح التي كدت ان افتقدها ، نعم أعدتيها إلي ولكن بشكل ثابت لا يمكن أن يتزعزع أو يتأرجح ، ما كان اغباني وأنا أندفع الى اليأس يا عفاف ؟ قالت عفاف أبدا يا فاطمة أنك لم تيأسي لحظة ، ولم تكوني غبية قط ، ولكنها مشاعر تتولد


من جراء بعض العوامل في المجتمع والمحيط ، وان أحسن دليل على صمودك وايمانك انك اتجهت الي لأساعدك على الوقوف في المزالق التي لا يد لك بإيجادها ، وإنما هي نتيجة انحراف المجتمع الجاهل المسكين ، ثم لعلك قد هجرت المطالعة كما هجرتيني منذ فترة يا فاطمة ؟ قالت فاطمة أنا لم اهجرك يا عفاف ، ولكنني كنت اعيش في دوامة ، وكنت اخشى ، وسكتت فاطمة وكأنها تتردد في اكمال جملتها فاردفت عفاف قائلة كنت تخشين مصارحتي بما يعتلج في افكارك يا فاطمة ؟ أليس كذلك ، ولكنك في هذا فقط كنت غلطانة يا عزيزتي ، اتخشين مصارحتي وتنطوين على هذه المشاعر دون ان تخشي من عواقبها عليك ومضاعفاتها بالنسبة لأفكارك ؟ قالت عفاف هذا ثم حدقت في عين فاطمة وهي تبتسم بلطف فما كان من فاطمة إلا أن قالت كوني على ثقة يا عفاف من اني سوف لن ادع للضعف سبيلا الي بعد اليوم ، واعاهدك أيضا أن ابثك ما لدي من الالام والآمال ، لتكوني ملاكي الهادي كما كنت دائما وأبدا فقالت عفاف أنا لست ملاك ، يا فاطمة وما أنا إلا اختك المحبة الناصحة لك ولجميع فتيات الإسلام .

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:13 PM
مذكرات
| 2 | ـ196

لقد عشت بالأمس ساعات عصيبة تقاذفتني فيها عوامل القلق ودانت عليّ خلالها سحب اليأس ، انها كلمات لمياء ، حينما البت عليّ بنات الصف وهي تقول .. ما أرى حجاب هدى إلا ضرباً من افكار المراهقة الطائشة انها تحاول بذلك ان تجلب اليها الأنظار ؟ كانت هذه هي كلمات لمياء التي اسلمتني الى حالة نفسية مريرة شككت خلالها الى فترة في حقيقة مشاعري الذي جعلني اعيش تلك الساعات القاسية . بالله ما اقسى ان يشك الإنسان في يقينه او يتردد في واقعه ، نعم انه لشعور مؤلم ، ومؤلم جدا عفا الله عن لمياء ما اقساها وهي تكيل الاتهامات للبنات المؤمنات ، لقد جعلتني كلماتها أعود الى الدار وكل ذرة في كياني تنطق بالحيرة ، والقلق ، والألم ، ثم راجعت نفسي بعد أن تمكنت من تهدئة عواطفي الثائرة ، راجعت نفسي لأرى مدى ما تعنيه بالنسبة لي كلمات لمياء ، وناقشت الموضوع من شتى نواحيه ، فرأيت اولا ، ان دور المراهقة ليس دور الشذوذ في الأفكار كما تدعي



لمياء ، وإنما هو دور النمو نحو الكمال الجسمي والعقلي وان الفكر يتفتح خلال هذه الفترة كما لا يتفتح في فترة سواها . وذلك بعد أن يكون قد تخلص من شوائب الطفولة ولم يتعب بعد من جراء تضارب افكار الحياة ، إذن فإن فكرتي في خصوص الحجاب لا يمكن لها ان تكون فكرة ناجمة عن شذوذ فكري ، ثم رأيت ثانياً ، ان لفت الأنظار لا يتأتى بسبب من هذه الابراد التي أتلفح بها بل العكس تماماً ، فقد سبق ان مارست اساليب لفت الأنظار ، وذلك قبل ان يهديني الله للإيمان ، ورأيت كيف كانت أنظار الرجال تلاحقني بندائها الصارخ أينما اتجهت ، اني كنت المح في وجوههم جوعتهم الشرهة وتلذذهم بالعرض الجاهز السخي ولكن ، الآن ما الذي عساه يلفت اليه انظارهم من هذا الحجاب ؟ ثم حتى لو لفت نظرهم فانه سيعود اليهم خائباً وهو حسير ، سوف تكون كل قطعة من هذه الأبراد رادعا لهم عن انتهاك محراب الطهر وتدنيس الكيان المقدس ثم فكرت ثالثاً ان لمياء لم تكن تعني ما تقول ، ولكنها كانت تحاول بذلك ان تثبت قدمها في الطريق الوعر الذي سارت عليه .
وبعد كل هذا لم أعد اشعر بوقع كلمات لمياء ، ولم يعد لدي أثر منها عدى الأسف على شبابها ان يصبح في مهب الريح ، ودعوت الله ان يساعدني على التمكن من هداية لمياء ، وجرها الى طريق الصواب ، ونمت وأنا افكر في احسن طريقة أمد بها يد العون الى لمياء ، وقد اصبحت اليوم وانا

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:14 PM
اشعر براحة نفسية عميقة فقد صممت ان أجاهد من أجل لمياء ، حتى اهديها سواء السبيل ان شاء الله .

