المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسواق رصافة بغداد


فرات
12-09-2007, 04:54 PM
الحديث عن بغداد القديمة يحتمل الكثير من الامتدادات في عوالم التاريخ والجغرافيا والاجتماع والسياسة والادب والثقافة والمعمار والتجارة والاقتصاد والفن، فهي منظومة متكاملة لا تطرح لوحة عن بعض جوانب حياتها من دون ان تحمل تفاصيل جوانب أخرى، واسواق بغداد القديمة مثال حي لواحدة من هذه اللوحات، وبغداد القديمة التي يظن الكثيرون أنها اختفت في بطون الكتب، لا تزال حية باسواقها التي تحتل المواقع القديمة نفسها، انما اختلفت هيأتها وجغرافيتها قليلاً أو كثيراً وحسب، ويمكنك العودة إلى العصر العباسي لتقليب صورة هذه الأسواق في ما كتبه كثير من الادباء والكتاب البغداديين ومن شتى اقطار العالم، يقول اليعقوبي في (معجم البلدان) ص 253 عن اسواق الرصافة، اسواق هذا الجانب العظمى تجتمع فيها اصناف التجارات على رأس الجسر، ماراً من رأس الجسر مشرعاً ذات اليمين أو ذات الشمال من اصناف التجارات والفيناعات: والجسر الذي يتحدث عنه العيقوبي هو الجسر العباسي القديم شمال رصافة بغداد قريباً من موقع مدينة الطب حالياً.
ويمكنك ان تجد الكثير في (تاريخ الرسل والملوك) لمحمد بن جرير الطبري وفتوح البلدان لاحمد بن جابر البلاذري وكتاب الوزراء لابي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري وغير ذلك من الكتب كثير، وتمتد الرحلة إلى الحقبة العثمانية فتقرأ ما كتبه الرحالة الأوروبيون الذين زاروا بغداد وركزوا اهتمامهم حول ما شاهدوه من جوامع ومساجد واسواق ومنها اسواق رصافة بغداد واهمها ـ الشورجة، والبزازين، والصفافير، والهرج، والميدان.

الشورجة
ويبدأ سوق الشورجة من جوار المدرسة المرجانية المعروفة بجامع مرجان على الجانب الايسر لشارع الرشيد قبالة سوق البزازين وشارع السموأل ثم يأخذ السوق امتداداً عرضياً نحو شارع ـ الخلفاء ـ الجمهورية ـ وتطل نهايته على شارع الكفاح ـ شاعر غازي شورجة السيكاير والبورصة.
والشورجة هي محل الشورة والماء المالح ويقال أنها كانت مستنقعاً وربما مجموعة آبار أو مسطح للمياه الجوفية، ما اصطلح على تسميته (بالنزيزة) ويقول الأستاذ سالم الآلوسي (احد المهتمين بتاريخ بغداد).
ان شورجة محرفة عن شيرج وهو دهن السمسم وقد كانت هناك عدة معاصر يديرها اليهود في تلك المنطقة:
ويقول عنها فيلكس جونز في كتابه الذي اصدره اثر زيارته لبغداد عام 1846 أنها تضم في عقودها.. عقد (المنارة المكطومة) وعقد (قره اصلان) و(عقد الخفافيش) و(عقد علوة الخيار) و(عقد العنبة جيه).
وسوق البقالين وسوق التمارة وجامع الشيخ ومحلة الفراشة ومحلة الدشتي وامام طه، وقد ذكر ياقوت الحموي ان الشارع المار بهاتين المحلتين هو درب الفراشة الذي سمي فيما بعد بمحلة الفراشة وهي من بقايا العصر العباسي وما يتحدث عنه الحمودي يعود إلى القرن السابع الهجري، وقد امتدت الشورجة اليوم إلى شارع الكفاح ـ شارع غازي ـ والى محلة الكولات التي تحولت بعض دورها إلى مخازن ومحلات لبيع السكائر وتصريف العملة الأجنبية.
ومن معالم الشورجة القديمة التي بقيت اسماؤها متداولة حتى الآن ـ قهوة الحنطة ـ وخان دجاج ـ وحمام الشورجة ـ وسوق الصغير ـوسوق البقالخانة ـ وسوق التمارة ـ وسوق الفاكهة وعلاوي الشورجة، وسوق الغزل، وسبيل جامع سوق الغزل، الذي أسس سنة 1269 هـ، وسلطان حموده وتحت التكية وفي بدايتها سوق العطارين وفي نهايتها باتجاه شارع الخلفاء ـ الجمهورية ـ مقابل عمارة الضمان، عمارة بنيت قبل سنوات على ارض تخص دائرة الاموال المجمدة الخاصة باليهود ويقال ان (الكنيست) اليهودي في بغداد كان قائماً على هذه القطعة، ولهذا لا يزال التجار المسلمون يعدونها ارضاً مغصوبة ولا يجيزون الصلاة في موقعها.