5 | 2 | ـ196
لقد كنت بالأمس على موعد مع صديقتي ولاء ، وكان من المفروض ان تزورني عصراً لأجل ان نستذكر دروسنا ونستعد للامتحان ، ولكنها لم تحضر ، وانا جد قلقة من أجلها انتظرتها حتى يئست من قدومها ، حاولت ان اتصل بها تليفونياً فلم اتمكن ، قضيت الليل كله قلقة من أجلها ، ولكنها اتصلت بي قبل ساعة وقالت انها كانت محمومة ولذلك لم تتمكن من الحضور ، فدعوت الله ان يشفيها ويمنّ عليها بأبراد العافية .
أنا احب ولاء جدا وان كانت معرفتي بها لا تتعدى السنة ، ولكنها فتاة مؤمنة ، متدينة ، فاهمة ، انها تشاركني افكاري ، وتعيش معي آمالي واحلامي ، لقد جمعتني واياها الصدفة في بداية العام الدراسي ، فجذبني نحوها ايمانها ، وجذبها نحوي ايماني ، فتعارفنا وكأنا لم نتجانب من قبل ما اصدق قول الشاعر حينما يقول :


قد يجمع الرأي اشخاصا وان بعدوا * وقد يفـرق خلف الرأي اخوانــا
6 | 2 | 196


اليوم هو اليوم الذي نعقد فيه اجتماعتنا الدينية من كل اسبوع ، نقرأ القرآن الكريم ، ونفسر آياته ، ونتمرن على تهيئة المواضيع الإسلامية ، والقاء المحاضرات الدينية ، ولا أدري هل سوف تحضر ولاء ؟ ام ان حماها سوف تعقها عن ذلك ؟

7 | 2 | ـ196
لقد كان اجتماعنا ناجحا ، وقد كانت ولاء هي أولى الوافدات ، مع أنها كانت محمومة ، وتشكو من بعض الآلام ، ولكنها قوة الإيمان ، هي التي دفعت بها الى الحضور.


وإذا حلـت الهدايــة قـلـبــا * نشطــت للعبــادة الأعضــاء

لله در ولاء ، لقد تحدثت فأبدعت واندفعت في البيان فأجادت ، وكأنها انصرفت عما تعانيه ، وحلقت بروحها وفكرها نحو هدفها الاعلى ، الدعوة الدينية.

13 | 2 | ـ196
لقد تحدثت في اجتماع الأمس حول موضوع لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وبعد الانتهاء من الحديث قالت احدى الاخوات المؤمنات ان امها تحاول ان تفرض عليها


خلع الحجاب في بعض الحالات وتوهمها انها ما دامت مؤمنة يجب عليها اطاعة امها لأن ذلك مفروض عليها من قبل الله ، والحقيقة انني قد تألمت لحال الأم الضالة ، وحال البنت المسكينة ، التي تحاول امها ان تجعلها ضحية تحت شعار اطاعة الأم ؟ ثم اكدت عليها من جديد ان لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حتى ولو كان المخلوق أماً أو أبا.

25 | 2 | ـ196
منذ فترة وأنا احاول أن اتقرب الى لمياء لغرض التمكن من هدايتها ، وما أكثر ما عانيت من هذه ، وما اكثر ما تلقيت من كلماتها الجارحة ، ولكنني ولأجل غايتي المنشودة كنت اتجرع كل ذلك بصبر واناة ، كنت احدثها بهدوء وهي تجيب بثورة ، وانظر اليها بابتسام ، وهي تواجهني بالتقطيب ، ولكنني اخذت اشعر بأن ابتسامتي بدأت تسري اليها ، وان هدوئي أخذ يشملها وهي تحدثني فتفاءلت بذلك وجعلته بادرة خير ، الشيء الذي شجعني على أن أهدي لها مجموعة من الكتب الإسلامية التي تبحث عن الحجاب واسبابه وفوائده ، وعن السفور ومباعثه ، ومفاسده ، وكان منها كتاب الحجاب لأبي الأعلى المودودي والعفاف لمحمد امين زين الدين ، ونظرية العلاقة الجنسية لمحمد مهدي الاصفي ، ومعركة التقاليد لمحمد قطب ، وامس عند خروجها من المدرسة طلبت مني أن ازورها في بيتها لأن لديها


ما تقوله لي ، ومع أن هذا الأمر يبدو غريباً لأن صاحب الحاجة هو الذي يجب ان يزور الطرف الآخر ولكني سائرة وراء غاية سامية ، وهدف معين ، ولذلك سوف أذهب اليها وانا راضية فرحانة

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:15 PM
--------------------------------------------------------------------------------

26 | 2 | ـ196
لقد ذهبت امس لزيارة لمياء ، فاستقبلتني بحرارة جعلتني لا اندم على قيامي بهذه الزيارة ، وبعد أن استقر بنا الجلوس بدأت تتحدث : تحدثت عما سمعته مني ، وتحدثت عما قرأته في الكتب التي قدمتها لها ، ثم تساءلت أخيراً هل حقا ان في امكانها ان تتعلم لو أرادت ان تتحجب أم ان الحجاب سوف يكون حائلاً دون ذلك ؟ فأوضحت لها ان الاسلام الذي فرض الحجاب على المرأة قد دعاها في الوقت نفسه الى طلب العلم ، بل ان نبي الإسلام جعله فريضة واجبة على كل مسلم ومسلمة ، وان لها أن تتعلم ولكن مع حفاظها على حجابها ومع تجنبها من الاختلاط مع الرجال بالشكل الذي يؤثر على محو الهالة القدسية التي تحيط بها .

29 | 2 | ـ196
يالله كم أنا سعيدة اليوم ، فها أنا راجعة لتوى من المدرسة بعد أن شاهدت لمياء تلجها وهي محجبة ، وتخرج منها وهي محجبة ، الحمد لله الذي فتح صدرها للإيمان ، اللهم لطفك بالبنات المسكينات ، اللهم هيىء لهن سبل الهداية



فإنهن مخدوعات ، ضللتهن افكار الحضارة الخادعة تحت شعارات العلم والتقدم.


فكأنما التعليم ليس بممكن * إلا إذا برزت بغير غطــاء

12 | 3 | ـ196
لقد قالت مدرسة التاريخ امس لو نزل القرآن في هذا العصر لما أوجب الحجاب على المرأة لأن دور المرأة في هذا الزمان والنظرة اليها لا تمكن من الاستغناءعن المرأة ولا تستيغ عزلها عن الحياة ، كان هذا ما قالته مدرسة التاريخ الست نهاد ، فما كان مني الا ان أطلب منها السماح لي بالمناقشة ، ثم قلت لها انني اناقش ما قالته من زاويتين : اولا ، ان وجود المرأة في مختلف الحضارات زمان نزول القرآن او قبله لم يكن أقل من وجودها الآن فقد كان سبق لها أن مارست شتى أنواع الظهور حتى الحكم ، فالتاريخ يحدثنا عن ملكات امثال زنوبية ، وكيلو باطرة ، وكانت الحضارة اليونانية تركع وتسجد امام معاني الجمال الموجودة في المرأة ، ولا يزال ما نحتوه لها يعد من أثمن التحف الفنية ، وكذلك الحال في الحضارة الرومانية والفارسية فهم جميعاً وان كانوا قد وأدو حق المرأة كإنسانة وشككوا في أن هل لها روح ام لا ، وهم وان منعوها عن اداء الطقوس الدينية على حساب كونها

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:15 PM
مخلوق نجس ، ولكنهم كانوا يستغلون جمالها وأنوثتها بشكل واسع حتى أمروها وملكوها كما هو الحال في كيلو باطرة ولكن ، لما أساءت التصرف قدم لها أحد الرجال ثعباناً ساماً ورجح لها أن تموت مسمومة على أن تقع اسيرة بيد العدو فتجلب لهم العار ، وهذا يدل على تجاهلهم لإنسانيتها وكيانها المستقل وإلا فبأي حق يفرض عليها الانتحار ؟ وعلى كل حال فإن هذه الصور من تاريخ المرأة في مختلف الحضارات قبل الإسلام تدلنا على أن دور المرأة في تلك العصور لم يكن أقل أو أضيق من دورها في هذا العصر إذن فالتشريع الذي شملها حين ذاك يستمر في شموله حتى الآن . اما الزاوية الثانية التي أود أن أناقش فيها فهي ان الإسلام لم يعزل المرأة ولم يستغن عنها لأجل فرض الحجاب أبدا بل ان الاسلام هو أول من جعل من المرأة شريكة مع الرجل في بنيان الأمة كما جاء في الآية الكريمة ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر او أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) وكما قال نبي الإسلام « النساء شقائق الرجال » والإسلام لم يفرض الحجاب لغرض عزل المرأة عن الحياة ، لما تدل عليه نفس آية الحجاب المباركة اذ يوجه الأمر فيها اولا الى الرجال لكي يغضوا من ابصارهم ، ولو كان الحجاب عزلا للمرأة عن الحياة لما وجد ما يبرر تشريع غض الرجال لأبصارهم ثم ان التاريخ يحدثنا عن دور المرأة المسلمة في حياة الأمة وكيف أنها كانت تشهد الغزوات مع الرسول تداوي الجرحى وسقي


العطشى ، حتى انها كانت تحمل السلاح في بعض الحالات بمرأى ومسمع من الرسول (ص) وكان رسول الله (ص) يسهم للنساء من الغنائم كما يسهم للرجال . ثم ان التاريخ يحدثنا أيضاً عن سيدات مسلمات باشرن بمهمة الدعوة الى الدين ، وعقدن الندوات للتوعية الدينية ، وروين الاحاديث عن الرسول ، وفسرن آيات القرآن الكريم ، كل هذا يؤكد لنا ان الإسلام لم يعزل المرأة عن الحياة ، ولم يوجه افكار المسلمين الى احتقار المرأة ونبذها ، حتى ان افكار المسلمين في سنة مقتل الصالح كانت تتقبل ان تتولى الحكم امرأة عندما ارتقت شجرة الدر الى العرش ، ويؤكد لنا أيضاً ان فرض الحجاب على المرأة ليس سوى استجابة لما تفرضه طبيعتها وتدعو اليه طبيعة الرجل ، فالرجل بطبعه وتكوينه تواق للمرأة ، والمرأة بطبعها وتكوينها خلقت لاستمالة الرجل ، اذن فظهور المرأة امام الرجل من حقه ان يثير في الجنسين الغرائز المكبوتة ، وهذه الغرائز اما أن تشبع حاجتها فتكون الفوضى الجنسية التي تشمل البيت والأسرة والأفراد وتحطم الرجل والمرأة سواء بسواء كما حدث في البلدان الغربية وكما تدل عليه الاحصاءات الآتية ... آ ـ ان 6 | 1 من الفتيات الامريكيات يتزوجن وهن حاملات من علاقة سابقة ـ بـ ـ تقل نسبة الزواج في اميركا بصورة واضحة وبعكس ذلك تزداد نسبة الطلاق حتى شملت ما يقارب من 25% من مجموعة الزيجات ـ جـ ـ هبوط نسبة الزواج في عرض عشر سنوات الى النصف .
هذا اذا انطلقت هذه الغرائز على سجيتها اما اذا كبتت فإنها سوف تترك وراءها مختلف أنواع العقد وأمراض الكبت من الناحية الفكرية والعاطفية . هذا هو السبب الرئيسي في فرض الحجاب وليس كما يتوهم البعض من انه ختم ملكية المرأة للرجل او عزل للمرأة عن المجتمع .