الجوخجية ـ البزازون

كان سوق الجوخه جية جزءاً من سوق الثلاثاء العباسي الذي كان يقام كل ثلاثاء لأهل كلواذي حتى قبل ان يعمر المنصور مدينته، وهو سوق جامع يقام مرة واحدة شهرياً يوم الثلاثاء فقط، وابرز ما يباع فيه الحرير والدمقس كما اشار الحموي في (معجم البلدان) وفي جوار السوق نشأت محلتا دار دينار الكبرى ودار دينار الصغرى، وهما منسوبتان إلى دينار بن عبد الله احد موالي الرشيد وواحد من اجلّ قادة المأمون، ودرب دينار هو اليوم شارع المأمون، وعلى طرف المدرسة النظامية التي كانت تقع في محلة الحظائر القديمة وتتصل في الشمال الشرقي بالمدرسة المستنصرية، ومحلة الحظائر القديمة هذه هي موضع خان جغان الذي تحول إلى مجموعة اسواق، اما المدرسة فتقع في ارض سوق الخفافين، وتمتد إلى جامع الخفافين، وقد سميت (النظامية) نسبة إلى نظام الملك وزير ألب أرسلان وابنة ملك شاه وقد اسست سنة 457 هـ، وتقع اليوم خلف (سوق دانيال) للاقمشة وهذا السوق كان يشغله التجار اليهود والايرانيون على مدى سنوات طويلة، وفي المدة الأخيرة شغله العديد من التجار الفلسطينيون ولا يزال الشارع ـ السوق يحمل نفس الاسم حتى اليوم والى جانبه سوق العرب للاقمشة ايضاً وهو مختص بنوع من الاقمشة التي يطلبها سكان الريف، خصوصاً ارياف جنوب العراق، ولا يزال حتى اليوم يحمل نفس الاسم ويختص بنفس النوع من الاقمشة.

سوق الصفافير
هو اشهر من نار على علم ومن معالم بغداد السياحية، ولا يكاد يمر ببغداد سائح دون ان يمر بهذا السوق، وهو على الجانب الايمن لشارع الرشيد ومدخله من محلة باب الآغا ويمتد غرباً حتى سوق البزازين وهو جزء من محلة سوق الصفافير التي ذكرها الرحالة جيمس فلكس جونز الذي اوفدته حكومة الهند البريطانية إلى العراق اواسط القرن التاسع عشر ليقوم بمسح طوبوغرافي تهيئة للقفز على العراق واحتلاله، وقد كتب الرجل مذكراته ومشاهداته وقامت حكومة الهند بطبعها في مجلد ضخم.
وكانت تصنع في هذا السوق الاواني النحاسية كالقدور، والطشوت، والاباريق، والصحون، والقراوانات، والصفريات، (امهات العراوي) ، واللكن، كما اختص بتبييض الاواني النحاسية وتصفيرها، ومن هذا اتخذ السوق اسمه، وهو ينتج أيضاً ـ الطاوة، والمصفي، والجفجير، والبريك، والمشربه، وركبة الحمام، والجمجة، والقوشخانة، والسلبجة، والملاعق، وغير ذلك، وقد انقرضت غالبية هذه الصناعات التي كانت تطلبها السوق البغدادية قديماً وبدأت معادن أخرى تحل محل النحاس، إلا ان في الطرق على النحاس وابداع اشكال وزخارف وخطوط هندسية إسلامية وعربية لا يزال قائماً، وهو مطلوب ليس في الأسواق المحلية في بغداد وحسب وإنما في الأسواق العربية والعالمية باعتباره نتاجاً تراثياً بغدادياً رائعاً.

سوق الهرج

ويتصل هذا السوق من جهة الغرب بالقشلة (سراي الحكومة القديم ومن الشرق بالشارع المطل على مبنى القعلة سابقاً، والذي اصبح فيما بعد مبنى لوزارة الدفاع، وكانت تباع في هذا السوق الأسلحة النارية والجارحة، وتباع فيه اليوم الخردة والسكراب، والانتيكات، والاجهزة الكهربائية المستعملة والنقود القديمة والطوابع القديمة وبعض التحف، ويتصل بسوق البغدادي المشيد عام 51، وشيدت فيه قبل سنوات قليلة عمارة جديدة استغلها باعة الانتيكات والمنتجات الفولكلورية البغدادية.

سوق الميدان

وتقوم بقايا هذا السوق في منطقة باب المعظم ويقع مدخله قريباً من جامع الاحمدي المواجه لامتداد بناية وزارة الدفاع وكان يحوي محلات لبيع اللحم والخضروات والحبوب والأقمشة ومخازن الارز والحنطة والشعير، وكان سوق الهرج جزءاً من سوق الميدان ويعود تاريخه إلى القرن السابع الهجري وهو في الحقيقة نفس سوق السلطان الممتد جنوباً نحو محلة سوق السلطان، وكانت هذه محلة كبيرة وقد ذكرها ابن الاثير في حوادث بغداد سنة 601 هـ وتباع فيه الآن الاثاث الخشبية المنزلية والمكتبية وكانت من أهم معالمه ـ كهوة عزاوي ـ التي كانت من اشهر مقاهي بغداد التي ادخلت في مسرح خيال الظل أو ما كان يسمى (القراقوز) وكان يدير هذا المسرح في مقهى عزاوي رجل يدعى راشد افندي بعد ذلك استورد صاحب المقهى الراقصات والمطربين لتتحول مقهاه إلى ملهى ليلى استقطب هواة السهر البغداديين، وهناك اغنية بغدادية فولكلورية مشهورة تتحدث عن هذا المقهى وتقول كلماتها: يا كهوتك عزاوي.. بيها المدلل زعلان.