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:16 PM
| 3 | ـ196
لقد أصبحت اشعر ان مدرسة التاريخ الست نهاد اصبحت تنظر الي باحترام بعد أن عرفت انني انسانة صاحبة عقيدة ، ومبدأ ، وان تمسكي بالإسلام وآدابه ليس مجرد عادات وتقاليد ، بل أنه نابع عن رغبة وتصميم وإيمان ، لك الحمد يا ربي اذ وفقتني للتمكن من مناقشتها عندما نالت من التشريع الإسلامي ، لو كنت قد سكت في ذلك اليوم ، لو كنت قد جبنت عن مواجهتها بالحق لعدتني فتاة رجعية ، واقعة تحت تأثير العادات ، والتقاليد حتى ولو كنت قد ناقشتها ببذاءة ، لو كنت قد رددت عليها بكلمات نابية ، بأسلوب جارح ، انها ما كانت لتعترف لي بما تعترفه الآن ، لعدتني طالبة غير مهذبة ، ولأوعزت ذلك الى خطأ الفكرة التي اؤمن بها والتوجيهات الإسلامية التي أسير عليها ، ولكنني ناقشتها بهدوء ، وبأدب وبأسلوب منطقي ، وها أنا أرى نتيجة ذلك ، لقد قالت امس للطالبات ليتكن تتمثلن


بهدى ، فإنها فتاة ممتازة . لك الحمد يا ربي ، يا من قلت في محكم كتابك الكريم ( ان الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى ).

2 | 4 | ـ196
بالأمس كنت في مكتبة المدرسة اطالع كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي وانتبهت من استغراقتي الطويلة في المطالعة على صوت الست نهاد وهي تقول ما الذي تطالعينه يا هدى ؟ فنهضت واقفة بأدب وقدمت لها الكتاب فجلست على احد الكراسي تقلب صفحاته واحتراما لها ، ولأجل ان اتركها تقرأ بدون تحفظ ، غادرت المكتبة ولكنني لاحظتها حين انتهاء الدوام وهي تحشر الكتاب بين كتبها فعرفت انها تريد ان تطالعه باتقان ، انها خطوة هامة ، انها فاتحة خير.

16 | 4 ـ196
منذ مدة وانا اشعر صديقتي المؤمنة صفية تعيش في صراع نفسي مرير ، وقد أثر ذلك على نشاطها في العمل ، واندفاعها في الخدمة الدينية ، ومع انها لم تتخلف عن جلساتنا واجتماعاتنا ولكنني احس ان لديها ما يعذبها وهذا ما يحز في نفسي ويجعلني أتألم من أجلها ، ليتني أعرف السبب في الامها . أنا أجهل عن وضعها الداخلي اي شيء لا ادري لعلها في ضائقة مالية ؟ لعلها تخشى ان يتكشف من حالها ما لا تريد ؟ ولكنها غلطانة ، فنحن لا نعير زخارف الحياة


اهتمامنا ولا ننخدع ببهرجها وزبرجها ، يكفينا ويكفيها أيضا انها قد اثبتت شخصيتها في وسطنا وبرزت بين لداتها بعقيدتها وسعة اطلاعها ، وعمق مفاهيمها الإسلامية نحن نثمن الجوهر ولا يهمنا العرض ، فليست وسائل الحياة المادية سوى اشياء عرضية زائلة اما الجوهر الواقعي الذي لا يمحى ولا يزول فهو الفكر الصالح والاتجاه الخير .. ولكن صفية ، يبدو انها غير مطمئنة الى بلوغنا الى هذا المستوى من الواقعية في التفكير ، هذا اذا كانت الأزمة التي تعانيها هي ازمة مادية ، سوف احاول ان اتعرف على اسباب المشكلة التي تعيشها لعلّي اتمكن ان امد اليها يد المساعدة .

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:16 PM
| 4 | ـ196
لقد اكتشفت السبب الواقعي للازمة التي تعيشها صفية ، انها حالتهم الاقتصادية ، وبيتهم المتواضع وخشيتها من ان يؤثر ذلك على مكانتها بين الصديقات ، ولهذا فهي تعيش في دوامة من الآلام والانفعالات ، ولكنني تمكنت من جرها الى عالم الحقيقة التي نعيشها قلت لها : ان محمد بن عبد الله اعظم رجل عرفه التاريخ ، حمل الى البشرية أقدس رسالة سماوية وهو فقير ، في الوقت الذي كان يتمكن فيه ، لو اراد ، ان يعيش حياة الترف التي كان يعيشها كسرى وهرقل ، وان فاطمة الزهراء بنت الرسول كان بيتها متواضعاً يشمخ في تواضعه على ايوان كسرى وكان اثاثها بسيطاً يتعالى


في بساطته فوق رياش فارس ، وزخارف الروم ، وكذلك الحال لدى صحابة الرسول الأبرار ، فالتاريخ يحدثنا عن حريق هائل شب في المدائن خلال ولاية الصحابي الشهير سلمان الفارسي لها ، فكان ان هرع الناس الى رياشهم وأموالهم يستنقذونها بجهد جهيد اما سلمان والى المدائن وحاكمها ووراث عرش كسرى في الأمارة ، فقد حمل على ظهره كل ما يعود اليه ولم يكن ذلك يتعدى صرة صغيرة من الملابس ، وقرآن ومصلاة ، وابريق ماء ، وخرج من منطقة الحريق قائلاً : هكذا ينجو المخفون.

26 | 4 | ـ196
بالأمس التقيت بصديقة حميمة لي كانت تجمعني واياها صلة وثيقة ولهذا فقد كنت قد عرفتها عن قرب ، وعن قرب جدا فرأيتها مثال الفتاة الطيبة الطاهرة لم تكن تظن بأحد السوء ، ولم تكن تضمر سوءاً تجاه أحد ، وأكاد اتمكن ان أقول : انها لم تكن تعرف الحقد والبغضاء بمعناها الصحيح ، كانت تثق بكل رفيقاتها ثقتها بنفسها تماما ، وفية مخلصة ، تبذل يد المعونة لكل محتاجة من اخواتها المسلمات ، كانت تعطى من نفسها اكثر مما تأخذ بكثير ، فهي تحسن حبا بالاحسان واشباعا لرغبتها في مساعدة الغير وثقة منها انها بهذا ستكون الرابحة في الدارين ، وعلى كل حال فقد كانت فتاة مثالية ، ثم حدث ان ابتعدت عنها فترة لم اتمكن أبانها من مطالعتها ومراجعتها ، ثم لقيتها أمس فهزتني فرحة اللقاء ،


ولكن صدمني الاطار القاتم الذي شمل الموقف ، فقد طالعني منها منظارها الأسود الذي أصبحت لا ترى الدنيا الا من ورائه ، ثم عرفت انها قد اكتشفت في مجتمعها نواح كانت تجهلها منه ، واطلعت على مفاهيم معكوسة لم تكن تخطر لها على بال ، فرأت كيف تقلب المثل فتقابل بالنقيض ، فهي لم تشعر في يوم من الأيام ان هناك فيمن حولها من يفرق بين المحسن والمسيء في كل ظرف وحين .. وهكذا ، ولهذه النواحي واشباهها اخذت تتبرم بالحياة ، وتسعى الى العزلة والانفراد ، وقد تبدل لهذا سلوكها وتغيرت طباعها وفقدت راحتها النفسية على هذا الوضع رأيت بالأمس صديقتي بعد طول افتراق فعرفت ان هذه المسكينة ليست سوى ضحية من ضحايا المجتمع ، فما كان مني الا ان سألتها قائلة وهل ندمت يا عزيزتي على ما قدمت يداك من احسان وما وهبه قلبك من حب ؟ وهنا شعرت ان صراعا عنيفا قام بين عقلها وعاطفتها وكنت آمل ان يتغلب العقل فترد عليّ ـ لا ـ ولكنها لم تتمكن من مقاومة أي من الدافعين فسكتت ولم ترد ، فأجبت انا بدلا عنها فقلت لها برفق : قولي لا يا عزيزتي فإن عمل الخير في نفسه شيء جميل ، وصفاء النفس بذاته شعور مريح ، فلا تأسفي على شيء منهما ويكفيك سعادة انك تطالعين صفحات ماضيك فترينها بيضاء ناصعة من كل شوب ، فقولي اني لست نادمة يحفظ الله لك أجر ما فعلت . لا تندمي يا صاحبتي ولا تيأسي فما زالت الدنيا في خير ولا

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:17 PM
يزال هناك من يحفظ الجميل ، ويقدر الفضل ، ولهذا فإني ارجوك بل والح عليك ان لا تدفعك الخيبة من المجتمع الى الحقد عليه ، ولا يجرنك الفشل في عمل الخير الى الزهد فيه بل استمري على السير في طريقك الواضح ، وحاولي ان ترفعي عن عينيك هذه الغشاوة القاتمة لتعودي كعهدي بك فتاة طيبة ، حلقي في سماء الكمال ، ولا تهبطي الى حضيض النقص ، فإن اهم ما ينقص من المرأة ويحط من مكانتها هو الحقد ، والظن السوء ، لا تحقدي او تظني بأحد السوء ، احملي اختك على سبعين محمل خير وسوف ترين راحتك النفسية وقد عادت اليك كأروع ما تكون.
وهكذا بدأت احدثها بما يعود بها الى واقعها الذي تنكرت له ، ولم افارقها الا وانا على ثقة من انها سوف تكون في مستقبلها كماضيها .
5 | 3 | ـ196
لقد أصبحت اشعر ان مدرسة التاريخ الست نهاد اصبحت تنظر الي باحترام بعد أن عرفت انني انسانة صاحبة عقيدة ، ومبدأ ، وان تمسكي بالإسلام وآدابه ليس مجرد عادات وتقاليد ، بل أنه نابع عن رغبة وتصميم وإيمان ، لك الحمد يا ربي اذ وفقتني للتمكن من مناقشتها عندما نالت من التشريع الإسلامي ، لو كنت قد سكت في ذلك اليوم ، لو كنت قد جبنت عن مواجهتها بالحق لعدتني فتاة رجعية ، واقعة تحت تأثير العادات ، والتقاليد حتى ولو كنت قد ناقشتها ببذاءة ، لو كنت قد رددت عليها بكلمات نابية ، بأسلوب جارح ، انها ما كانت لتعترف لي بما تعترفه الآن ، لعدتني طالبة غير مهذبة ، ولأوعزت ذلك الى خطأ الفكرة التي اؤمن بها والتوجيهات الإسلامية التي أسير عليها ، ولكنني ناقشتها بهدوء ، وبأدب وبأسلوب منطقي ، وها أنا أرى نتيجة ذلك ، لقد قالت امس للطالبات ليتكن تتمثلن

بهدى ، فإنها فتاة ممتازة . لك الحمد يا ربي ، يا من قلت في محكم كتابك الكريم ( ان الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى ).

2 | 4 | ـ196
بالأمس كنت في مكتبة المدرسة اطالع كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي وانتبهت من استغراقتي الطويلة في المطالعة على صوت الست نهاد وهي تقول ما الذي تطالعينه يا هدى ؟ فنهضت واقفة بأدب وقدمت لها الكتاب فجلست على احد الكراسي تقلب صفحاته واحتراما لها ، ولأجل ان اتركها تقرأ بدون تحفظ ، غادرت المكتبة ولكنني لاحظتها حين انتهاء الدوام وهي تحشر الكتاب بين كتبها فعرفت انها تريد ان تطالعه باتقان ، انها خطوة هامة ، انها فاتحة خير.

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:18 PM
| 4 ـ196
منذ مدة وانا اشعر صديقتي المؤمنة صفية تعيش في صراع نفسي مرير ، وقد أثر ذلك على نشاطها في العمل ، واندفاعها في الخدمة الدينية ، ومع انها لم تتخلف عن جلساتنا واجتماعاتنا ولكنني احس ان لديها ما يعذبها وهذا ما يحز في نفسي ويجعلني أتألم من أجلها ، ليتني أعرف السبب في الامها . أنا أجهل عن وضعها الداخلي اي شيء لا ادري لعلها في ضائقة مالية ؟ لعلها تخشى ان يتكشف من حالها ما لا تريد ؟ ولكنها غلطانة ، فنحن لا نعير زخارف الحياة


اهتمامنا ولا ننخدع ببهرجها وزبرجها ، يكفينا ويكفيها أيضا انها قد اثبتت شخصيتها في وسطنا وبرزت بين لداتها بعقيدتها وسعة اطلاعها ، وعمق مفاهيمها الإسلامية نحن نثمن الجوهر ولا يهمنا العرض ، فليست وسائل الحياة المادية سوى اشياء عرضية زائلة اما الجوهر الواقعي الذي لا يمحى ولا يزول فهو الفكر الصالح والاتجاه الخير .. ولكن صفية ، يبدو انها غير مطمئنة الى بلوغنا الى هذا المستوى من الواقعية في التفكير ، هذا اذا كانت الأزمة التي تعانيها هي ازمة مادية ، سوف احاول ان اتعرف على اسباب المشكلة التي تعيشها لعلّي اتمكن ان امد اليها يد المساعدة .

24 | 4 | ـ196
لقد اكتشفت السبب الواقعي للازمة التي تعيشها صفية ، انها حالتهم الاقتصادية ، وبيتهم المتواضع وخشيتها من ان يؤثر ذلك على مكانتها بين الصديقات ، ولهذا فهي تعيش في دوامة من الآلام والانفعالات ، ولكنني تمكنت من جرها الى عالم الحقيقة التي نعيشها قلت لها : ان محمد بن عبد الله اعظم رجل عرفه التاريخ ، حمل الى البشرية أقدس رسالة سماوية وهو فقير ، في الوقت الذي كان يتمكن فيه ، لو اراد ، ان يعيش حياة الترف التي كان يعيشها كسرى وهرقل ، وان فاطمة الزهراء بنت الرسول كان بيتها متواضعاً يشمخ في تواضعه على ايوان كسرى وكان اثاثها بسيطاً يتعالى


في بساطته فوق رياش فارس ، وزخارف الروم ، وكذلك الحال لدى صحابة الرسول الأبرار ، فالتاريخ يحدثنا عن حريق هائل شب في المدائن خلال ولاية الصحابي الشهير سلمان الفارسي لها ، فكان ان هرع الناس الى رياشهم وأموالهم يستنقذونها بجهد جهيد اما سلمان والى المدائن وحاكمها ووراث عرش كسرى في الأمارة ، فقد حمل على ظهره كل ما يعود اليه ولم يكن ذلك يتعدى صرة صغيرة من الملابس ، وقرآن ومصلاة ، وابريق ماء ، وخرج من منطقة الحريق قائلاً : هكذا ينجو المخفون.

26 | 4 | ـ196
بالأمس التقيت بصديقة حميمة لي كانت تجمعني واياها صلة وثيقة ولهذا فقد كنت قد عرفتها عن قرب ، وعن قرب جدا فرأيتها مثال الفتاة الطيبة الطاهرة لم تكن تظن بأحد السوء ، ولم تكن تضمر سوءاً تجاه أحد ، وأكاد اتمكن ان أقول : انها لم تكن تعرف الحقد والبغضاء بمعناها الصحيح ، كانت تثق بكل رفيقاتها ثقتها بنفسها تماما ، وفية مخلصة ، تبذل يد المعونة لكل محتاجة من اخواتها المسلمات ، كانت تعطى من نفسها اكثر مما تأخذ بكثير ، فهي تحسن حبا بالاحسان واشباعا لرغبتها في مساعدة الغير وثقة منها انها بهذا ستكون الرابحة في الدارين ، وعلى كل حال فقد كانت فتاة مثالية ، ثم حدث ان ابتعدت عنها فترة لم اتمكن أبانها من مطالعتها ومراجعتها ، ثم لقيتها أمس فهزتني فرحة اللقاء ،


ولكن صدمني الاطار القاتم الذي شمل الموقف ، فقد طالعني منها منظارها الأسود الذي أصبحت لا ترى الدنيا الا من ورائه ، ثم عرفت انها قد اكتشفت في مجتمعها نواح كانت تجهلها منه ، واطلعت على مفاهيم معكوسة لم تكن تخطر لها على بال ، فرأت كيف تقلب المثل فتقابل بالنقيض ، فهي لم تشعر في يوم من الأيام ان هناك فيمن حولها من يفرق بين المحسن والمسيء في كل ظرف وحين .. وهكذا ، ولهذه النواحي واشباهها اخذت تتبرم بالحياة ، وتسعى الى العزلة والانفراد ، وقد تبدل لهذا سلوكها وتغيرت طباعها وفقدت راحتها النفسية على هذا الوضع رأيت بالأمس صديقتي بعد طول افتراق فعرفت ان هذه المسكينة ليست سوى ضحية من ضحايا المجتمع ، فما كان مني الا ان سألتها قائلة وهل ندمت يا عزيزتي على ما قدمت يداك من احسان وما وهبه قلبك من حب ؟ وهنا شعرت ان صراعا عنيفا قام بين عقلها وعاطفتها وكنت آمل ان يتغلب العقل فترد عليّ ـ لا ـ ولكنها لم تتمكن من مقاومة أي من الدافعين فسكتت ولم ترد ، فأجبت انا بدلا عنها فقلت لها برفق : قولي لا يا عزيزتي فإن عمل الخير في نفسه شيء جميل ، وصفاء النفس بذاته شعور مريح ، فلا تأسفي على شيء منهما ويكفيك سعادة انك تطالعين صفحات ماضيك فترينها بيضاء ناصعة من كل شوب ، فقولي اني لست نادمة يحفظ الله لك أجر ما فعلت . لا تندمي يا صاحبتي ولا تيأسي فما زالت الدنيا في خير ولا


يزال هناك من يحفظ الجميل ، ويقدر الفضل ، ولهذا فإني ارجوك بل والح عليك ان لا تدفعك الخيبة من المجتمع الى الحقد عليه ، ولا يجرنك الفشل في عمل الخير الى الزهد فيه بل استمري على السير في طريقك الواضح ، وحاولي ان ترفعي عن عينيك هذه الغشاوة القاتمة لتعودي كعهدي بك فتاة طيبة ، حلقي في سماء الكمال ، ولا تهبطي الى حضيض النقص ، فإن اهم ما ينقص من المرأة ويحط من مكانتها هو الحقد ، والظن السوء ، لا تحقدي او تظني بأحد السوء ، احملي اختك على سبعين محمل خير وسوف ترين راحتك النفسية وقد عادت اليك كأروع ما تكون.
وهكذا بدأت احدثها بما يعود بها الى واقعها الذي تنكرت له ، ولم افارقها الا وانا على ثقة من انها سوف تكون في مستقبلها كماضيها .

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:18 PM
مقاييس
انتهت السيدة سعاد من ارتداء ملابسها وهي تستعد للذهاب الى الاحتفال بمناسبة زفاف بنت صديقتها المفضلة ام سلام ثم جلست على أحد الكراسي تنتظر بنتها دعاء وكأنها عادت فشكت في حسن مظهرها فاتجهت من جديد الى المرآة ووقفت امامها مليا ثم استدارت لتطمئن من أناقتها ثم عادت الى جلستها تنتظر وكأنها استبطأت ابنتها فقرعت جرسا الى جوارها دخلت على أثره خادمة شابة قد جمعت شعرها على شكل تسريحة علاية وارتدت ( فستاناً ميني جوب ) مفتوح الصدر ، يكشف عن النصف الأعلى من الصدر ، وصبغت شفتيها بالروج الأحمر ، فنظرت السيدة سعاد اليها برضاء ، وتأملت أناقتها بدقة ثم قالت أراك قد انتهيت من استعدادك قبل سيدتك يا سنية ؟ أذهبي وقولي لها أن امك تنتظر ، فإن الطريق بعيد ، ويلزمنا ساعة من الزمان حتى نصل الى هناك ، ومن الضروري ان نكون أول الوافدات لصلتي الوثيقة بالأم وصلة دعاء بالعروس . فاستدارت الخادمة في غنج وهي تقول امرك يا مدام ، ورأت السيدة سعاد ان


تستغل فترة انتظارها لتتأكد من اناقتها ومكياجها من جديد فتوجهت الى المرآة والقت نظرة عامة على ملابسها ، ومكياجها ، وتسريحتها ثم عادت الى جلستها وهي تتأفف لتأخر ابنتها ، وتمتمت تقول ان الساعة تقارب السابعة والنصف ويلزمنا ساعة للطريق وسوف يبدأ الاحتفال في الساعة التاسعة وما كادت تتم كلماتها حيث دخلت سنية وهي تتأود في مشيتها بدلاعة فنظرت اليها السيدة سعاد مستفهمة فابتسمت البنت في مكر وقالت ان الست دعاء سوف تتهيأ يا ستي ، فاستشاطت السيدة سعاد وهي تقول : ماذا ؟ سوف تتهيأ ؟ إذن ماذا كانت تصنع لحد الآن فتمايلت سنية ثم ضحكت وهي تقول كانت تصلي قالت السيدة سعاد : كانت تصلي ؟ اذن فلم تكن تستعد طيلة هذه المدة ؟ يا لشذوذ هذه البنت المسكينة ، ثم أردفت السيدة سعاد قائلة اذهبي اليها مرة ثانية يا سنية وقولي لها ان امك لن تنتظر اكثر من عشر دقائق اخرى فذهبت سنية ثم عادت لتقول انها آتية يا مولاتي فأثارت هذه الكلمة السيدة سعاد ونهضت واقفة وهي تقول ماذا تقولين ؟ وكيف تمكنت من الاستعداد خلال هذه الفترة القصيرة ، لا شك انها سوف تجلب عليّ العار في هذه الحفلة ، اسفي عليها وعلى جمالها الرائع وهي تمحو معالمه باهمالها وشذوذها ، وللمرة الرابعة اتجهت السيدة سعاد نحو المرآة وكأنها تريد ان تعوض بأناقتها عن اناقة ابنتها وما أن عادت من امام المرآة حتى رأت ابنتها داخلة وقد انطبعت على

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:19 PM
قسماتها بسمة ملائكية زادتها جمالا وبهاءا وهي تقول : ها أناذي على استعداد يا أماه ، ولكن السيدة سعاد تسمرت في مكانها وهي تتأمل ابنتها بعين ناقدة ثم انفجرت تقول بتهكم طبعا طبعا انك على استعداد وأي استعداد هذا أو سوف تذهبين الى الاحتفال بهذا الثوب الطويل المغلق ؟ ومع هذا الشعر البسيط المهمل ؟ وبهذه الأكمام الطويلة ؟ ثم اين المكياج ؟ وهل هناك فتاة لا تعرف ان ترسم عينيها وشفتيها غيرك يا مسكينة ؟ لقد اخرتيني طيلة هذه المدة وقد كنت آمل ان تكوني مشغولة باعداد نفسك للحفلة فإذا بك كنت تصلين ، ثم تقولين باعتزازها انا ذي على استعداد ، وكانت دعاء تستمع الى امها بهدوء ، وبعد أن انتهت الام من حملتها الثائرة قالت دعاء بصوت مؤدب اما أني كنت اصلي فإن الواجب الديني كان يحتم على ذلك لأني سوف لن اتمكن من الصلاة خلال الاحتفال وسوف لن ينتهي الاحتفال قبل نهاية وقت الصلاة ، وأما ثوبي فهو ليس بالطويل يا اماه أبدا ولكنه ليس ميني جوب واما شعري فهو مصفف بشكل بديع ولكن بدون أن أجلس ساعات في صالون الحلاقة استمع الى انغمام الموسيقى والوث شعري بمختلف أنواع المواد ، وأما المكياج ؛ فأنا لا أجهل طريقة وضع المكياج يا أماه ولكني لا اشعر بالحاجة الى ذلك ولا اريد ان اعتمد عليه في ابراز شخصيتي بين المجتمع ، فهزت الأم رأسها بأسف وتبرم وتمتمت تقول دعينا نمضي قبل ان ترتقي المنبر وتمطرينا بسيل من المواعظ


والحكم كعادتك دائماً ولكني احس بمرارة الأسف وأنا ارى سنية تفوقك زينة واناقة ، فقالت دعاء اذا كانت المقاييس تقاس بهذا الشكل من الاناقة فان لسنية كل الحق ان تتقدم عليّ في هذا المضمار ، قالت السيدة سعاد الواقع اني لست ادري كيف ستقابلين وجوه المجتمع من سيدات وسادة هناك ! وبأي صورة باهتة سوف تظهرين وسط أجواق المطربات والمغنيات ؟ فردت دعاء بهدوء ان الاحتفال ليس بمختلط يا أماه ولو كان مختلطاً لما ذهبت اليه بأي حال من الأحوال ، ثم ليس هناك أي جوق غنائي ، أو أي مجموعة طرب ، فقهقهت السيدة سعاد وهي تقول مستهزئة اذن فإن الدعوة لأجل القاء خطاب ديني في فضل الحجاب ؟ فكتمت دعاء غيضها وقالت بهدوء : لا ، ليس هناك خطاب ديني ولكنه اجتماع لوداع العروس قبل رحلتها الى شهر العسل ، ولاحظت الأم ان دعاء تتكلم بجد وانها مستعدة لاطالة الحديث ، فخشيت ان تتأخر عن بداية الاحتفال فقالت تريد ان تنهي الحديث هي بنا الآن ، وخلال الطريق حدثيني بما لديك من أخبار الاحتفال ، فاتجهت دعاء الى حيث اتت بمعطف أسود طويل فضفاض وارتدته ثم لفت حول رأسها طرحة سميكة سوداء وكانت امها قد اعتادت ان تراها في هذا الزي ولذلك لم تعترض من جديد واستقلتا السيارة ومعهما سنية تحمل علبة فيها وسائل مكياج سيدتها لتصلح ما يفسد من مكياجها خلال الطريق ، وبعد أن قطعت السيارة

هــــــــــادي
29-06-2008, 02:23 PM
النصف الأكثر من الطريق سألت السيدة سعاد ابنتها كيف عرفت ان الحفلة غير مختلطة يا دعاء ؟ وانها خالية من الأجواق الغنائية ، قالت دعاء كان من المفروض ان تكون الحفلة مختلطة وان تقام في احد النوادي العامة وذلك تمشياً مع ذوق السيدة أم العروس ، ولكن صديقتي العروس ابتهال وهي فتاة مؤمنة قوية في ايمانها كما تعلمين ، أبت ان تكون حفلة زفافها على هذا الشكل من التحدي لأحكام الشريعة وآداب الاسلام ، وحصل صراع ، بين الأم والبنت ولكن انضمام فكرة العريس الى فكرة العروس ، وإصرار ابتهال على الغاء الاحتفال بتاتا ، جعل أم العروس تنزل أمام رغبة ابنتها وتجعله احتفالا خاليا من كل انواع التفرنج ، وكانت السيدة سعاد تستمع الى ابنتها وعلامات الاستغراب بادية على ملامحها ثم قالت وهل ان العريس مثل العروس يحمل نفس الافكار الرجعية ؟ فابتسمت دعاء بمرارة لعبارة امها القاسية وقالت طبعا انه مثلها من ناحية الإيمان والاعتدال ولو لم يكن كذلك لما رضيت به زوجاً فالفتاة المؤمنة لا تقرن حياتها مع زوج ماجن لا يماشيها بأفكارها وعقيدتها لأن اختلاف الأفكار هو أقوى معول في هدم الحياة الزوجية ثم كيف تعتبرين هذه الأفكار افكارا رجعية وهي من صميم ديننا وقد نص عليها قرآننا ، ان افكارنا هي الأفكار الصالحة يا أماه ، وان فكرة السفور والاختلاط هي الفكرة الرجعية التي تعود بالإنسان الى العهود البدائية حيث لا شريعة سماوية ، ولا مبادىء


انسانية ، وكأن حديث دعاء كان قد أثر على أمها لأنها ردت عليها قائلة ولكن بغير حماس ان الحضارة تدعو الى ذلك يا دعاء ، قالت دعاء أية حضارة هذه يا أماه انها حضارة مبطنة بالمآسي والأهوال مغلقة بالاغلفة البراقة التي تخفى وراءها عوامل الشر ، والنزعات الحيوانية ، والأغراض الشخصية ، نحن لا نؤمن بهذه الحضارة الخادعة يا اماه ، قالت الأم بنغمة لا تخلو من أسف ولكنه المفهوم العام في زماننا هذا ، والمقياس الذي تقاس به الشخصية يا دعاء ، فردت دعاء بحماس ولهذا فنحن نسعى الى ابطال هذا المفهوم ، ونحاول ان نثبت للمجتمع أن في امكان الفتاة ان تبرز لسبب من كمالها الشخصي وليس على حساب وسائل المكياج ومستحدثات الموضة ، فهي حينما تبرز بكمالها المستقل تشعر بلذة الكمال ونشوة الانتصار ، خلاف ما لو برزت على حساب تخطيطات مصممي الأزياء وواضعي خطوط المكياج فهي حين ذاك تكون وسيلة للعرض لا اكثر ولا اقل ، وعند هذا وصلت السيارة الى باب الاحتفال فما كان من الام الا وربتت على ظهر ابنتها قائلة بارك الله فيك يا دعاء ، ليتني اتمكن ان اكتسب منك هذا اليقين ، وهذه الروح المطمئنة الواثقة .